«تَعَافَوْا الحُدُودَ فيما بينَكُم، فما بَلَغَنِي مِن حَدٍّ فقدْ وَجَبَ».
رواه أبو داود برقم: (4376) والنسائي برقم: (4886) والحاكم برقم: (8156) والطبراني في الأوسط برقم: (6212) والدارقطني برقم: (3196)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ عند النسائي برقم: (4885) «تَعَافَوْا الحُدُودَ قبلَ أنْ تَأْتُونِي به، فما أَتَانِي مِن حَدٍّ، فقدْ وَجَبَ».
صحيح الجامع برقم: (2954)، صحيح سنن النسائي برقم: (4538).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«تَعَافَوْا»:
بفتح الفاء، وضم الواو (هكذا في أغلب الشروح، والصواب: وسكون الواو) من غير همز، أي: اعفوا عن الحدود. شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (17/ 278-279).
«الحُدُودَ»:
جمْعُ حدٍّ، وهو في الأصل: المنع والفصل بين شيئين، وحدود الله تعالى محارمه...، وحدود الله تعالى أيضًا ما حدَّه وقدره، فلا يجوز أنْ يُتعدَّى كالمواريث المعينة، وتزويج الأربع، ونحو ذلك مما حدَّه الشرع، فلا يجوز فيه الزيادة ولا النقصان...، والحدود العقوبات المقدَّرة يجوز أنْ تكون سُمِّيت بذلك من الحد: (وهو) المنع؛ لأنَّها تمنع من الوقوع في مثل ذلك الذنب، وأنْ تكون سُمِّيت بالحدود التي هي المحارم؛ لكونها زواجر عنها، أو بالحدود التي هي المقدرات؛ لكونها مقدَّرة، لا يجوز فيها الزيادة ولا النقصان. المطلع، للبعلي (ص: 233).
«فقدْ وَجَبَ»:
أصل الوُجُوب: السُّقُوط، يُقال: وَجَبت الشَّمْس للمغيب إذا سَقَطت، وَوَجَب الْحَائِط وجبه أي: سقط. الفروق اللغوية، للعسكري (ص: 224).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
معنى «فقدْ وَجَبَ» أي: وجب عليَّ إقامتُها عليكم. شرح المصابيح(4/ 199).
شرح الحديث
قوله: «تَعَافَوْا الحُدُودَ فيما بينَكُم» وفي رواية «قبلَ أنْ تَأْتُونِي به»:
قال السندي -رحمه الله-:
«تَعَافَوْا الحدودَ» أي: تجاوزوا عنها، ولا ترفعوها إلى، فإنّي متى علمتها، أقمتها. حاشيته على سنن النسائي (8/ 70).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«تَعَافَوْا الحدودَ» أي: تحاوزوا عنها بالستر، وترك الرفع إلى الإمام...، والخطاب لغير الأئمة؛ لأنَّه لا يجوز لهم العفو والتجاوز عن الحدود، بدليل آخر الحديث.
(و) الأمر بالتعافي: للندب والاستحباب، والمراد به الستر، لا نفس العفو. الأزهار مخطوط لوح (335).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«تَعَافَوْا الحدودَ» أي: تجاوزوا، من العفو، وهو التجاوز، والخطاب لغير الأئمة من الأمة، أي: يعفو بعضكم عن بعض فيما أتاه الآخر إليه مما يوجب حدًّا، ولا ترفعوها إليَّ. التنوير (5/ 51).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«تَعَافَوْا» أمرٌ من التعافي. مرقاة المفاتيح (6/ 2343).
قال المناوي -رحمه الله-:
«فيما بَيْنكُم» أي: تجاوزوا عنها، ولا ترفعوها إليَّ. التيسير (1/ 449).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فيما بينكم» أي: قبل أنْ يبلغني ذلك. مرقاة المفاتيح (6/ 2343).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«فيما بينكم» أي: في وقت كونه بينكم، ولم يبلغ الإمام، وقيل: في الحدود التي هي عليكم. الأزهار مخطوط لوح (335).
قوله: «فما بَلَغَنِي مِن حَدٍّ» وفي رواية «فما أَتَانِي مِن حَدٍّ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإنَّه ما بلغني من حدٍّ» أي: مما يُوجِب حدًّا. التنوير (5/ 51).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فما بلغني من حدٍّ» أي: ثَبت عندي. التيسير (1/ 449).
قوله: «فقدْ وَجَبَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقد وجب» أي: فوجب عليَّ إقامته عليكم. مرقاة المفاتيح (6/ 2343).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«فقد وجب» أي: إنْ بلغني حدٌّ فقد وجب، يعني: إقامته، وقيل: استقر وثبت ولزم، وقيل: «ما» موصولة. الأزهار مخطوط لوح (335).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فقد وَجب» عليَّ إقَامَته، يعني: الحُدُود التي بَيْنكُم ينبغي أنْ يعفوها بعضكم لبعض قبل أنْ تبلغني، فإنْ بلغتني وجب عليَّ أنْ أقيمها، والحكام مثله في ذلك. التيسير (1/ 449).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«فقد وجب» عليَّ إقامته...؛ لأنَّ الحد بعد بلوغ الإمام والثبوت، لا يسقط بعفو الآدمي، كالمسروق منه، وإليه ذهب الشافعي، وأبو حنيفة إلى سقوطه. فيض القدير (3/ 249).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فقد وجب» عليَّ إقامته؛ لأنَّها بعد البلوغ لا يسقطها عفو ذي الحق، كالسارق، ولو رفعه المسروق عليه، ثم عفا عنه، فإنَّه لا يسقط حده، والحديث عام لكل حدٍّ، وخصص أبو حنيفة هذه الصورة، فقال: يسقط الحد عن السارق بعفو المسروق عليه، وينظر بم خصصه؟ وكأنَّه بالقياس على سقوط العين المسروقة لو عفا عنها المسروق عليه، وسبب الحديث في السرقة كما في مسند أبي يعلى: «أُتي رسولُ الله برجلٍ سرق، فأمر بقطعه، ثم بكى -أي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فسُئل، فقال: كيف لا أبكي وأمتي تقطع بين أظهركم» قيل: أفلا عفوتَ؟ قال: «ذلك سلطان سوء الذي يعفو عن الحدود، ولكن تَعَافَوْا...» إلخ. التنوير (5/ 51).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فقد وجب» أي: وجب عليَّ إقامتُها عليكم، يدل على أنَّ الإِمام لا يجوز له العفو عن حدود الله إذا رُفِعَ الأمرُ إليه. شرح المصابيح (4/ 199).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقد وجب» إِقامةُ الحدِّ فيهِ، وحُرِّمَتِ الشَّفاعَةُ فيه، كما أَنَّهُ يَحرُمُ الشَّفيعُ فيهِ بلا خِلافٍ. شرح سنن أبي داود (17/ 279).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الحدود إذا رُفِعَت إلى السُّلطان وجبت، ولم يمكن العفو عنها، ولا الشفاعة فيها، بخلاف ما قبل الرفع. الصارم المسلول (ص: 389).
وقال الشيخ ابن جبرين -رحمه الله-:
يقول -صلى الله عليه سلم-: «فقد وجب» أي: متى وصلني وجب تنفيذه؛ وذلك لأنَّه عرف أنَّه ثبت عنده هذا الحد، فلم يمكنه تعطيله، بل يتحتم إقامته، هكذا أخبر -عليه الصلاة والسلام-، أما قبل أنْ يُرفع إليه، فإنَّ أهل الحقوق إذا تنازلوا، وأسقطوا حقهم لم يلزمه شيء؛ ولهذا جاء أنَّ صفوان بن أمية كان نائمًا في المسجد، وقد توسَّد رداءه، فجاءه لص فأخذ الرداء من تحت رأسه، وجعل تحت رأسه لبنة؛ ولما أخذه شعر به صفوان، فاستيقظ، ثم قبض عليه، والرداء يساوي نحو ثلاثين درهمًا، أي: أقل من ثلاثة دنانير، فلما قبضه ذهب به حتى أوصله إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأمر بقطع يده، فقال صفوان: إني قد عفوتُ عنه، فقال: «هلا قبل أنْ تأتيني به؟» أي: لماذا لم تسقط الحدَّ عنه قبل أنْ تأتيني؟ ولماذا لم تعفُ عنه قبل أنْ ترفعه إليَّ؟ أما بعد أنْ رفعته إليَّ، وعرفتُ أنا أنه سارق، فلا بد من قطع يده؛ وذلك لأنه اتصف بالسرقة، فهذا مثال في أنه يتعافى في الحدود قبل أنْ ترفع إلى السلطان.
مثلًا: لو قبضتَ على سارق في بيتك، أو قد خرج بالسرقة ووجدتها عنده، ثم عفوتَ عنه، وطلبتَ منه أنْ يرد إليك مالك، أو سرق من جيبك، أو من مخبئك نقودًا، ثم قبضتَ عليه وعرفتَ أنه هو الذي سرق، واعترف بذلك، وعفوتَ عنه فيما بينك وبينه، ولم ترفع بأمره إلى الحاكم؛ فلا حرج عليك، أما إذا رفعت بأمره فلا يفيد أنْ تتنازل عنه بعد ذلك؛ لأنَّ حق الله تعالى قد وجب، والسرقة هي حق لله؛ ولأنه حد من حدوده، وفيها حق للآدمي؛ لأنه اعتدى عليك.
وأما القذف فإنه حق لآدمي فله أن يسقطه، وأما الزنا فإنه حق لله؛ وذلك لما فيه من انتهاك الحرام، وحق للزوج، وحق للأولياء، ولكن ليس لهم أنْ يتسامحوا أو يتغاضوا عن مثل هذه الحقوق. شرح عمدة الأحكام (69/ 10).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه إلى الإمام؛ لهذه الأحاديث، وعلى أنَّه يحرم التشفيع فيه، فأما قبل بلوغه إلى الإمام، فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس، فإنْ كان لم يشفع فيه، وأما المعاصي التي لا حد فيها، وواجبها التعزير، فتجوز الشفاعة والتشفيع فيها، سواء بلغت الإمام أم لا؛ لأنَّها أهون، ثم الشفاعة فيها مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذى ونحوه. المنهاج شرح مسلم (11/ 186).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
لا أعلم بين أهل العلم اختلافًا في الحدود إذا بلغت إلى السلطان لم يكن فيها عفو لا له، ولا لغيره، وجائز للناس أنْ يتعافوا الحدود ما بينهم ما لم يبلغ السلطان؛ وذلك محمود عندهم، وفي هذا كله دليل على أنَّ لصاحب السرقة في ذلك ما ليس للسلطان؛ وذلك ما لم يبلغ السلطان، فإذا بلغ السارق إلى السلطان لم يكن للمسروق منه شيء من حكمه في عفو ولا غيره؛ لأنه لا يتبعه بما سرق منه إذا وهبه له، ألا ترى أنهم قد أجمعوا على أنَّ السارق لو أقر بسرقة عند الإمام يجب في مثلها القطع سرقها من رجل غائب أنه يقطع وإنْ لم يحضر رب السرقة، ولو كان لرب السرقة في ذلك مقال لم يقطع حتى يحضر، فيعرف ما عنده فيه، وقد اختلفوا في السارق تُدعَى عليه السرقة في ثوب هو بيده يدعيه لنفسه، وصاحب السرقة غائب، فقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: لا يخاصمه في ذلك أحد إلا رب الثوب، ولا يسمع من غيره في ذلك بينة، ولا خصومة في ذلك بينه وبين مَن يدعي عليه حتى يأتي رب الثوب أو وكيله في ذلك، وقال ابن أبي ليلى ومالك: كل من خاصمه في ذلك من الناس كان خصمًا له، وسمعت بينته، فإنْ قبلت قطع، وإنْ لم يأتِ بمدفع. التمهيد (11/ 224-225).
وقال الكاساني الحنفي -رحمه الله-:
لا خلاف في حدِّ الزنا والشرب والسُّكر والسرقة أنَّه لا يحتمل العفو والصلح والإبراء بعد ما ثبت بالحجة؛ لأنَّه حق الله تعالى خالصًا، لا حق للعبد فيه، فلا يملك إسقاطه...، وأما حد القذف إذا ثبت بالحجة فكذلك عندنا لا يجوز العفو عنه، والإبراء والصلح، وكذلك إذا عفا المقذوف قبل المرافعة، أو صالح على مال، فذلك باطل، ويرد به الصلح، وله أنْ يطالبه بعد ذلك، وعند الشافعي -رحمه الله- يصح ذلك كله، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف -رحمه الله-. بدائع الصنائع (15/ 117).
وقال ابن رشد -رحمه الله-:
وأما سقوطه (حد القذف) فإنَّهم اختلفوا في سقوطه بعفو المقذوف، فقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يصح العفو، أي: لا يسقط الحد، وقال الشافعي: يصح العفو (أي: يسقط الحد) بلغ الإمام أو لم يبلغ.
وقال قوم: إنْ بلغ الإمام لم يجز العفو، وإنْ لم يبلغه جاز العفو، واختلف قول مالك في ذلك، فمرة قال بقول الشافعي، ومرة قال: يجوز إذا لم يبلغ الإمام، وإنْ بلغ لم يجز إلا أنْ يريد بذلك المقذوف الستر على نفسه، وهو المشهور عنه، والسبب في اختلافهم هل هو حق لله أو حق للآدميين أو حق لكليهما؟ فمَن قال: حق لله، لم يجز العفو كالزنا، ومَن قال: حق للآدميين أجاز العفو، ومَن قال: لكليهما، وغلب حق الإمام إذا وصل إليه، قال بالفرق بين أنْ يصل الإمام أو لا يصل، وقياسًا على الأثر الوارد في السرقة، وعمدة مَن رأى أنه حق للآدميين -وهو الأظهر- أنَّ المقذوف إذا صدَّقه فيما قذفه به سقط عنه الحد، وأما مَن يقيم الحد فلا خلاف أنَّ الإمام يقيمه في القذف. بداية المجتهد (4/ 226).
وقال الماوردي الشافعي -رحمه الله-:
لا يجوزُ للإمامِ العفوُ عن الحُدُودِ إذا وجَبَتْ، ولا يَحِلُّ لأحدٍ أنْ يَشْفَعَ إلى الإمامِ فيها الحدود، وإنْ جازَ العفوُ عن التَّعْزِيرِ، وجَازَتِ الشَّفَاعةُ فيه. الحاوي الكبير (13/ 930).
وقال الماوردي الشافعي -رحمه الله- أيضًا:
فأمَّا المتعلِّق بحقوق الله تعالى، فكالتعزير بأسباب الزنا والسرقة وشرب الخمر مما يتعلَّق بحق الله، فللإمام أنْ ينفرد بالعفو عنه إذا رأى ذلك صلاحًا له، وله أنْ يستوفيه، ويكون موقوفًا على خياره في الصلح، وأما المتعلِّق بحقوق الآدميين: فكالمواثبة والمشاتمة، ففيه حق للمشتوم والمضروب، وحق الإمام في التقويم والتهذيب، فلا يصح العفو عن التعزير فيه إلا باجتماعهما عليه.
فإنْ عفا الإمام عنه لم يسقط حق المضروب منه، وكان له المطالبة به، وإنْ عفا عنه المضروب والمشتوم نُظِر في عفوه، فإنْ كان بعد الترافع إلى الإمام لم يسقط حق الإمام فيه، وإنْ كان له أنْ ينفرد بتعزيره إلا أنْ يعفو عنه، وإنْ كان قبل الترافع إلى الإمام، ففي سقوط حق الإمام منه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي عبد الله الزبيري قد سقط حقه منه، وليس له التعزير فيه، كالعفو عن حد القذف يمنع الإمام من استيفائه.
والوجه الثاني: وهو أظهر: لا يسقط حق الإمام منه؛ لأنَّ التقويم فيه من حقوق المصالح العامة، فلو تشاتما، وتواثب والد مع ولده، سقط تعزير الوالد في حق ولده، ولم يسقط تعزير الولد في حق والده؛ لأن الوالد لا يحد لولده، ويحد الولد لوالده، ولا يسقط حق الإمام في تعزير كل واحد منهما، فيكون تعزير الوالد مختصًّا بالإمام مشتركًا بين الوالد والإمام. الحاوي الكبير (13/ 904-905).
وقال الروياني الشافعي -رحمه الله-:
إذا لم يرفع الحد إلى الإمام لم يكن له التجسس، وهو معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «تَعَافَوْا الحدود فيما بينكم، فما رفعتموه إليَّ فقد وجب». بحر المذهب (13/ 73).
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
إقامة الحدَّ الواجب لحق الله لا عفو فيه، ولا شفاعة، ولا إسقاط إذا وصل الأمر للحاكم، وثبت بالبينة، وكذلك القصاص إذا لم يعفُ صاحب الحق فيه.
والتعزير إذا كان من حق الله تعالى تجب إقامته، ويجوز فيه العفو والشفاعة إنْ كان في ذلك مصلحة، أو انزجر الجاني بدونه، وإذا كان من حق الفرد فله تركه العفو وبغيره، وهو يتوقف على الدعوى، وإذا طالب صاحبه لا يكون لولي الأمر عفو ولا شفاعة ولا إسقاط. الموسوعة الفقهية الكويتية (12/ 255).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
القطع واجب عند العلماء على كُلِّ سارق أخرج المتاع من حرزه، وهو حق لله -عز وجل-، وليس للآدمي في القطع حق، فإنْ وجد متاعه أخذه بإجماع ليس له غير ذلك، ولا له العفو عن السارق إذا بلغ السلطان، وهو وغيره في ذلك سواء. الاستذكار (7/ 554).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
فيه: أنَّ الإمام لا يجوز له العفو عن حدود الله إذا رفع الأمر إليه، وهو بإطلاقه يدل على أنَّ ليس للمالك أنْ يجري الحد على مملوكه، بل يعفو أو يرفع إلى الحاكم أمره، فإنَّه داخل تحت هذا الأمر، وهو استحباب. مرقاة المفاتيح (6/ 2343).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قول القاري: "ليس للمالك أنْ يجري الحد..." إلخ، فيه نظر لا يخفى، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإقامة السيد الحد على مماليكه، انظر ما كتبه أبو محمد ابن حزم في كتابه المحلى (11/ 164-167) والله تعالى أعلم.
ذخيرة العقبى (36/ 393)
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: استحباب التعافي في الحدود، قبل الرفع إلى الإمام.
ومنها: أنَّه لا يجوز للإمام أنْ يعفو عن الحدود إذا رفعت إليه.
ومنها: ما قاله القاري في المرقاة: إنه بإطلاقه يدل على أنَّ ليس للمالك أنْ يجري الحد على مملوكه، بل يعفو عنه، أو يرفع إلى الحاكم أمره، فإنَّه دخل تحت هذا الأمر، وهو للاستحباب. انتهى.
ومنها: استحباب الستر على المسلم، وقد جاءت فيه أحاديث كثيرة:
فمنها: ما أخرجه الشيخان، من عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة».
ومنها: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن نَفَّسَ عن مؤمنٍ كُربة من كرب الدنيا، نَفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب يوم القيامة، ومَن يسَّر على مُعْسِر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة...» والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (36/392- 393)
وللفائدة ينظر: