السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«كنتُ رجلًا مذاءً، ‌وكنتُ ‌أستحْيِي أن أسألَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لمكان ابنته، فأمرتُ المقداد بن الأسود فسأله، فقال: يغسل ذَكرهُ ويتوضأ».


رواه مسلم برقم: (303)، من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
ورواه البخاري برقم: (132)، ولفظه: «فيه الوضوءُ».
وفي لفظ لأحمد برقم: (1009) وأبي داود برقم: (208): «يغسل ذكرهُ وأُنْثَيَيْهِ ويتوضأ».
صحيح الجامع برقم: (390).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«مَذَّاءً»:
أي: كثير الْمَذي، وهو بفتح الميم، وتشديد الذال، وبالمد. شرح صحيح مسلم، للنووي (3/ 213).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
والمَذَّاء: فعَّال، مِن ‌مَذَى ‌يَمْذِي، لا مِن ‌أَمْذَى، وهو الذي يَكْثُرُ مَذْيُهُ. تهذيب اللغة (15/ 24).


شرح الحديث


قوله: «كنتُ رجلًا مَذَّاءً»:
قال الفاكهاني -رحمه الله-:
قوله: «كنتُ» يُحتمل أنْ يكون حكاية لحاله فيما مضى، وقد انقطع المذي عنه حين إخباره به، ويحتمل أنْ تكون هذه الحالة مستديمة له. رياض الأفهام (1/ 300).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «كنتُ رجلًا مذاءً» فيه احتمالان:
أحدهما: أنَّ ذلك حكاية عما مضى، وانقطع عنه حين إخباره به، وهو بعيد، وأظهرهما: أنَّ هذه حالة مستدامة له. الإعلام (1/ 643).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
المذاء: الكثير المَذْي، والمَذْي: ماء رقيق يظهر عند اللمس والنظر والفِكْرِ، يقال: ‌مَذَيْتُ ‌وَأَمْذَيْتُ. كشف المشكل (1/ 181).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أي: كثير المذي، كما جاء عنه في كتاب أبي داود قال: «كنتُ أَلْقَى مِن المذي شِدَّةً، فكنتُ أغتسل منه حتى تشقق ظهري»، والمذي: ماء أبيض رقيق يخرج عند الملاعبة والتذكار، أكثر خروجه مِن العَزَب، وهو نجسٌ باتفاق العلماء، إلا ما يُحكى عن أحمد بن حنبل من أنه طاهر كالمني عنده، وهو خلاف شاذ...، ويُقال فيه: مذْي، بسكون الذال، وتخفيف الياء، ومذِيّ بكسر الذال، وتشديد الياء، ويُقال: مذى وأَمْذَى، لغتان. المفهم (1/ 562).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
المذي نجس؛ لقول النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- لعلي -رضي اللَّه عنه- في المذي: «اغسل ذكرك»؛ ولأنه خارج من الذَّكر، لا يُخلق منه الولد، أشبه البول، وعنه (أي: أحمد): أنَّه كالمني؛ لأنه خارج بسبب الشهوة، أشبه المني. الكافي (1/ 154).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وكان أبو بكر الخلال من أصحابنا (الحنابلة) يقول: استقر قول أحمد أنَّه كالبول. وهذا قول أكثر الفقهاء، والمنصور عندنا أنه نَجس؛ لأنه أَمر فيه بالغسل. كشف المشكل (1/ 181).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
أي: كثير المذي، وهو أدق ما يكون مِن النطفة، ويخرج عند الملاعبة والتقبيل والخطرات الشهوانية. الميسر (1/ 124).

قوله: «فأمرتُ المقدادَ بنَ الأسودِ أنْ يَسألَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فسأله»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فأمرتُ المقداد» ليس هو أمر الوجوب؛ للقرينة الدالة على عدم الوجوب؛ وأيضًا الدال على الوجوب هو صيغة الأمر لا لفظة أمر، وليست ها هنا صيغة، فافهم. عمدة القاري (2/ 215).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «‌فأمرتُ ‌المقدادَ بن الأسود» هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، وإنَّما نُسب للأسود؛ لأنه كان في حِجره، وكان قد تبناه، وقيل: حالفه. المفهم (1/ 562).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «أَمرتُ المقداد» وفي الرواية الأخرى: «عمارًا» محمول على أنه أَمَرَ أحدهما، ثم أمر الآخر قبل أنْ يُخبر الأول، وقوله في رواية صاحب الكتاب (المهذب للشيرازي) ومن وافقه: «فذكرتُ ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-» أي: أمرتُ مَن ذكر ذلك. المجموع (2/ 144).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«فسأله» أي: عن حُكم المذي. اللامع الصبيح (2/ 120).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فسأله» أي: مبهِمًا، بأنْ قال مثلًا: رجلٌ خرج مِن ذَكَرِهِ مذي ما الحكم فيه؟ مرقاة المفاتيح (1/ 359).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال (المازريّ): لم يبيِّن في هذه الروايات هل أَمَرَه أن يسأل سؤالًا عامًّا أو خاصًّا؟ فإن كان لا يلتفت إلى كيفيّة السؤال ففيه دلالة على أنَّ قضايا الأعيان تتعدَّى، وهي مسألة أصوليّةٌ مختلف فيها؛ لأنه لو كان يرى أنها لا تتعدّى لأَمَرَه أن يسأله سؤلًا يخصُّه، ويسمّي له السائل، فإنه قد يُفتح له ما لا يُفتح لغيره.
(قلتُ:) رواية المصنّف الأخيرة بلفظ: «فسأله عن المذي يخرج عن الإنسان» ظاهرة في كون السؤال عامًّا، وكذا رواية الموطأ بلفظ: «أن يسأل عن الرجل إذا دنا من أهله يخرُج منه المذي» نبّه عليه ابن الملقّن -رحمه الله-، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (7/ 436-437).

قوله: «يغسل ذَكرهُ ويتوضأ»، وقوله في لفظ: «فيه الوضوءُ»:
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
«يغسل ‌ذَكَره» بضم اللام على صيغة الإخبار، وهو استعمال لصيغة الإخبار بمعنى الأمر، واستعمال صيغة الإخبار بمعنى الأمر جائز مجازًا؛ لما يشتركان فيه من معنى الإثبات للشيء، ولو رُوي: "‌يغسلْ ‌ذكره" بجزم اللام، على حذف اللام الجازمة، وإبقاء عملها لجاز عند بعضهم على ضعف، ومنهم مَن منعه إلا لضرورة، كقول الشاعر: محمد تَفْدِ نفسَك كل نفس. إحكام الأحكام (1/ 116).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«يغسل ‌ذَكَرَه»؛ لنجاسته؛ ولتتقلص العروق وتنكسر الشهوة، فينقطع المذي، «ويتوضأ»؛ لأنه يبطل الوضوء، ولا يغتسل. شرح المصابيح (1/ 237).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
قوله: «يغسل ‌ذَكره» فقد قال فيه الشيخ أبو جعفر الطحاوي: إنما أمره يغسل المذاكير؛ لتتقلص العروق فينقطع المذي، وذلك مثل ما أمر به من نضح ضرع البدنة التي تُساق للهدى بالماء؛ كيلا يسيل منه اللبن؛ قال: فالإنسان إذا لم يؤمر بغسل الذَّكَر من البول فبالأحرى أن لا يؤمر بغسله من المذي، قلت: ويحتمل أنه أمر بغسله من المذي ولم يأمر بغسله من البول؛ لأن البول يخرج عن اختيار فيبقى في الإنسان منه، وقلَّما يتجاوز عن الحد الذي يجزئ فيه التمسح بالأحجار أو غيرها، أما المذي فإنه يسيل من غير اختيار، ثم يتفاحش بامتساس الثوب، ويحتمل أنهم كانوا لا يتنزهون عن المذي تنزههم عن البول، ولا يرونه بمثابة البول في التغليظ، فأمرهم بغسل المذاكير؛ تنبيهًا على أنه في سائر الأحكام ملحق بالبول. الميسر (1/124، 125).
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقال» النبي -صلى الله عليه وسلم- «فيه» أي: في المذي «الوضوء» لا الغسل. إرشاد الساري (1/ 223).
وقال الأسطواني -رحمه الله-:
«فيه» أي: في المذي «الوضوء» لا الغسل، فيجب بخروجه الوضوء، ويجب غسله؛ لأنَّه نجس، وهذا بالإجماع. أصل الزراري (ص: 43).
وقال الأسطواني -رحمه الله- أيضًا:
«‌فيه ‌الوضوء» أي: بخروج المذي يجب الوضوء لا الغسل، فقدَّم الخبر؛ للحصر، ولو وَجَبَ فيه الغسل؛ يلزم الحرج. أصل الزراري (ص74).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فيه ‌الوضوء»...أي: الوضوء الشرعي واجب بسببه، وإنما قلنا: الشرعي؛ لقوله (في رواية): «ويتوضأ وضوءه للصلاة»، والله أعلم. ذخيرة العقبى (3/ 435).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
لم يختلف العلماء أنَّ المذي إذا خرج على الوجه المعتاد أنَّه ينقض الوضوء. المفهم (1/ 563).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وجوب الوضوء من المذي، وأنَّه ناقض للطهارة الصغرى. إحكام الأحكام (1/ 115).
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «فيه الوضوء» يعني: يغسل ذكره ويتوضأ، وفي بعض الألفاظ: «توضأ، واغسل ذَكَرَك» الآن الحديث في بيان حكم المذي هل ينقض الوضوء أو لا؟
ينقض الوضوء، ففي هذا دليل واضح على أنه ينقض؛ لقوله: «فيه الوضوء»، ولكن يقال: إذا كان الذَّكَر يُمْذِي دائمًا؛ لأن بعض الناس يُبتلى بهذا، بأنْ يكون كل ما تذكَّر -ولو يسيرًا- أمذى، وهو لا يستطيع أن يعالج نفسه من التفكير، فإنَّه يلحق بسلس البول إذا كان لا يستطيع منعه. فتح ذي الجلال والإكرام(1/ 250).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
أنه ينقض الوضوء، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد والجماهير، قالوا: ويوجب الوضوء. العدة في شرح العمدة (1/ 177).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما حكم خروج المذي فقد أجمع العلماء على أنه لا يوجب الغسل. شرح صحيح مسلم (3/ 213).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قد أجمع العلماء على أنَّ المذي يوجب الوضوء، ما لم يكن سلسًا دائمًا؛ فإنه يصير حينئذٍ كسَلَسِ البول، ودم الاستحاضة.
ومالك لا يوجِب الوضوء منه حينئذٍ، وخالفه جمهور العلماء.
وأما إذا خرج على الوجه المعتاد، فإنه يوجِب الوضوء باتفاقهم، لا يوجب الغسل أيضًا بالاتفاق، وقد حكي عن ابن عمر فيهِ اختلاف، والصحيح عنه كقول جمهور العلماء أنه يكفي منه الوضوء. فتح الباري (1/ 306).
وقال الجصاص -رحمه الله-:
معلوم أنَّ ‌الوضوء ‌من ‌المذي هو وضوء الصلاة. شرح مختصر الطحاوي (1/ 367).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «فيه الوضوءُ» وذهب أحمد -رحمه الله تعالى- إلى أنَّ الحديث من أحكام المذي دون الصلاة، فينبغي أنْ يكون الوضوء عقيب خروجه، لا عند القيام إلى الصلاة فقط، وهكذا نسبه الشوكاني في النيل إلى الحنفية أيضًا.
قلتُ: ولا أتردَّدُ في أنَّ المطلوب عند الشرع هو إزالة النجاسات على الفور، والتلطخ بها زمانًا مكروه عنده قطعًا...؛ ولما كان هذا النوع من الوضوء مستحبًا عقيب خروج المذي، وواجبًا عند القيام إلى الصلاة؛ لم يذكروه (أي: الفقهاء) إلا عند القيام إليها، ثم إنه إن توضأ عقيبه وقام إلى الصلاة متصلًا يتأدى في زمنه الفرض أيضًا. فيض الباري (1/ 319).

وفي لفظ: «يغسل ذكرهُ وأُنثييه ويتوضأ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
الأُنْثَيَان: الخصيتان. شرح سنن أبي داود (2/ 285).
وقال الخطاب -رحمه الله-:
وأَمَر بغسل الأُنْثَيين؛ استظهارًا بزيادة التطهير؛ لأن المذي ربما انتشر فأصاب الأُنْثَيين، ويقال: إنَّ الماء البارد إذا أصاب الأُنْثَيَيْنِ ردَّ المذي وكَسَرَ مِن غَرْبِهِ (أي حدته وقته)؛ فلذلك أمره بغسلهما. معالم السنن (1/73، 74).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «وأُنْثَيَيْه» قيل: غسلهما احتياطًا. فتح الودود (1/ 148).
وقال العيني -رحمه الله-:
روي عن عائشة -رضي الله عنها- وغيرها أنه يجب غسل أُنْثَيَيْهِ، وهذا خلاف قول الجمهور. عمدة القاري (2/ 217).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
زيادة «الأنثيين»... فيتعين غسلهما؛ لثبوت الأمر بذلك، فقوله في الرواية الأخرى: «فاغسل ذكرك» مقيد برواية الأنثيين. التحبير (7/ 253).
وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-:
اختلفت الرواية في حكمه: فروي أنه يوجب الوضوء وغسل الذَّكَر والأنثيين؛ لما روي: «... يغسل ذكره ‌وأنثييه، ويتوضأ»...، والأمر يقتضي الوجوب؛ ولأنه خارج بسبب الشهوة، فأوجب غسلًا زائدًا على موجِب البول، كالمني، فعلى هذا يجزئه غسلة واحدة؛ لأن المأمور به غُسْلٌ مطلق، فيوجب ما يقع عليه اسم الغسل، وقد ثبت في قوله في اللفظ الآخر: «وانْضَحْ فَرْجَكَ» وسواء غسله قبل الوضوء أو بعده؛ لأنه غُسل غير مرتبط بالوضوء، فلم يترتب عليه، كغسل النجاسة، والرواية الثانية لا يجب أكثر من الاستنجاء والوضوء، روي ذلك عن ابن عباس، وهو قول أكثر أهل العلم، وظاهر كلام الخرقي. المغني (1/126، 127).
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «يغسل ذَكرهُ» معلوم أنَّ الذَّكر يُطلق على جميع القصبة ليس على ما أَصابه المذي فقط، وإلا لقال: يغسل ما أصابه، بل قال: «يغسل ذكره» وفي رواية في غير الصحيحين: «وأُنْثَيَيْه» يعني: خِصْيَتَيه، فعلى هذا يغسل الذَّكَر والأُنْثَيين، كُل الذَّكر. فتح ذي الجلال والإكرام(1/ 250).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وكتب الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - فيما علّقه على "الفتح" ما نصّه: الصواب ما قاله ابن دقيق العيد من ‌تَعَيُّن ‌الماء في غسل المذي؛ عملًا بظاهر الحديث، ويؤيّده ما ثبت في "مسند أحمد"، و"سنن أبي داود" عن عليّ - رضي الله عنه - أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يغسل ذَكرهُ، وأنثييه، وهذا حُكم يخصّ المذي دون البول، والله أعلم. انتهى كلام الشيخ - رحمه الله -، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
والحاصل أن غُسل الذَّكر من المذي بالماء واجب؛ لظاهر هذا الحديث، فلا يقوم الاستنجاء بالأحجار مقامه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (7/ 438).
وقال المناوي -رحمه الله-:
استُفيد منه: أنَّ الغسل لا يجب به، وهو إجماع، (و) الأمر بالوضوء منه في البخاري كالأمر بالوضوء من البول، ولم يُصب من زعم أنَّ الوضوء يجب ‌بمجرد ‌خروجه، والصواب أنه من نواقض الوضوء، كالبول وغيره. فيض القدير (5/ 313).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
استدل به بعضهم على أن خروج المذي يوجب الوضوء، وغُسل الذَّكَر، والأُنْثَيَين؛ لهذا الحديث؛ ولأنه خارج بسبب الشهوة؛ فأوجب غسلًا زائدًا على موجب البول، وهي رواية عن أحمد بن حنبل، وعلى هذا فيجزئه به غسلة واحدة؛ لأن المأمور به غسلٌ مطلق؛ فوجب ما يقع عليه اسم الغسل، والمشهور عند الجمهور أن غسل الأنثيين؛ استظهارًا بزيادة تطهير؛ لأن المذي ربما انتشر فأصابها. شرح سنن أبي داود (2/ 285).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
اختلفوا هل يغسل منه الذَّكر كُله، أو محل النجاسة فقط؟ فالجمهور على أنه يقتصر على محل النجاسة، وعند طائفة من المالكية: أنه يغسل منه الذكر كله؛ تمسكًا بظاهر قوله: «‌يغسل ‌ذكره»؛ فإن اسم "الذكر" حقيقة في العضو كله، وبنوا على هذا فرعًا، وهو: أنه هل يحتاج إلى نية في غسله؟ فذكروا قولين، من حيث إنا إذا أوجبنا غسل جميع الذَّكَر كان ذلك تعبدًا، والطهارة التعبدية تحتاج إلى نية، كالوضوء، وإنما عَدل الجمهور عن استعمال الحقيقة في الذِّكر كله؛ نظرًا منهم إلى المعنى، فإن الموجب للغسل إنما هو خروج الخارج، وذلك يقتضي الاقتصار على محله. إحكام الأحكام (1/ 115).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
إن أصاب المذي غير الفَرْجِ مِن البَدَن أو الثوب، فالجمهور على أنه نجس يجب غسله كالبول، وعن أحمد رواية: أنه يُعفى عن يسيره كالدم، وعنه رواية ثالثة: أن نجاسته مُخفَّفة، يجزئ نضحه بالماء، كبول الغلام الذي لم يأكل الطعام؛ لعموم البلوى به، ومشقة الاحتراز منه...، وعن أحمد رواية: أن المذي طاهر كالمني، وهي اختيار أبي حفص البرمكي من أصحابنا، أوجب مع ذلك نضحه تعبدًا. فتح الباري (1/305، 306).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
اختلفوا في أنه هل يجوز في المذي الاقتصار على الأحجار؟
والصحيح: أنه لا يجوز، ودليله: أمره -صلى الله عليه وسلم- بغسل الذكر منه؛ فإن ظاهره يُعيّن الغسل، والمعيَّن لا يقع الامتثال إلا به. إحكام الأحكام (1/ 117).
وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله-:
قول علي للمقداد إذ سأل له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أصل في التعاون على طلب العلم، والنيابة فيه. المسالك (2/ 172).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله-:
فيه: جواز الاستنابة في الاستفتاء، وأنَّه يجوز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع به؛ لسؤال عليٍّ المقداد أنْ يستفتي له مع تمكُّنه من السؤال، واقتصاره على خبر المقداد في ذلك. النفح الشذي (2/ 470).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
في فوائده:
الأولى: ‌إيجاب ‌الوضوء ‌منه، ‌وهو ‌إجماع.
الثانية: جواز الاستنابة في الاستفتاء.
الثالثة: جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع؛ لأن عليًّا بعث من يسأل مع القدرة على المشافهة، وإن كان جاء في النسائي أنه كان حاضرًا وقت السؤال؛ إذ فيه: فقلتُ لرجل جالس إلى جنبي: سَلْهُ، فقال: «فيه الوضوء».
الرابعة: عموم قضايا الأحوال، وفيه خلاف في الأصول.
الخامسة: استحباب حُسن العِشرة مع الأصهار، وأنَّ الزوج ينبغي ألا يذكر ما يتعلَّق بالجماع والاستمتاع بحضرة أبي المرأة، وأخيها وغيرهما من أقاربها؛ لأن المذي غالبًا إنما يكون عند الملاعبة.
السادسة: خصَّ أصحاب مالك إيجاب الوضوء بما إذا حصل المذي عن ملاعبة؛ لأن في الموطأ أنه سأل عن الرجل إذا دنا من أهله وأمذى، ماذا يجب عليه؟ والجواب خرج على مثله في المعتاد بخلاف المستنكح، والذي به علة، فإنه لا وضوء عليه، ويدل عليه: استحياء عليٍّ؛ إذ لو كان (عن) مرض أو سلسٍ لم يستحي منه، وعمَّم الشافعي وأبو حنيفة فأوجبا منه الوضوء؛ عملًا بإطلاق سؤال المقداد...
السابعة: جاء أيضًا أنه أمر عمارًا أنْ يسأل، وجاء أيضًا أنه سأل بنفسه، فيحمل على أنه أرسلهما، ثمَّ سأل بنفسه.
الثامنة: جاء في أبي داود الأمر بغسل الأُنْثَيين أيضًا، وعُللت بالإرسال وغيره، وقال بعضهم بوجوب ذلك والجمهور على خلافه، وأوّلت هذِه الرواية على الاستظهار، وفي بعض أحوال انتشاره، ويقال: إنَّ الماء البارد إذا أصاب الأُنثيين ردَّ المذي وكَسَرَه. التوضيح (3/ 671-673).
وقال الشيخ سامي الصقير -حفظه الله-:
الفوائد:
1. المذي ناقض للوضوء.
2. جواز التوكيل في الفتوى، ولكن يُشترط في الوكيل أنْ يكون ثقةً عارفًا.
3. لا عذر للإنسان في ترك السؤال حياءً.
4. جاء في رواية مسلم وأحمد وأبي داود: «يغسل ذكره وأُنْثَيَيْهِ ويتوضأ» فنقول: يُغسل الذَّكَر والأُنْثَيان من المذي.
غسل الذَّكر والأنثيين من المذي هل هو لإزالة النجاسة أو الطهارة؟
غسلهما طهارة حتى لو لم يصبهما شيء، قال أهل العلم: والحِكمة من غسل الذكر والأنثيين: أنَّ فيه تبريد للشهوة، ولا سيّما إذا كان الماء باردًا. تحفة الأيام في فوائد بلوغ المرام (ص: 1).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يُؤخُذ من الحديث:
1. نجاسة المَذيِ، وأنه يجب غسله، ولكن يُعفى عن يسيره بسبب المشقة كما ذكر بعض العلماء.
2. أنه من نواقض الوضوء؛ لأنه خارج من أحد السبيلين.
3. وجوب غسل الذَّكَر، وقد ورد في بعض الأحاديث: «وغسل الأنثيين».
4. أنه لا يوجب غسل البدن كالجنابة، وهو إجماع.
5. أنه لا يكفي في إزالة المذي الاستجمار بالحجارة كالبول، بل لا بد من الماء. تيسير العلام (1/ 36).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:...
منها: استحباب استعمال الأدب في ترك المواجهة بما يُستحيا منه عرفًا...
ومنها: أنَّه قد يؤخذ منه جواز دعوى الوكيل بحضرة موكِّله، قاله في الفتح.
ومنها: بيان ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من شدّة احترامهم للنبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وتوقيره.
ومنها: أن الإمام البخاريّ -رحمه الله- ترجم لهذا الحديث في كتاب العِلم من صحيحه بقوله: "باب مَن استحيا فأمر غيره بالسؤال" انتهى، أي: ففيه الجمع بين المصلحتين: استعمال الحياء، وعدم التفريط في معرفة الحكم، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (7/ 436-437).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الحديث فيه فوائد متعددة:
منها: جواز إخبار الإنسان عن نفسه بما يُستحيا منه للحاجة، يؤخذ من قوله: «كنتُ رجلًا مذَّاءً»؛ لأنَّ هذا يُستحيا منه عادة، لكن إذا كان فيه مصلحة فلا بأس ولا يُلام عليه الإنسان...
ومن فوائده: جواز خبر الواحد في الأمور الدينية؛ وذلك لأن عليًّا إنما وكَّل المقداد من أجل أن يأخذ بما يخبر به، ويتفرع على هذا وجوب الأخذ بخبر الواحد...
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الوضوء من المذي؛ لقوله: «فيه الوضوء»، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين القليل والكثير، يعني: بالكمية لا بالزمن والاستمرار، وهو كذلك، ولكن هنا مسألة: وهي أن بعض الناس يُبتلى بالوسواس فيتخيل كُلّما حدثت معه الشهوة أنه أَمذى ويتعب في الشتاء وفي الصيف، فهل يستجيب لهذا الوهم أو لا؟
الجواب: لا يستجيب لهذا الوهم؛ لأن الأصل عدمه؛ ولأنه لو استجاب لاستطرد به الشيطان وصار يوهمه في أشياء أعظم من هذا؛ لذلك نقول: لا يستجيب لهذا الوهم وليُعْرِض عنه.
ومن فوائد هذا الحديث: في الروايات الأخرى أنه يجب غسل الذَّكر والأُنثيين من المذي، وهل هذا تعبُّدي أو محسوس؟ ينبني على خلاف العلماء في قوله: «يغسل ذَكره» هل المراد يغسل ذَكره منه، فيكون مخصوصًا بما أصابه المذي، فإذا قلنا: بهذا القول -وقد قيل: إنه قول الجمهور- صار غسله محسوسًا أو تعبديًّا؟
محسوسًا؛ لأن النجاسة يجب غسلها، كما لو كانت على ثوب أو عضو آخر، وإذا قلنا: إنه يجب غسل الذَّكَر والأنثيين كما هو القول الراجح صار هذا تعبديًّا غير معقول، لكن ما الحكمة إذا كان غسله تعبديًّا؟
قال العلماء: الحِكمة من ذلك: أنَّ غسل الذكر والأنثيين يوجب تقلُّص القنوات التي منها المذي، وأنَّ هذا تطهير وعلاج ...، على كل حال نقول: هو تعبدي لكن له فائدة، وهي أن المذي يتقلص حتى ينقطع بإذن الله، بنى على هذا بعض العلماء -إذا قلنا: إنه تعبدي- فلا بد فيه من نية، وإذا قلنا: عن شيء محسوس لم نحتج إلى نية، وكيف يتصور أن يغسله الإنسان بلا نية؟ يتصور أن رجلًا حصل منه المذي، وانغمس في بركة ولم ينو غسل الذَّكر، فإن قلنا: إنه تعبدي لم يجزئه ذلك؛ لأنه ما نوى، وإذا قلنا: أجزأه؛ فلأن النجاسة لا يشترط لها نية؛ ولهذا لو نزل المطر على ثوبٍ معلق في السطح فإنه يصير طاهرًا، وإن لم يَعلم به الإنسان. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 250-252).

ينظر: حكم من استيقظ من نومه فرأى بللًا، ولم ير أنه احتلم فهل يغتسل؟ 


إبلاغ عن خطأ