«يُحشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ على أرضٍ بيضاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، ليسَ فيها عَلَمٌ لأحدٍ».
رواه البخاري برقم: (6521) ومسلم برقم: (2790) واللفظ له، من حديث سَهْل بن سَعْد -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«يُحشرُ»:
أصلُ الحَشْر: الجمْعُ وضَمُّ المتفرِّق. أنوار التنزيل، للبيضاوي (1/ 133).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
يُقال: حَشَرْتُهُمْ حَشْرًا مِن بابِ قَتَلَ: جَمَعْتُهُمْ...، ويُقالُ: الحشرُ: الجمعُ مع سَوْقٍ، والمَحْشَرُ: مَوْضِعُ الحشْرِ. المصباح المنير (1/ 136).
«عَفْرَاءَ»:
الأعفر: الْأَبْيَض لَيْسَ بشديد الْبيَاض. غريب الحديث للقاسم بن سلام (3/ 177).
وقال النووي رحمه الله:
العَفْرَاءُ: بالعينِ المُهملةِ والمَدِّ: بيضاءُ إلى حُمْرة. المنهاج شرح صحيح مسلم (17/ 134).
«كَقُرْصَةِ»:
القُرْصَةُ: بالضَّمِ: الرغيف، والتاء للوحدة، والتشبيه بها في اللون والشكل، دون القَدْر. مرقاة المفاتيح، للقاري (8/ 3510).
«النَّقِيِّ»:
يَعْنِي الخُبْز الحُوَّارَى (الذي نُخِلَ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ). النهاية، لابن الأثير (5/ 112).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
النَّقيّ: بفتح النون، وكسر القاف، وتشديد الياء، وهو الدقيق المنخول المنظَّف الذي يتُخَذ منه الحُوَّارَى. مرقاة المفاتيح (8/ 3510).
«عَلَمٌ»:
المَعْلَم: مَا جُعِل عَلَامَة للُّطُرق والحُدودِ، مِثْل أَعْلَام الحَرَم ومَعَالِمه المَضْروبة عَلَيْهِ. وَقِيلَ: الْمَعْلَم: الأثَر، والعَلَم: المنَارُ والجبَل. النهاية، لابن الأثير (3/ 292).
وقال النووي -رحمه الله-:
بفتحِ العينِ واللَّامِ، أي: ليسَ بها عَلَامَة سُكْنَى أو بناء ولا أثر. المنهاج شرح صحيح مسلم(17/ 134).
شرح الحديث
قوله: «يُحشرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«يُحشَرُ الناسُ» بضم التحتية، مِن يَحْشُر مبنيًّا للمفعول، أي: يحشر اللهُ الناسَ. إرشاد الساري (9/ 302).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
الحَشْدُ: الجمْع، والحشر مثله بالراء، مع سَوْقٍ، ومنه: يوم الحَشْر؛ لجمع النَّاس فيه، وسَوقهم إليه. مشارق الأنوار (1/ 213).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
الحشر ومعناه: الجمع، وهو على أربعة أوجه: حَشْرَان في الدنيا، وحَشْرَان في الآخرة، أما الذي في الدنيا:
(أحدهما): فقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} الحشر: 2...
الثاني: ما رواه مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يُحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وتَحشر بقيتَهم النار، تبيت معهم حيث باتوا، وتَقِيْلُ معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا» أخرجه البخاري أيضًا...
و(أما الذي في الآخرة) الحشر الثالث: حشرهم إلى الموقف...، قال الله تعالى: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} الكهف: 47.
والرابع: حشرهم إلى الجنة والنار، قال الله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} مريم: 85، أي: ركبانًا على النُّجُب (جمع النَّجيب من الإبل) وقيل: على الأعمال. التذكرة (ص: 515- 520).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الحشر: هو الضَّم والجمْع، ويُراد به تارة الحشر إلى موقف القيامة، كقول النبي: «إنَّكم محشورون إلى الله حُفاةً عُراةً غُرْلًا (أي: غير مختونين)»...، ويُراد به الضَّم والجمْع إلى دار المستقر، فحَشْرُ المتقين جمعهم وضمهم إلى الجنة، وحشر الكافرين جمعهم وضمهم إلى النار...، وقال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} الصافات: 22، 23، فهذا الحشر هو بعد حشرهم إلى الموقف، وهو حشرهم وضمُّهم إلى النار؛ لأنه قد أخبر عنهم أنهم قالوا: {يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} الصافات: 20، 21، ثم قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} الصافات: 22، وهذا الحشر الثاني، وعلى هذا فُهم ما بين الحشر الأول من القبور إلى الموقف، والحشر الثاني من الموقف إلى النار، فعند الحشر الأول يسمعون ويبصرون، ويجادلون ويتكلمون، وعند الحشر الثاني يُحشرون على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًّا، فلكل موقف حال يليق به، ويقتضيه عدل الرب تعالى وحكمته. مفتاح دار السعادة (1/ 45-46).
وقال العسكري -رحمه الله-:
الفَرْقُ بين الحَشْر والجَمْع: أنَّ الحشر هو الجمْع مع السَّوْق، والشاهد قوله: تعالى: {وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} الشعراء: 36، أي: ابعثْ مَن يجمع السحرة، ويسوقهم إليك، ومنه يوم الحشر؛ لأنَّ الخَلْق يُجمعون فيه، ويساقون إلى الموقف. الفروق اللغوية، للعسكري (ص: 130).
قوله: «على أرضٍ بيضاءَ عَفْرَاءَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«بيضاء عَفْرَاء» أي: تَضْرب إلى الحُمْرة، والعُفْرة: بياض ليس ناصعًا، بل يَضْرب إلى الحمرة، وكأنَّها تغيَّرت من لهب النار. المفهم (7/ 350).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«على أرضٍ بيضاء، عفراء» أي: غير شديدة البياض، والعُفْرة لون الأرض، وقيل: المعنى: لا يَخْلُصُ بياضها، بل يضرب إلى الحُمْرة. مرقاة المفاتيح (8/ 3510).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
العَفْرَاء: تأنيث الأعفر، وهو بياض غير خالص. الأزهار مخطوط لوح (453).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«على أرضٍ بيضاء عَفْرَاء»...ليس بياضها بالناصع، أو تضرب إلى الحُمْرة قليلًا، أو خالصة البياض، أو شديدته، والأول هو المعتمد. إرشاد الساري (9/ 302).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«على أرضٍ بيضاء» أي: خالية من الغَرْس «عَفْرَاء» وهي البيضاء التي ليست بشديدة البياض. شرح المصابيح (6/ 24).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«على أرض بيضاء، عفراء» ممدودان، أي: بيضاء إلى حُمْرة. والعُفْر: بياض يضرب إلى الحمرة قليلًا، ومنه سُمي عفر الأرض، وهو وجهها؛ لأنَّه بذلك اللون. إكمال المعلم (8/ 322).
وقال ابن أبي جمرة -رحمه الله-:
وفي كونها بيضاء دليل على أنَّ البياض هو خير الألوان؛ لأنَّ ما اختاره الله -عز وجل- لإنفاذ حُكْمه، وتجليه لعباده من الألوان هو خيرها، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «خير لباسكم البياض». جمع النهاية (4/215).
وقال ابن أبي جمرة -رحمه الله- أيضًا:
وأما قولنا: ما الفائدة بأنْ نَعَتَ -صلى الله عليه وسلم- الأرض بصفتين ومعناهما واحد؟ فإنَّما فعل -عليه السلام- ذلك لرفع الالتباس؛ لأنَّ العرب تقول: أسود كالح، وأحمر قانٍ، وأصفر فاقع، فذلك تحقيق لتلك الأسماء من أجل الاشتراك الذي يلحقها في اللغة مع غيرها إذا لم يؤكدها بزيادة تلك الصفة الرافعة للاشتراك العارض لها، وهذا مثله.
ويترتب عليه من الفقه: أنَّه ينبغي للمتكلِّم أنْ يُجرِّد ألفاظه، ويحرزها من الاحتمالات الممكنة فيها. جمع النهاية(4/213-215).
قوله: «كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «كَقُرْصَةِ نَقِي»...هو الدَّقِيق النَّقِي من الغِشّ والنُّخال، ويُروى: «النَّقِيِّ» بالألف واللَّام. عمدة القاري (23/ 104).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «كقُرْصَةِ النَّقِي» القُرْصَة: الخُبزة، (و) النَّقِي: بفتح النون، وكسر القاف، هو الحُوَّارَى، وهو الدَّرْمَك (الدقيق الصافي)؛ سُمي بذلك لأنَّه يُنقَّى ويُصفَّى من نُخالته، ومما يغيره. المفهم (7/ 351).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«كقُرْصَةِ النَّقِيِّ» وهو صفة لمحذوف؛ أي: الخبز النَّقِي، يريد بذلك: استدارتها، واستواء أجزائها، شبَّهها بقُرْصَة النَّقِي باعتبار صِغَر أجزائها؛ لأنَّها تُدكُّ يومئذٍ دكًّا. شرح المصابيح (6/ 25).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
قوله: «كقُرْصَة النَّقِي» يريد بذلك بياضها واستدارتها، واستواء أجزائها، وأراد بالنَّقِي: الدقيق الذي يُنخل ويُنظَّف، فتُؤخَذ نقاوته، وهو الحُوَّارَى. الميسر(4/ 1187).
قوله: «ليسَ فيها عَلَمٌ لأحدٍ» وفي رواية البخاري: «مَعْلَمٌ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «ليس فيها عَلَمٌ لأحدٍ» هكذا في رواية مسلم موصولًا بالحديث، وفيه إدراج، فقد أخرج الحديث البخاري، ثم قال في آخره: «قال سهل أو غيره: ليس فيها مُعْلَمٌ لأحدٍ» فبيَّن أنَّه ليس موصولًا بالحديث، وإنَّما هو من كلام سهل، أو غيره، فتنبَّه. البحر المحيط الثجاج (43/ 344).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قال سهل أو غيره: ليس فيها مَعْلَمٌ لأحدٍ» هو موصول بالسند المذكور، وسهل هو راوي الخبر، و«أو» للشك، والغير المبهم لم أقف على تسميته، ووقع هذا الكلام الأخير لمسلم من طريق خالد بن مخلد عن محمد بن جعفر مدرجًا بالحديث، ولفظه: «ليس فيها عَلَمٌ لأحدٍ» ومثله لسعيد بن منصور عن ابن أبي حازم عن أبيه، والعَلَم والمعْلَم بمعنىً واحدٍ. فتح الباري (11/ 375).
وقال البغوي -رحمه الله-:
قوله: «ليس فيها مَعْلَمٌ لأحدٍ» المعْلَم: ما جُعِلَ علامةً وعَلَمًا للطُّرق والحدود، يريد أنَّ تلك الأرض مستوية، ليس فيها حَدَب يَرُدُّ البصر، ولا بناء يستر ما وراءه. شرح السنة (15/ 113).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«ليس فيها عَلَمٌ لأحدٍ» أي: علامة، يريد به الأبنية، معناه: أنها تكون قاعًا لا بناءَ فيها. تحفة الأبرار(3/ 392).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ليس فيها» أي: في الأرض المذكورة «مَعْلَمٌ» فتح الميم واللام، بينهما عين مهملة ساكنة: علامة «لأحدٍ» يُستدل بها على الطريق...، (أي): ولا شيء من العلامات التي يُهتدى بها في الطرقات، كالجبل والصخرة البارزة. إرشاد الساري (9/ 302-303).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ليس فيها عَلَمٌ لأحدٍ» الرواية المشهورة بفتح العين المهملة واللام، أي: ليس فيها علامة لأحدٍ، ولا أثر، أي: لم يكن فيها أحد، فيكون له أثر.
قال ابن عباس: لم يُعمل عليها خطيئة، وقد وجدتُه في أصل الشيخ أبي الصبر أيوب: «ليس بها عِلْم لأحد» بالباء الموحدة، وبكسر العين، وسكون اللام؛ أي: لم يتقدَّم بها لأحدٍ من الخَلْق عِلْم. المفهم (7/ 351).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
قوله: «ليس فيها عَلَمٌ لأحدٍ» أي: علامة، يريد أنَّ ما أحدثه الخَلْق على وجه الأرض من الأبنية وغيرها يُزال عنها بالتسوية، وتُبدل صفات الأرض. الميسر (4/ 1187).
وقال حسن الزهيري -حفظه الله-:
يعني: كأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: الأرض يوم القيامة تُبدل عن حالها، وتتغير عن وضعها في الدنيا، فالأرض في الدنيا فيها جبال وأنهار، والعالي والنازل، وفيها غير ذلك، وأما يوم القيامة فمبسوطة تمامًا كالرغيف...، كما أنَّها ليس بها علامات لأحد، يعني: أنت تعرف بيتك في الدنيا بأنه في محل كذا وكذا، وإذا أردت أنْ تَصِفَ بيتك لأحد من الناس فإنك تصفه بعلاماته وأماراته، لكن يوم القيامة ليس في الأرض علامات ولا أمارات، والإنسان أول ما يُبعث يقف على الأرض لا يعرف أين هو، وإنما يساق إلى المحشر والحساب والجزاء. شرح صحيح مسلم (55/ 11).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: ظاهر الحديث أنَّ أهل الجنة يأكلون هذه الأرض بعد دخول الجنة، وقد روى الطبري وغيره: أنَّ الأرض تكون خبزة يأكل منها المؤمنون مِن تحت أقدامهم، إلى أنْ يفرغوا من الحساب؟!
قلتُ: لا تنافي، يأكلون منها في الموضعين إنْ صحَّ ذلك الحديث، والظاهر عدم صحته؛ لما روى مسلم أنَّ عائشة سَأَلَتْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أين يكون الناس يوم تبدَّل الأرض؟ قال: «على الصراط»، وعُلم من حديث الباب أنَّ معنى قوله: {تُبَدَّلُ الْأَرْضُ} إبراهيم: 48، تبديل الحقيقة لا الصفات؛ لأنَّ الخبز ليس من جنس التراب، والله أعلم بحقيقة الحال. الكوثر الجاري (10/187- 188).
وقال ابن أبي جمرة -رحمه الله-:
(قد) يُقال: ما الحكمة في إخبارنا بهذا؟ أو هل هذه الأرض خُلقت أو لم تُخلق بعد وإنَّما يكون خلقها في ذلك الوقت؟ وهل نفهم ما الحكمة أيضًا بأنْ لا يكون الحساب على هذه الأرض؟...وما الفائدة بأنْ نَعَتَ -صلى الله عليه وسلم- تلك الأرض بصفتين، ومعناهما واحد؛ لأنَّ عَفْرَاء معناها بيضاء؟
أما قولنا: ما الحكمة في أنْ أخبرنا بذلك، فاعلم... أنَّ ذلك لوجوه:
منها: أنْ يكون فيه دليل على عظم القدرة، وما فيه مما يدل على صفة من صفاته -عز وجل- يَقْوَى بها الإيمان، وكل ما فيه زيادة ما في الإيمان فهو من أعظم الفوائد...
ومنها: الإعلام بجزئيات ذلك اليوم، حتى يكون المؤمن في أمره على بصيرة، فيتأكد تصديقه بذلك اليوم، حتى يرجع العلم به كأنه عين يقين، حتى إذا كان ذلك الوقت لم يزده الأمر شيئًا، غير أنَّه انتقل من علم اليقين إلى معاينته، ويكون أيضًا علمه بجزئياته عونًا له على نفسه، وعلى عدوه في القهر لهما، وأخذ الأُهبة لما يخلِّص به نفسه...، ومعرفة جزئيات الأمر قبل وقوعه فيه رياضة للنفس على حملها على ما فيه خلاصها هناك، وتهوينًا عليها أيضًا في ذلك، بخلاف الأمر إذا جاء فجأة، ولا علم لها به، يعظم الأمر عليها أضعاف ما هو.
وأما قولنا: على هذه الأرض التي خُلِقَت أو إنَّما تُخلق في ذلك الوقت الذي يحتاج إليها؟ فليس في الحديث ما يدل على واحدٍ من ذلك، والقدرة صالحة...، والأخبار تقتضي أنَّ تلك الأرض أكبر من هذه، بدليل أنَّه قد جاء أنَّ كل ما في السماوات والأرض وما عليهما يحشرون يوم القيامة، وكل مَن في الأرضين السبع، ومَن في السماوات من الملائكة وغيرهم، وأنَّ هذه الأرض بنفسها تُحشَر أيضًا، بدليل أنَّ بِقَاعها تشهد بما فُعِلَ عليها من خير وغيره، ولا تشهد إلا وهي حاضرة، يشهد لذلك قوله -عز وجل-: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} الزلزلة: 4 ، 5.
وأما قولنا: هل نفهم الحكمة في أنَّ الحساب لا يكون على هذه الأرض؟ فنقول -والله أعلم-: إنَّه لما شاء القادر أنْ يستنطق بقاع الأرض بما فُعِلَ عليها، فتكون شاهدة بذلك، والشاهد إنَّما يكون وظيفته الاشتغال بأداء الشهادة، (و) وجه ثانٍ، وهو أنَّه لما كان ذلك اليوم يوم عدل، وظهور حق، فينبغي بمقتضى الحكمة أنْ يكون المحل الذي يكون فيه (ذلك) طاهرًا، كما يليق بالحُكْم، وهذه الأرض قد توسَّخت بالمعاصي، والتخاصم فيها، فلا يليق أنْ تكون ظرفًا لذلك الأمر الحق، والخطب العظيم، ولوجه آخر: وهو أنَّه لما كان الحكم في ذلك اليوم لله وحده، خالصًا بلا واسطة، فينبغي من طريق الإجلال والترفيع لجلاله -عز وجل-، والحُكْم الحق: أنْ يكون المحل الذي يكون فيه ذلك الحكم الخاص لله وحده، لا يتقدَّم فيها دعوى مِلْك لأحدٍ، وهذه فيها الدعاوى كثيرة. جمع النهاية (4/213-215).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وفيه: تعريضٌ بأنَّ أرض الدنيا ذهبت، وانقطعت العلاقة منها، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حُميد والطبري في تفاسيرهم والبيهقي في الشُّعب من طريق عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: {يَومَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْر الأَرْض} إبراهيم: 48، الآية، قال: «تُبدل الأرض أرضًا كأنَّها فضة، لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل عليها خطيئة» ورجاله رجال الصحيح، وهو موقوف، نعم أخرجه البيهقي من طريق آخر مرفوعًا، لكنه قال: الموقوف أصح.
وعند الطبري من طريق سنان بن سعد عن أنس مرفوعًا: «يبدِّل اللهُ الأرضَ بأرضٍ من فضة، لم يُعمل عليها الخطايا» وعن علي موقوفًا نحوه، ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: «أرضٌ كأنها فضة، والسماوات كذلك» وعند عبد (ابن حُميد) من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة، قال: «بلَغَنا أنَّ هذه الأرض -يعني أرض الدنيا- تطوى، وإلى جنبها أُخرى يُحشر الناس منها إليها»، والحكمة في ذلك كما في بهجة النفوس (لابن أبي جمرة): أنَّ ذلك اليوم يوم عدل، وظهور حق، فاقتضت الحكمة أنْ يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهرًا عن عمل المعصية والظلم؛ وليكون تجلِّيه سبحانه على عباده المؤمنين على أرض تليق بعظمته؛ ولأنَّ الحُكْم فيه إنَّما يكون لله وحده، فناسب أنْ يكون المحل خالصًا له وحده، اهـ . إرشاد الساري (9/ 302-303).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذا الحديث يدل على أنَّ المراد بتبديل الأرض المذكورة في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} إبراهيم: 48 أنه تبديل ذاتٍ بذات، فيُذهب بهذه الأرض، ويُؤتَى بأرضٍ أُخرى، وهو قول جمهور العلماء، وقال الحسن (البصري): تُبدل صورتها، ويُطهَّر دَنَسها، وقال ابن عباس: تُبدل آكام الأرض، ونجوم السماء، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تُمَد الأرض مَدَّ الأديم (الجلد المدبوغ)»، وأما تبديل السماوات فروي عن علي -رضي الله عنه-: "تُبدل الأرض فضة، والسماء ذهبًا". المفهم (7/ 351).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: دليل لمن قال: بتبدل ذات الأرض يوم القيامة. الأزهار مخطوط لوح (453).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
هذه الأحاديث نصٌّ في أنَّ الأرض والسماوات تُبدل وتُزال، ويخلق الله أرضًا أخرى، يكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر، وهو الصراط، لا كما قال كثير من الناس: إنَّ تبدل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها، وتسوية آكامها، ونسف جبالها، ومد أرضها. التذكرة (ص: 503).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: أنَّ فيه دليلًا على عظيم القدرة، والإعلام بجزئيات يوم القيامة؛ ليكون السامع على بصيرة، فيخلِّص نفسه من ذلك الهول؛ لأنَّ في معرفة جزئيات الشيء قبل وقوعه رياضة النفس، وحملها على ما فيه خلاصها، بخلاف مجيء الأمر بغتة.
2. ومنها: أنَّ فيه إشارة إلى أنَّ أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجودة جدًّا.
3. ومنها: أنَّ الحكمة في صفة الأرض المذكورة أنَّ ذلك اليوم يوم عدل، وظهور حق، فاقتضت الحكمة أنْ يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهرًا عن عمل المعصية والظلم؛ وليكون تجلِّيه -سبحانه وتعالى- على عباده المؤمنين على أرض تليق بعظمته؛ ولأنَّ الحكم فيه إنَّما يكون لله وحده، فناسب أنْ يكون المحل خالصًا له وحده، قاله ابن أبي جمرة -رحمه الله-. والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (43/ 345).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه: إشارة إلى أنَّ أرض الدُّنيا اضمحلَّت وأعدمت، وأنَّ أرض الموقف تَجَدَّدَتْ. عمدة القاري (23/ 104).
وقال ابن أبي جمرة -رحمه الله-:
ظاهر الحديث: يدلُّ على أنَّ الأرض التي يُحشر الناس عليها يوم القيامة غير هذه الأرض، وأنَّها بيضاء مستوية مدورة، لم يتقدَّم فيها لأحد مِلْك، ولا تصرُّف. جمع النهاية في بدء الخير والغاية (4/213).
وللفائدة ينظر:
- حشر المتكبرين يوم القيامة إلى النار.