السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«من ‌سألَ ‌اللهَ ‌الشهادةَ ‌بصدقٍ بلَّغَهُ اللهُ منازِلَ الشُّهداءِ؛ وإنْ ماتَ على فِراشهِ».


رواه مسلم برقم: (1909)، من حديث سهل بن حُنَيف -رضي الله عنه-.
وفي رواية له برقم: (1908)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «من طلبَ الشهادةَ صادقًا أُعطِيَها؛ ولو لم تُصِبه».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الشَّهادةَ»:
القتل في سبيل الله تعالى، وإنما سُمي القتيل فيه شهيدًا؛ لأن الله وملائكته شهود له بالجنة، وقيل: لأنه ممن يُسْتَشْهَدُ به يوم القيامة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- على الأمم. جامع الأصول، لابن الأثير (2/ 585).
وقال الراغب -رحمه الله-:
الشُّهُودُ والشَّهَادَةُ: الحضور مع المشاهدة، إمَّا بالبصر أو بالبصيرة...، والشَّهِيدُ: هو المحتضَر، فتسميته بذلك لحضور الملائكة إيّاه؛ إشارة إلى ما قال: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا...} الآية، فصلت: 30، قال: {وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ} الحديد: 19، أو لأنَّهم يَشْهَدُونَ في تلك الحالة ما أُعدَّ لهم من النّعيم، أو لأنهم تشهد أرواحهم عند الله كما قال: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} آل عمران: 169- 170. المفردات (ص: 465-468).

«منازِلَ»:
(جمْع منزل) والمَنزِلُ مَوضِعُ النُّزُولِ، والمنزِلةُ مثلُهُ، وهي أيضًا المكانةُ. المصباح المنير، للفيومي (2/ 601).


شرح الحديث


قوله: «مَن ‌سألَ ‌اللهَ ‌الشهادةَ ‌بصدقٍ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «مَن سأل الله الشهادة» يعني: مَن طلب من الله أن يجعله شهيدًا عن نية خالصة. المفاتيح (4/ 344).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«من سأل الله الشهادة» أي: الموت شهيدًا. البحر المحيط الثجاج (32/ 656- 657).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «بصدق» أي: بإخلاص، وحسن ظن. شرح سنن أبي داود (5/ 431).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«من ‌سأل ‌الله ‌الشهادة ‌بصدق» قيَّد السؤال بالصدق؛ لأنه معيار الأعمال، ومفتاح بركاتها، وبه تُرجى ثمراتها. فيض القدير (6/ 144).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«من سأل الله تعالى الشهادة» أي: إنالته إياها «بصدق» أي: حال كونه صادقًا في سؤالها. دليل الفالحين (1/ 213).
وقال السندي -رحمه الله-:
«الشهادة بصدق» أي: لا لمجرد الرغبة في فضل الشهداء من غير أن يرضى بحصولها إن حصلت، وسؤال الشهادة ‌مرجعه ‌سؤال ‌الموت الذي لا محالة واقع على أحسن حال، وهو فناء النفس في سبيل الله، وتحصيل رضاه، وهو محبوب من هذه الجهة، فيجوز أن يسأل، ولا يضر ما يلزمه من معصية الكافر، وفرحة الأعداء، وحزن الأولياء، فليتأمل. حاشيته على سنن النسائي (6/ 37).
وقال السندي -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «مَن سأل الله الشهادة صادقًا» أي: بصدق عزيمة ونية، ولم يرد صدق القول حتى يقال: إن السؤال إنشاء فلا يتصف بالصدق. فتح الودود(2/ 165).
وقال ابن المنير -رحمه الله-:
مَدْخلُه في الفقه: أن الدعاء بالشهادة حاصله أن يدعو الله أن يمكِّن منه كافرًا يعصي الله فيقلته، وقد استشكل إجراء الدعاء بالشهادة على القواعد؛ إذ مقتضاها ألا يتمنى معصية الله لا له ولا لغيره، ووجه تخريجه على القواعد: أن الدعاء قصدًا إنما هو نَيْلُ الدرجة الرفيعة المعَدَّة للشهداء، وأما قتل الكافر فليس بمقصود الداعي، وإنما هو من ضرورات الوجود؛ لأن الله تعالى أجرى حُكمه ألا ينال تلك الدرجة إلا شهيد. المتواري على أبواب البخاري (ص: 149).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله- معلقًا:
حاصل هذا الجواب: أنَّه لا تَلَازم بين طلب الشهادة، وبين انتصار الكفار، فكثيرًا ما ينتصر المسلمون، ويقع إعلاء كلمة الله، مع استشهاد بعض المسلمين، فطَلب الشهادة، وطلب التضحية في سبيل نَصْرِ دِين الله، أمر مستحبٌّ في ذاته، إنْ وقع ثبت أجره، وإنْ تمنَّاه مُتَمَنٍّ، وطَلَبَه طالبٌ كان له أجره. فتح المنعم (7/ 571).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«‌من ‌سأل ‌الله ‌الشهادة ‌بصدق» أي: بنيةٍ صادقة جازمة. الكوكب الوهاج (20/ 257).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
اعلم أن النية قُطْبُ العمل عليها يدور، وقد يفيد مجردُ النية من غير عملٍ، ولا يفيد عملٌ من غير نية، ومَن صدقت نيته في طلب الشهادة، فكأنه استسلم للقتل، فلا يضره بُعْد بدنه عن الجهاد لعذرٍ مع صدق نيته. كشف المشكل (2/ 117).
وقال المناوي -رحمه الله-:
لا يقال: سؤالها (الشهادة) ملزوم لتمني لقاء العدو المنهي عنه؛ لأنه لا يتعين في سؤالها كونه على وجه يلزم منه ذلك، بل يمكنه أن يقول: اللهم إن قضيتَ بحضوري لقاء العدو فهب لي الشهادة، أو ما في معنى ذلك. فيض القدير (6/ 175).

قوله: «بلَّغَهُ الله منازِلَ الشُّهداءِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«بلَّغه الله منازل الشهداء» أي: أعطاه أجر الشهداء بصدق نيته. شرح المصابيح (4/ 317).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«بلَّغه الله تعالى ‌منازل ‌الشهداء» الرفيعة في الجنة بنيته الصادقة. شرح سنن أبي داود (7/ 326).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«بلَّغه الله منازل الشهداء» مجازاة له على صِدق الطلب، وفي قوله: «منازل الشهداء» بصيغة الجمع مبالغة ظاهرة. فيض القدير (6/ 144).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «بلَّغه اللَّه منازل الشهداء» فيه: أن المرء يُثاب على نيته، والنظر في أنه يُثاب يعني ما يثاب على الفعل أو بمثله ونظيره، وأقول: في قوله: «بلغه اللَّه منازل الشهداء» نوع إيماء إلى الثاني، واللَّه أعلم. لمعات التنقيح (6/ 549).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «بلغه الله» يريد أن الدعاء بالشهادة إذا كان يصدق بقلبه فهو مستجاب لفائدة الشهادة، والله أعلم. كفاية الحاجة (2/ 184).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«بلغه الله» تعالى أي: أوصله وأعطاه «منازل الشهداء» ودرجاتهم. الكوكب الوهاج (20/ 257).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
يرغِّب -صلى الله عليه وسلم- في نية الخير، وفي الرغبة في الجهاد، والحرص عليه، والتشوق له، ولو كان فيه التضحية بالنفس في سبيل الله، فما أحب البلاء المؤدي إلى النعيم المقيم، والدرجات العلى في الآخرة!
فجعل لهذه الرغبة والحرص على تنفيذها بعزم وتصميم وإيمان وإخلاص، فمنعه مانع من التنفيذ أجرَ من نفَّذ الجهاد، وأجرَ من مات في المعركة وإن مات في بيته وعلى فراشه من غير جهاد، ولا ضربٍ بسيف، ولا طَعْنٍ برمحٍ، ولا رميٍ بِنَبْلٍ، وإنما لكل امرئٍ ما نوى. فتح المنعم (7/ 570).

قوله: «وإن ماتَ على فِراشهِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وإن مات» في بيته «على فراشه». شرح سنن أبي داود (7/ 326).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وإن مات على فراشه» لمانعٍ وعُذر منعه منها. الكوكب الوهاج (20/ 257).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وإن ماتَ على فراشه» أي: وإن لم يُقتل في سبيل الله -عز وجل-. البحر المحيط الثجاج (32/ 657).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي الرواية الأخرى: ‌«مَن ‌سأل ‌الله ‌الشهادة ‌بصدقٍ بلَّغه الله منازلَ الشهداء، وإنْ مات على فراشه» معنى الرواية الأولى مفسَّر من الرواية الثانية، ومعناهما جميعًا: أنه إذا سأل الشهادة بصدق أُعطي مِن ثواب الشهداء وإن كان على فراشه. المنهاج شرح صحيح مسلم (13/ 55).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وإن مات على فراشه»؛ لأن كلًّا منهما (الشهيد والسائل للشهادة) نوى خيًرا، وفعل ما يقدر عليه، فاستويا في أصل الأجر، ولا يلزم من استوائهما فيه من هذه الجهة استواؤهما في كيفيته وتفاصيله؛ إذ الأجر على العمل ونيته يزيد على مجرد النية، فمن نوى الحج ولا مال له يحج به يُثاب دون ثواب مَن باشر أعماله، ولا ريب أن الحاصل للمقتول من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على الحاصل للناوي الميت على فراشه، وإنْ بلغ منزلة الشهيد، فهما وإن استويا في الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرًا زائدًا وقُربًا خاصًّا، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء، فعُلم مِن التقرير أنه لا حاجة لتأويل البعض وتكلُّفه بتقدير "مِن" بعد قوله: «بلغه الله»، فأَعْطِ ألفاظ الرسول -صلى الله عليه وسلم- حقَّها، وأَنْزِلْهَا منازلها، يتبين لك المراد.
وفيه: ندب سؤال الشهادة بنية صادقة. فيض القدير (6/ 144).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإن مات على فراشه»؛ لأنَّ الأعمال بالنيات فضلًا منه تعالى، وإن تفاوتت الرُّتْبَتان؛ فإن المشبَّه دون المشبَّه به. التنوير (10/ 248).

قوله في الرواية الأخرى: «من طلبَ الشهادةَ صادقًا أُعْطِيَها؛ ولو لم تُصِبه»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مَن» شرطية مبتدأ، خبرها «أُعْطِيَها»، «طَلب الشهادة» أي: الموت شهيدًا «صادقًا» قيِّد به؛ لأنَّ الصدق معيار الأعمال، ومفتاح بركاتها، «أُعْطِيَهَا، ولو لم تُصِبْهُ» أي: لم تُقَدَّر له. البحر المحيط الثجاج (32/ 654).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «مَن طلب الشهادة صادقًا أُعْطِيَهَا وإن لم تُصِبْهُ» وفي الرواية الأخرى: «بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» مما تقدم معناه من تبليغ من نوى خيرًا، واعتقد فعله أجر ما نواه، وإنْ عاقه عن فعله عائق؛ تفضلًا من الله، وأجرًا على نيته. إكمال المعلم (6/ 334).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«مَن طلب الشهادة صادقًا أُعطيها ولو لم يُصبها» أي: أعطي ثوابها ولو لم يُقتل...، وأصرح منه في المراد ما أخرجه الحاكم بلفظ: «من سأل القتلَ في سبيل الله صادقًا ثم مات أعطاه الله أجر شهيد» وللنسائي من حديث معاذ مثله. فتح الباري (6/ 16).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«من طلب» أي: سأل «الشهادة صادقًا أُعطيها» أي: أُعطي ثوابها «ولو لم تصبه» بأن لم يمت شهيدًا. دليل الفالحين (7/ 123).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«مَن طلب» أي: سأل من الله «الشهادة» أي: أن يموت شهيدًا حال كونه «صادقًا» أي: مخلصًا في طلبه إياها «أُعطيها» بالبناء للمفعول، أي: أجر الشهادة؛ بأن يبلغه الله ‌منازل ‌الشهداء، كما فسره بذلك في رواية أخرى، «ولو لم تصبه» الشهادة؛ بأن مات على فراشه، وذلك أمر لا يطَّلع عليه إلا الله، أو مَن أَطْلَعَهُ الله عليه، وجواب «لو» محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه، أو ما قبله جواب. فيض القدير (6/ 175).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أُعْطِيَهَا ولو لم تُصبه» ظاهر العبارة تعارض أولها لآخرها، فإعطاؤها إصابتها، لكن المعنى: أعطي ثوابها، ولو لم يعطها وجودًا وفعلًا. فتح المنعم (7/ 570).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: استحباب سؤال الشهادة، واستحباب نية الخير. المنهاج شرح صحيح مسلم (13/ 55).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وفي الحديث:
استحباب طلب الشهادة في سبيل الله.
وفيه: الحث على الصدق والإخلاص في النية.
وفيه: أنه يحصل ثواب الشهادة بالنية الصادقة وإن لم يعمل.
وفيه: استحباب النية الصادقة على أفعال الخير، كأن يقول: إن رزقني الله مالًا تصدقت بجميعه أو شطره، وإن أعطاني الله سُلطة عدلت فيها ولم أعصِ الله تعالى بظلمٍ أو ميلٍ إلى الخلق، فهذِه العزيمة قد تكون صادقة جازمة، وقد يكون فيها مَيْلٌ وضَعْفٌ وتردُّد يضادُّ الصدق. شرح سنن أبي داود (7/ 326- 327).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
ففي الحديث: أنَّ صدق القلب سببٌ لبلوغ الأَرَبِ، وأنَّ مَن نوى شيئًا مِن عملِ البرِّ أُثيب عليه، وإن لم يتفق له عمله. دليل الفالحين (1/ 213).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وفيه: الحث على سؤال الشهادة بنيَّة صادقة، وبيان فضل الصدق. البحر المحيط الثجاج (32/ 657).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: دليل أنَّ مَن سأل الله شيئًا بصدقٍ أعطاه ثواب ما سأله.
وفيه: استحباب سؤال الشهادة، بل استحباب ما فيه الخير مطلقًا. التحبير (3/ 27).

وللفائدة ينظر:

ست خصال للشهيد عند الله.

- فضل تجهيز وخلف الغزاة في سبيل الله.


إبلاغ عن خطأ