«لا يَحلِفُ أحدٌ عند مِنبَري هذا على يمينٍ آثِمةٍ، ولو على سِواكٍ أَخْضَرَ إلا تَبَوَّأَ مقعدَه من النارِ، أو وَجَبَت له النارُ».
رواه أحمد برقم: (15024) وأبو داود برقم: (3246) واللفظ له، وابن ماجه برقم: (2325) وابن حبان برقم: (4368)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
ولفظ أحمد: «على يمينٍ كاذبةٍ يَسْتَحِقُّ بها حقَّ مُسْلمٍ أَدْخَلَه اللهُ النَّار».
صحيح الجامع برقم: (6205) ورقم: (7637)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1843).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«يمينٍ»:
اليمين: القَسَم، ويقال: إنما سُمي القَسَم يَمينًا لأنهم كانوا إذا تحالفوا وضع كل منهم يده اليمنى على يمين الآخر. شمس العلوم، للحميري (11/ 7380 - 7381).
وقال البركتي -رحمه الله-:
اليمين: في اللغة: القوة، وفي الشرع: تقويةُ أحد طرفَي الخَبَر بذكر الله تعالى. التعريفات الفقهية (ص: 244).
«سِواكٍ»:
سُكْتُ الشيء أَسُوكُه سَوكًا: إذا دَلَكْتُهُ، ومنه اشتقاق المسواك، وهو مِفعال من ذلك، يقال: سَاكَ فاهُ يسوكه سَوكًا. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 857).
وقال ابن أبي الفتح البعلي -رحمه الله-:
السِّواك: العود الذي يُتَسَوَّكُ به. المطلع على ألفاظ المقنع (ص: 27).
«تَبَوَّأَ»:
تَبَوَّأَ منزلًا -مهموز-: أي اتخذه. شمس العلوم، للحميري (1/ 669).
وقال الرازي -رحمه الله-:
تَبَوَّأَ منزلًا: نَزَلَهُ، وبَوَّأَ له منزلًا، وبَوَّأَهُ منزلًا: هَيَّأَهُ، ومكَّن له فيه. مختار الصحاح (ص: 41).
شرح الحديث
قوله: «لا يَحلِفُ أحدٌ عند مِنبَري هذا»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«حَلَف عند منبري هذا» خصه؛ لكون ذلك عنده أقبح. السراج المنير (2/ 237).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا يحلف أحد عند منبري هذا» لعله احتراز من منبر مكة. مرقاة المفاتيح (6/ 2448).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«لا يحلف أحد عند منبري هذا» الحديث، وجه ذكر المنبر فيه عند من يرى ذلك تغليظًا في اليمين ظاهر، وأما عند من لا يرى التغليظ يتأتى في شيء من الأزمنة والأمكنة، فالوجه فيه أن يقال: إنما جرى ذكر المنبر لأنهم كانوا يتحاكمون ويتحالفون يومئذٍ في المسجد، فاتخذوا الجانب الأيمن منه -وهناك المنبر- محلًّا للأقضية.
وقد وجدتُ القاضي بالمدينة -عظم الله حرمها وعلى ساكنها -الصلاة والسلام- يحكم عند المنبر، فذكر في الحديث على ما كان، وأرى هذا تأويلًا حسنًا، لا نرى العدول عنه؛ لئلا نفتقر أن نَعْدِلَ بالحلف بالله شيئًا. الميسر (3/ 869- 870).
وقال الطيبي -رحمه الله- بعد نقل كلام التوربشتي:
أقول: ولِنَاصِر القول الأول أن يقول: وَصْفُ المنبر باسم الإشارة بعد إضافته إلى نفسه ليس إلا للتعظيم، وإن للمكان مدخلًا في تغليظ اليمين. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2618).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وفي ذكر المنبر نهاية في تأكيد اليمين؛ لأنا قد قلنا: إن تغليظ اليمين يكون بالزمان والمكان واللفظ والعدد، والزمان تقدَّم ذكره (أي الحلف بعد صلاة العصر).
وأما المكان: فإن كان بمكة: فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة: فعلى منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو عنده؛ عملًا بالروايتين، فإن رواية مالك: «على المنبر» ورواية أبي داود: «عند المنبر»، وإن كان ببيت المقدس: فعند الصخرة، وإن كان فيما عدا ذلك من البلاد: ففي جوامعها، وعند المنبر وغيره سواء. الشافي (5/ 453).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «عند منبري» إنما خص -صلى الله عليه وسلم- منبره بتعظيمه وشرفه، وإلا لكان الكذب في اليمين وغيره موجِبًا للإثم، فإذا كان الكذب إثمًا يكون مع اليمين أكثر كذبًا وإثمًا، ويكون في الموضع الشريف أكثر إثمًا من موضع غير شريف. المفاتيح (4/ 329).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
المراد بقوله: «عند المنبر» أي: مما يلي القبر الشريف؛ لحديث: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة»... وقد استدل أصحابنا (الشافعية) بهذا الحديث على أن من غُلِّظت عليه اليمين بالمكان فليحلف في أشرف مكان في تلك البلدة، فإن كان بالمدينة فعند المنبر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لاعَنَ العجلاني وامرأته عند المنبر، وفي كلام الشافعي في الأم والمختصر: على المنبر، وفي كلام القاضي حسين (المروروذي) فيمن يصعد ثلاثة أوجه: أحدها: المحلِّف وهما تحته. شرح سنن أبي داود (13/ 579).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
ذِكْرُ المنبر في حديث جابر يدل على اختصاص اليمين الفاجرة على المنبر بمزيد الإثم، ورواه شجاع بن الوليد وغيره عن هاشم بن هاشم وقال: «عند المنبر» ولم يقل: «عند منبري»؛ وذلك يوافق وجه اعتبار المنبر في سائر البلاد، وفي قصة زيد بن ثابت ومروان ما يدل على التغليظ بالتحليف على المنبر، ولولا أنه مشروع لقال زيد: ليس عليَّ الحلف كما تقول. شرح مسند الشافعي (2/ 483).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من حلف على منبري هذا» منبره -عليه الصلاة والسلام- مأخوذ من النَّبْرِ، وهو الارتفاع، وهو الذي صُنع له من طَرْفَاءِ (جمع طَرَفة، وهي شجرة من شجر البادية) الغابة، وكان قبل ذلك يخطب إلى جذع نخلة، ثم صُنع له هذا المنبر، فصار -صلى الله عليه وسلم- يخطب عليه في خطبة الجمعة، وقوله: «على منبري هذا» يحتمل أن «على» هنا بمعنى: عند، ويحتمل أنها بمعنى العلو، يعني: عليه؛ أي: صاعدًا عليه أو عنده، يعني: بقربه، وعلى هذا فيرجع في ذلك إلى رأي القاضي، إذا قال: لا بد أن ترقى على المنبر لتُعْلِنَ هذه اليمين التي تحلف عليها في استحقاق ما تدَّعِيه، ولا شك أنه إذا صعد عليه فهو أشد وأعظم خطرًا، وأعظم هيبة. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 204- 204).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«عند منبري هذا» أي: الموجود الآن في عهدي هذا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (13/ 385).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما اليمين على مِنبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أو غيره من المنابر فقد اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب ذاهبون إلى أن اليمين عند المنبر وفي الجامع لا يكون في أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم، فإذا كان ربع دينار أو ثلاثة دراهم، أو قيمة ذلك عرضًا، فما زاد كانت اليمين فيه في مَقْطَعِ الحق بالجامع من ذلك البلد، وهذه جملة مذهب مالك.
قال مالك: يحلف المسلم في القسَامة واللعان، وفيما له بالٌ من الحقوق، يريد ربع دينار فصاعدًا، في جامع بلده، في أعظم مواضعه، وليس عليه التوجه إلى القبلة، هذه رواية ابن القاسم، وروى ابن الماجشون، عن مالك، أنه يحلف قائمًا مستقبل القبلة.
ولا يعرف مالك اليمين عند المنبر إلا منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقط، يحلف عنده في ربع دينار فأكثر.
قال مالك: ومن أبى أن يحلف عند المنبر، فهو كالنَّاكِل عن اليمين، ويُجْلَبُ في أيمان القسامة عند مالك مَن كان مِن عمل مكة إلى مكة، فيحلف بين الركن والمقام، ويُجلب في ذلك إلى المدينة من كان مِن عملها، فيحلف عند المنبر.
ومذهب الشافعي في هذا الباب كمذهب مالك؛ في المنبر بالمدينة، وبين الركن والمقام بمكة في القسامة واللعان، وأما في الحقوق فلا يحلف عنده عند المنبر في أقل من عشرين دينارًا. التمهيد (14/ 15 16).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اليمين عند المنبر بمكة والمدينة لا خلاف فيه في قديم ولا حديث، وأنَّ نَقْل الحديث فيه تكلُّف (أي: نَقْل واستدلال أبي حنيفة بحديث زيد بن ثابت وأنه لم يحلف على المنبر)؛ لإجماع السلف عليه، ولقد بلغني أن عمر بن الخطاب حلف عند المنبر في خصومة كانت بينه وبين رجل، وأن عثمان رُدَّت عليه اليمين عند المنبر، فافتدى منها وقال: أخاف أن توافق قَدَرًا، فيقال: إنه بيمينه.
قال المهلب: وإنما أمر أن يحلف في أعظم موضع في المسجد؛ ليرتدع أهل الباطل، وهذا مستنبَط من قوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} المائدة: 106، فاشتراطه بعد الصلاة تعظيمًا للوقت، وإرهابًا به؛ لشهود الملائكة ذلك الوقت، فخصوصة وقت التعظيم كخصوصة موضع التعظيم، ألا ترى ما ظهر من تهيُّب زيد بن ثابت للموضع، فمن هو دون ذلك من أهل المعاصي الخائفين من العقوبات أولى أن يرهبوا المكان العظيم. شرح صحيح البخاري (8/ 65).
قوله: «على يمينٍ آثِمةٍ»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«...بيمين آثمة» كذا قال ابن بكير وابن القاسم والقعنبي وغيرهم، وقال يحيى: «من حلف على منبري آثمًا» والمعنى واحد، وفيه: اشتراط الإثم، فالوعيد لا يقع إلا مع تعمُّد الإثم في اليمين، واقتطاع حق المسلم بها. التمهيد (14/ 14).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وقوله: «بيمين آثمة» هذا على طريق المجاز، وإنما الآثم الحالف، ولكن لَمَّا كانت اليمين الكاذبة هي سبب إثم الحالف بها جاز أن يوصَف بها مجازًا، تقول: ليل نائم، ونهار صائم، ويدل على ذلك رواية مالك: «من حلف على منبري آثمًا» فجعل الإثم صفة للحالف، وهو نصب على الحال، فمعنى قوله: «بيمين آثمة» أي: بيمين كاذبة. الشافي (5/ 452- 453).
وقال البيضاوي رحمه الله-:
و«اليمين الآثمة» هي الكاذبة، سميت آثمة كما سميت فاجرة؛ على الاتساع. تحفة الأبرار (2/ 570).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
واليمين الآثمة موجِبة لسخَطِ الله ونكاله على أية صيغة كانت. الميسر (3/ 870).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «بيمين آثمة» اليمين الآثمة هي التي يُقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حق. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 205).
قوله: «ولو على سِواكٍ أَخْضَرَ».
قال العزيزي -رحمه الله-:
«وإن كان» الحلف «على سواكٍ أخضر» فهو من الكبائر، وإن كان تافهًا. السراج المنير (2/ 237).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «على سواك أخضر» لعل التقييد بالأخضر بناء على أنه يُستبعد الاختصام بين العاقلين في مثله. كفاية الحاجة (2/ 53).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«ولو على سواك أخضر» ظاهر، وقيل: المراد به العُود مِن عيدان الزرع، والأول أقرب إلى الاستقامة، والثاني إلى التأكيد في التمثيل بما لا يُتصوَّر كـ«مفحص قطاة» (القطاة ضرب من الحمام أي: موضعها الذي تجثم فيه وتبيض). الأزهار مخطوط لوح (349).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإن كان» الحلف «على سواك أخضر» أي: على أحقر شيء وهو السواك فما دونه، وبالأولى فما فوقه. التنوير (4/ 444).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ولو» كان حلفه ثَمَّ «على» شيء تافه، قليل القيمة؛ كـ «سواك أخضر» أي: رطب...
قوله: «ولو على سواك أخضر» إنما خَصَّ الرطب؛ لأنه كثير الوجود لا يباع بالثمن، وهو لا يكون كذلك إلا في مواضع نباته، بخلاف اليابس؛ فإنه قد يُحمل من بلد إلى بلد آخر، فيباع. مرشد ذوي الحجا والحاجة (13/ 385- 386).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أخضر» تتميم لمعنى التحقير في السواك؛ لأنه لا يستعمل إلا يابسًا، يعني: أن مثل هذا المحلوف عليه الذي لا يُعْتَدُّ به لليمين، بل يُعَدُّ لغوًا بسبب العُرف، ولا يؤاخذ بها إذا ترتب عليه هذا الوعيد الشديد لأجل هذا المكان الرفيع فكيف بما هو فوقه؟
وفيه: أن الأيمان إنما تصير مغلَّظة بحسب المكان والزمان، لا بحسب المحلوف عليه وإن كان عظيمًا. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2618).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولو» كانت يمينه «على سواكٍ أخضرَ» رواية ابن ماجه والحاكم: «سواك رطب» وفيه: دليل على تغليظ اليمين المباحة في الشيء التافه وهو وجه ضعيف، والمشهور أنها لا تغلَّظ فيما دون النصاب، قال إبراهيم المروزي: لأنه تافه فلا تؤكد فيه اليمين. شرح سنن أبي داود (13/ 579).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وإنْ على سواك أخضر» أي: وإن حلف على سواك، فحُذف لدلالة الأول عليه. التيسير (1/ 413).
وقال السندي -رحمه الله-:
«ولو على سواك» إشارة إلى أن هذا الجزاء لا يتفاوت بالمال قلة وكثرة، وتوصيفه بأخضر إشارة إلى أنه وإن كان شيئًا لا بقاء للونه وصورته كالسواك الأخضر الذي يتغير اخضراره في يوم أو يومين، ثم لا يخفى أن هذا الجزاء قد جاء في مطلق اليمين الكاذبة التي يقطع بها المال، فليس في الحديث دلالة على تغليظ اليمين عند المنبر إلا أن يُؤخذ التغليظ من تعميم المال للكثير والقليل في هذا الحديث، أو من الحصر، والله تعالى أعلم. فتح الودود (3/ 461- 462).
قوله: «إلا تَبَوَّأَ مقعدَه من النارِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إلا تَبَوَّأَ مقعده من النار» أي: ليستعد لليمين الذي يبوِّئه النار، يقال: بَوَّأَهُ الله منزلًا، أي: أَسْكَنَهُ إياه، وتَبَوَّأْتَ منزلًا: اتخذته. شرح سنن أبي داود (13/ 579).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فليتبوأ» أي: فليتخذ «مقعده» أي: منزله ومَقَرَّهُ «من النار» الأخروية. مرشد ذوي الحجا والحاجة (13/ 385).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
والتَّبَوُّءُ: اتخاذ الموضع منزلًا، مِن المَبَاءَة: المنزل، تقول: تَبَوَّأْتُ هذه الدار منزلًا، أي: اتَّخَذْتُها مقامًا، والمقْعَدُ: موضع القعود. الشافي (5/ 453).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
مذهبنا في الوعيد أنه غير نافذ في هذا، وفي كل ما أوعد الله أهل الإيمان عليه النار والعذاب، فإن الله بالخيار في عبده المذنب؛ إن شاء أن يغفر له غفر له، وإن شاء أن يعذبه عذبه؛ لقول الله -عز وجل-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء: 48، والتوبة تمحو السيئات كلها، كفرًا كانت أو غير ذلك، قال الله -عز وجل-: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} الأنفال: 38، إلا أن حقوق الآدميين لا بد فيها بين المسلمين من القصاص بالحسنات والسيئات. التمهيد (14/ 14- 15).
قوله: «أو وجَبَت له النارُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلا تَبَوَّأ مقعده من النار، أو وَجَبَتْ له النار» شكٌّ من الراوي، أو للتنويع بأن يكون الأول وعيدًا للفاجر، والثاني للكافر. مرقاة المفاتيح (6/ 2448).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أو» قال: «وجبت له النارُ» فيه جوابان مشهوران:
أحدهما: أنه محمول على المستحِلِّ لذلك إذا مات على ذلك، فإنه يكفر ويخلد في النار، والثاني: معناه أنه استحق النار، ويجوز عفو الله تعالى عنه، أو حرم عليه دخول الجنة أول وهلة مع الفائزين حتى يدخل النار. شرح سنن أبي داود (13/ 579- 580).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أدخله الله النار» نار جهنم؛ للتطهير لا للتخليد. التيسير (1/ 412- 413).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«إلا تبوأ مقعده من النار» رواية «أو وجبت له النار» رواية وكتاب، وقيل: تردُّد من الراوي، وليس كذلك. الأزهار مخطوط لوح (349).
قوله في لفظ: «على يمين كاذبة»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«على يمين» بزيادة «على» للتأكيد «كاذبة» السراج المنير (2/ 237).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«على يمين كاذبة» أي: كاذب حالِفها من باب الأسلوب الحكيم... «بيمين كاذبة» بسبب حلفه أنه به كاذبًا إذا تحاكم ورد المدعي عليه اليمين، أو قَبِلَ يمينَه من غير تحاكم، ولا أثر لحكمِ الحاكم في ملكه بعد حلفه. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 444).
قوله: «يستحق بها حق مسلم، أدخله الله النار»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«يستحق بها حق مسلم» أو كافر له أمان، وشمل الحق المال وغيره كجلد ميتة وحدِّ قذفٍ، «أدخله الله تعالى النار» أي: نار جهنم؛ للتطهير لا للتخليد. السراج المنير (2/ 237).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«يستحق بها» أي: تجعله حلًّا في الظاهر بيمينه... «أدخله الله النار» بيمينه، وأخذه لحق غيره. التنوير (4/ 444).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وروي عن بعض الصحابة التحليف على المصحف، والحاصل: أنه لم يكن في أحاديث الباب ما يدل على مطلوب القائل بجواز التغليظ؛ لأن الأحاديث الواردة في تعظيم ذنب الحالف على منبره -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك الأحاديث الواردة في تعظيم ذنب الحالف بعد العصر، لا تدل على أنها تجب إجابة الطالب للحلف في ذلك المكان، أو ذلك الزمان، وقد علَّمنا -صلى الله عليه وسلم- كيف اليمين، فقال للرجل الذي حلَّفه: «احلف بالله الذي لا إله إلا هو» كما في حديث ابن عباس، وقال في حديث ابن عمر المذكور في الباب: «ومن حُلف له بالله فلْيَرْضَ، ومن لم يرض فليس من الله» وهذا أمر منه -صلى الله عليه وسلم- بالرضا لمن حُلف له بالله، ووعيد لمن لم يرض بأنه ليس من الله، ففيه أعظم دلالة على عدم وجوب الإجابة إلى التغليظ بما ذكر، وعدم جواز طلب ذلك ممن لا يساعد عليه، وقد كان الغالب من تحليفه -صلى الله عليه وسلم- لغيره وحلفه هو الاقتصار على اسم الله مجردًا عن الوصف كما في قوله: «والله لا أحلف على شيء فأرى غيره خيرًا منه إلا أتيتُ الذي هو خير، وكفَّرْتُ عن يميني» وكما في تحليفه -صلى الله عليه وسلم- لرُكَانَة (حين طلق امرأته فأتى رسول الله فقال: إني طلقت امرأتي ألبتة والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله: والله ما أردتَ إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردتُ إلا واحدة»)، فإنه اقتصر على اسم الله، وتارة كان يحلف -صلى الله عليه وسلم- فيقول: «لا، والذي نفسي بيده، لا ومقلب القلوب» وقال تعالى: {فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ} المائدة: 106، ومن جملة ما استدل به البخاري على عدم وجوب التغليظ: حديث: «شاهداك أو يمينه» ووجه ذلك: أنَّ الذي أوجبه النبي -صلى الله عليه وسلم- هو مطلق اليمين، وهي تَصْدُقُ على من حلف في أي زمان وأي مكان، فمَن بذل لخصمه أن يحلف له حنث هو، ومن لم يجبه إلى مكان مخصوص، ولا إلى زمان مخصوص، فقد بذل ما أوجبه عليه الشارع، ولا يلزمه الزيادة على ذلك؛ لأن الذي تعبَّد به هو اليمين على أي صفة كانت، ولم يتعبد بأشد الأيمان جرمًا، وأعظمها ذنبًا، على أنه قد ورد في اليمين التي يقتطع بها حق امرئ مسلم من الوعيد ما ليس عليه من مزيد... أنها من الكبائر، ومن موجبات النار، وليس في الحلف على منبره -صلى الله عليه وسلم- وبعد العصر زيادة على هذا، فالحق عدم وجوب إجابة الحالف لمن أراد تحليفه في زمان مخصوص، أو مكان مخصوص، أو بألفاظ مخصوصة.
وقد روى ابن رسلان أنهم لم يختلفوا في جواز التغليظ على الذمي، فإنْ صح الإجماع فذاك عند من يقول بحجيته، وإنْ لم يصح فغاية ما يجوز التغليظ به هو ما ورد في حديث الباب وما يشابهه من التغليظ باللفظ، وأما التغليظ بزمان معين أو مكان معين على أهل الذمة، مثل أن يطلب منه أن يحلف في الكنائس، أو نحوها، فلا دليل على ذلك. نيل الأوطار (8/ 356-357).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث دليل على عظمة إثم مَن حلف على منبره -صلى الله عليه وسلم- كاذبًا. واختلف العلماء في تغليظ الحلف بالمكان والزمان هل يجوز للحاكم أو لا؟ والحديث لا دليل فيه على أحد القولين، إنما فيه عظمة إثم من حلف على منبره -صلى الله عليه وسلم- كاذبًا.
وذهب الهادوية والحنفية والحنابلة إلى أنه لا تغليظ بزمان ولا مكان، وأنه لا يجب على الحالف الإجابة إلى ذلك.
وذهب الجمهور إلى أنه يجب التغليظ في الزمان والمكان قالوا: ففي المدينة على المنبر، وفي مكة بين الركن والمقام، وفي غيرهما في المسجد الجامع، وكأنهم يقولون في الزمان يُنظر إلى الأوقات الفاضلة، كبَعد العصر، وليلة الجمعة ويومها ونحو ذلك.
احتج الأولون بإطلاق أحاديث: «اليمين على المدَّعَى عليه» وبقوله: «شاهداك أو يمينه»، واحتج الجمهور بحديث جابر وحديث أبي أمامة وبفعل عمر وعثمان وابن عباس وغيرهم من السلف، واستدلوا للتغليظ بالزمان بقوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} المائدة: 106، قال المفسرون: هي صلاة العصر.
وقال آخرون: يستحب التغليظ في الزمان والمكان ولا يجب.
وقيل: هو موضع اجتهاد للحاكم إذا رآه حسنًا أَلْزَمَ به. سبل السلام (2/ 591).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: دلالة على استحباب التغليظ بالمكان في التحليف، وبه قال الشافعي والأكثرون خلافًا لأبي حنيفة. الأزهار مخطوط لوح (349).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
فيه: إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي: كما أنه قَصَد الإثم في اليمين الكاذبة في ذا المكان العظيم، كذلك يقصد في جزائه التَّبَوُّء. شرحه على الموطأ (4/ 23-24).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث:
التحذير من الحلف باليمين الكاذبة على منبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وفيه: إشارة إلى التغليظ بالمكان، وقد ذكر أهل العلم -رحمهم الله- أن تغليظ اليمين لا يكون إلا في شيء له خطر وأهمية كمال كثير، أو دعوى قصاص أو زنًا أو غير ذلك من الأمور الخطرة، والزنا ليس فيه يمين، لكن أقول: إنه من الأمور الخطرة، لكن لا تُغَلَّظ في الشيء التافه؛ لأن تغليظها خطير جدًّا، والشيء التافه لا يساوي أنْ تُغَلَّظَ الأيمان فيه، إنما تُغَلَّظ فيما له خطر...
ومن فوائد الحديث: تغليظ الحلف على منبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، ووجه ذلك: أن منبر النبي -صلى الله عليه وسلم- مقام دعوة للخير، فإذا حلف الإنسان على هذا المنبر الذي هو مقام دعوة للخير على وجه يكون ظلمًا وجورًا، فهذا غاية المحادة لله ورسوله...
وهل يمكن أن يقال: إن فيه إثبات وجود النار؟ نعم؛ من قوله: «تبوأ مقعده».
وهل يمكن أن تَلْحَقَ بمنبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- منابر المساجد الأخرى؟ الجواب: قال بعض أهل العلم: إنه يلحق به من حيث التغليظ لا من حيث العقوبة، فمثلًا: لو حَلَفَ الإنسان على يمين فاجر عند منبر مسجد من المساجد، ورأى القاضي أنه يغلِّظ اليمين في هذا المكان فلا بأس، لكنه لا يستحق العقوبة التي كانت على مِنبر النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وذلك لشرف المكان. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 505 - 207).
وللفائدة ينظر:
- عقوبة من قطع رحمًا أو حلف على يمين فاجرة.
- مصير من خلف يمينًا كاذبة بعد العصر.