السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«‌الكَمْأَةُ ‌من ‌المنِّ الذي أنزَلَ الله -تبارك وتعالى- على بني إسرائيل، وماؤُها شِفاءٌ للعَينِ».


رواه البخاري برقم: (4478) ومسلم برقم: (2049) واللفظ له، من حديث سعيد بن زيد -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند مسلم: «على موسى...».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الكَمْأَةُ»:
نبات يُنَقِّض الأرض، فيخرج كما يخرج الفُطْر (والفُطْرُ: ضربٌ من الكَمْأة أبيض) وأحدها: كَمْءٌ، والجميع: ‌الكمأة، وثلاثة أَكْمُؤٌ. العين، الخليل (5/ 420).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
الكَمْأَةُ: مهموزة، والعامة يقولون: الكَمَاة، بلا همز. غريب الحديث (3/ 231).

«المَنّ»:
المنُّ: شيء يسقط على الشجر في بعض البلاد شبه العسل فيُجمع. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي(ص: 92).
وقال أبو بكر الأنباري –رحمه الله-:
المنُّ عند العرب: ما منَّ الله -عز وجل- به على خلقه مِن غير تكلُّف لزرعه وسقيه. الزاهر (2/ 45).


شرح الحديث


قوله: «‌الكَمْأَةُ ‌مِن ‌المنِّ»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قد ذكر المفسرون في قوله: «الكَمْأَة من المنِّ» أنها مما منَّ الله به على عباده من غير تعب منهم، ولا وضع بذر، ولا غرس. الإفصاح (1/ 367).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
...الكَمْأَةُ: نبات لا أصل له، وتسميه العرب: جدري الأرض، وسماه النبي -صلى الله عليه وسلم- مَنًّا؛ لأنه يأتي عفوًا بغير معالجة ولا اعتمال ولا زرع، كالمنِّ الذي أُنزل على بني إسرائيل. مطالع الأنوار (3/ 368).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«الكمأة» شيء أبيض مثل شحم ينبت من الأرض، يقال بلسان بعض الناس: شحم الأرض، ويقول لها بعض أهل فارس بلسانه: أكل.
وقالوا: معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «‌الكمأة ‌من ‌المن» أي: الكمأة نعمة أنبتها من الأرض للناس بلا تعب الناس. المفاتيح (4/ 506).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: ‌«الكَمْأَةُ ‌مِن ‌المنِّ» لم يرد أنها من نوع المنِّ الذى أنزل على بني إسرائيل، فإن المروي في الأخبار أنه كان يسقط عليهم ‌كَالتَّرَنْجَبِين (مادة تتجمع فوق بعض النبات شبيهة بالعسل)، وإنما معناه: أن الكمأة شيء ينبت بنفسه من غير استنبات ومؤنة تُتكلف له، فهو بمنزلة المنِّ الذي كان يسقط عليهم، فيكون قُوتًا لهم، وإنما نالت الكَمْأَة هذا الثناء لأنها من الحلال الذي ليس في اكتسابه شبهة. أعلام الحديث (3/ 1799- 1800).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا:
ورُدَّ عليه: بأن في رواية ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير في هذا الباب: «مِن المنِّ الذي أُنزل على بني إسرائيل» رواه الدارقطني، وبهذا تظهر المناسبة في ذكره هنا، وكأن الخطابي لم يطلع على رواية ابن عيينة عن عبد الملك، فلذلك قال ذلك. عمدة القاري (18/ 88).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: إن قيل: ما معنى قوله: «‌الكَمْأَةُ ‌مِن ‌المنِّ» والكمأة معروفة كما أن المنَّ معروف، كل واحد منهما غير نوع صاحبه؟
قيل: الكَمْأَةُ وإن لم تكن من نوع المنِّ فإنه يجمعهما في المعنى أنهما مما يُحدث الله رزقًا لعباده من غير أصل له، ومن غير صُنع منهم ولا علاج؛ إذ كانت جميع أقوات العباد لا سبيل إليها إلا بأصلٍ عندهم وغرس، وليس كذلك في الكَمْأَةُ والمنِّ. شرح صحيح البخاري (9/ 413).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
ويستعمل المنُّ في النعمة، ويستعمل بمعنى القطع، والذهاب فيه إلى كلا المعنيين صحيح، أما النعمة فظاهر، وأما القطع فلأنه يسقط كالشيء المقطوع؛ ولهذا يقال للتَّرَنْجَبِين. الميسر(3/ 954- 955).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وقيل: شبَّهَهَا بالمنِّ، وهو العَسَل الحلو الذي ينزل من السماء صفوًا بلا علاج، وكذلك الكَمْأَة لا مؤنة فيها ببذرٍ وسَقْيٍ.
أقول: كأنهم لما ذموها وجعلوها مِن الفضلات، التي تتضمن المضرة تدفعها الأرض إلى ظاهرها، كما تدفع الطبيعة الفضلات بالجدري، قابله -صلى الله عليه وسلم- بالمدح، أي: ليست من الفضلات، بل هي من فضل الله ومَنِّهِ أنزله على عباده، أو ليست مما تضمن المضرة، بل هي شفاء للناس كالمنِّ النازل. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2975).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وقيل: إنها إلى الغُبْرة والسواد...، ولها عدة أسماء ذكر ابن خالويه في كتاب "ليس (في كلام العرب)" فوق العشرة، منها: بنات أوبر، وقال أبو عمرو (الشيباني): مثلها، وأهمل اسمًا آخر، ذكرها كراع (النمل، وهو علي بن الحسن الهنائي الأزدي) في "المنجد"، وذكر القزاز: العرجون والفُطْر؛ لأن الأرض تنفطر عنها، وسمي أيضًا بنات الرعد؛ لأنها تكثر بكثرته. التوضيح (22/ 31).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الكمأة من المن» فيه قولان:
أحدهما: أن المنَّ الذي أُنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحلو فقط، بل أشياء كثيرة منَّ الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفوًا من غير صنعة ولا علاج ولا حرث، فإن المنَّ مصدر بمعنى المفعول، أي: مَمْنُون به، فكلّ ما رزقه الله العبد عفوًا بغير كسب منه ولا علاج فهو منٌّ محضٌ، وإن كانت سائر نعمه منًّا منه على عبده، فخص منها ما لا كسب له فيه ولا صُنع باسم المن، فإنه منٌّ بلا واسطة العبد، وجعل -سبحانه- قُوتهم بِالتِّيْهِ الكَمْأَة، وهي تقوم مقام الخبز، وجعل أُدْمَهم السلوى، وهو يقوم مقام اللحم، وجعل حلواهم الطَّلَّ الذي ينزل على الأشجار يقوم لهم مقام الحلوى، فكمل عيشهم.
وتأمل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الكَمْأَة مِن المنِّ الذي أنزله الله على بني إسرائيل» فجعلها من جملته وفردًا من أفراده...
والقول الثاني: أنه شبَّه الكمأة بالمنِّ المنزل من السماء؛ لأنه يُجمع من غير تعب ولا كلفة ولا زرع بِزْرٍ ولا سقي.
فإن قلت: فإن كان هذا شأن الكمأة فما بال هذا الضرر فيها؟ ومن أين أتاها ذلك؟ فاعلم أن الله -سبحانه- أتقن كل شيء صنعه، وأحسن كل شيء خلقه، فهو عند مبدأ خلقه بريء من الآفات والعلل، تام المنفعة لما هُيئ وخُلق له، وإنما تعرض له الآفات بعد ذلك بأمور أخر؛ من مجاورة أو امتزاج واختلاط، أو أسباب أخر تقتضي فساده، فلو تُرك على خِلقته الأصلية من غير تعلُّق أسباب الفساد به لم يفسد. زاد المعاد (4/ 331- 332).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وكأنه أشار إلى أن الأكْمُؤ محل وجدانها الفلوات، والكمأة نبات لا ورق لها ولا ساق، توجد في الأرض من غير أن تزرع، قيل: سميت بذلك لاستتارها، يقال: كَمَأَ الشهادة إذا كتَمَهَا، ومادة الكمأة من جوهر أرضي بخاري يحتقن نحو سطح الأرض ببرد الشتاء، وينمِّيه مطر الربيع، فيتولد ويندفع متجسدًا؛ ولذلك كان بعض العرب يسميها جدري الأرض تشبيهًا لها بالجدري مادة وصورة؛ لأن مادته رطوبة دموية تندفع غالبًا عند الترعرع، وفي ابتداء استيلاء الحرارة، ونماء القوة، ومشابهتها له في الصورة ظاهر...
والعرب تسمي الكَمْأَة أيضًا بنات الرعد؛ لأنها تكثر بكثرته، ثم تنفطر عنها الأرض، وهي كثيرة بأرض العرب، وتوجد بالشام ومصر، فأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء، ومنها صنف قتَّال، يضرب لونه إلى الحمرة، وهي باردة رطبة في الثانية، رديئة للمعدة، بطيئة الهضم، وإدمان أكلها يورث القولنج (وجع معوي يعسر معه خروج ما يخرج بالطبع وقد يقوى فيقتل) والسكتة والفالج، وعسر البول، والرطب منها أقل ضررًا من اليابس، وإذا دُفنت في الطين الرطب ثم سُلقت بالماء والملح والسعتر وأُكلت بالزيت والتوابل الحارة قلَّ ضررها، ومع ذلك ففيها جوهر مائي لطيف، بدليل خفتها، فلذلك كان ماؤها شفاء للعين. فتح الباري (10/ 163- 164).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«الكَمْأَة من المنِّ» الكمأة هي التي تعرف عند الناس بالفَجْعِ (ويقال لها: الفقع)، تنبت من كثرة الأمطار، ولا سيما الأمطار الموسمية، وهي معروفة لذيذة الطعم تنبت على الأرض، وإذا كبرت يأخذها الناس بدون كُلفة وبدون مشقة؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنها من المنِّ» أي: مما منَّ الله به على عباده بيسر وسهولة. شرح رياض الصالحين (6/ 710).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وسبب الحديث: أن جماعة من الصحابة قالوا: ما نرى الكمأة إلا الشجرة التي {اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} إبراهيم: 26، والله ما نرى لها أصلًا في الأرض ولا فرعًا في السماء. التنوير(8/ 266).

قوله: «الذي أنزَلَ الله -تبارك وتعالى- على بني إسرائيل» وفي رواية: «على موسى»:
قال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-:
يقال -والله أعلم-: إنه إنما ‌شبهها ‌بالمنِّ الذي كان يسقط على بني إسرائيل لأن ذلك كان ينزل عليهم عفوًا بلا علاج منهم، إنما كانوا يُصبحون، وهو بأفنيتهم، فيتناولونه.
وكذلك الكمأة ليس على أحد منها مؤنة في بذرٍ، ولا سقي، ولا غيره، وإنما هو شيء ينشئه الله -سبحانه- في الأرض حتى يصير إلى من يجتنيه. غريب الحديث (1/ 388).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
جاء في الرواية الأخرى في الأم (صحيح مسلم): «مِن المنِّ الذي أُنزل على بني إسرائيل» فيحتمل أنه على وجهه، وهو ظاهر الكلام، ويحتمل أنه على التشبيه كما تقدم. إكمال المعلم (6/ 534).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وفي مسلم: ‌«الكمأة ‌من ‌المنِّ الذي أنزل على بني إسرائيل»، واستشكل بأن المنزَّل عليهم كان الترنجبين الساقط من السماء، وهذا ينبت من الأرض، وأُجيب: باحتمال أن الذي أنزل عليهم كان أنواعًا منَّ الله تعالى عليهم بها؛ من النبات، ومن الطير الذي يسقط عليهم من غير اصطياد، ومن الطلِّ الساقط على الشجر، والمنُّ مصدر بمعنى المفعول، أي: ممنون به، فلما لم يكن لهم فيه شائبة كسب كان منًّا محضًا، وإن كانت نعم الله على عباده منًّا منه عليهم، فالكمأة فرد من أفراد المن. إرشاد الساري (8/ 375).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال قتادة: كان يسقط عليهم في مجلسهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كسقوط الثلج، ثم يأخذ كل واحد منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعداه فسد، ويأخذ يوم الجمعة ما يكفيه ليومه ويوم السبت. التوضيح (22/ 28).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «أنزل ‌الله ‌على ‌موسى» أي: ابن عمران، نبي بني إسرائيل -عليه السلام-. البحر المحيط الثجاج (34/ 367).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
لفظ هذا الحديث صريح في كون الكمأة من جملة المن الذي ‌أَنزل ‌الله ‌على ‌موسى حقيقة، فهو الراجح، وأما احتمال التأويل فضعيف، وقد أشكل على البعض أن الذي ورد في التوراة أن المن كان طَلًّا ينزل حبوبًا كالكزبرة، وكان في لذته مثل الترنجبين، فأين الكمأة من هذا حتى تُعدُّ من المنِّ؟
وأجيب: بأن المنَّ الذي أنزل على موسى كان أنواعًا، منها الترنجبين، ومنها الكمأة، وإن لم يجرِ لها ذكر في التوراة، فالتوراة لم تبقَ جامعة ولا سالمة، ولو كان فيها ما يخالف الحديث لقلنا بالحديث، وتركنا ما في التوراة، فكيف وليس فيها ما يخالف هذا الحديث؟! منة المنعم (3/ 373).

قوله: «وماؤُها شِفاءٌ للعَينِ»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«وماؤها شفاء للعين» في نسخة: «من العين» أي: من وجعها. تحفة الباري (7/ 659).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وماؤها شفاء للعين» كذا للأكثر، وكذا عند مسلم، وفي رواية المستملي: «من العين» أي: شفاء من داء العين، قال الخطابي: إنما اختصت الكمأة بهذه الفضيلة لأنها من الحلال المحض الذي ليس في اكتسابه شبهة، ويُستنبط منه أن استعمال الحلال المحض يجلو البصر، والعكس بالعكس. فتح الباري (10/ 164).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «وماؤها شفاء للعين» فإنما هو بأن يربى به الكحل أو التوتيا (هي من أنواع الأحجار باردة يابسة) ونحوهما مما يكتحل به، فينتفع بذلك، وليس بأن يؤخذ بحتًا فيكتحل ويتداوى به؛ لأن ذلك يؤذي العين ويقذيها. أعلام الحديث (3/ 1800).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-:
قوله: «وماؤها شفاء للعين» يقال: إنه ليس معناه: أن يؤخذ ماؤها بحتًا فيقطر في العين، ولكنه يُخلط ماؤها في الأدوية التي تُعالج العين. غريب الحديث (1/ 388).
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قال بعض أهل المعرفة بالطب والحذق فيه وغيره في بعض ما ألَّفه وتكلم عليه في معنى هذا الحديث: إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة، فتشفي بنفسها مفردة، وأما لغير ذلك فمركبة مع غيرها. إكمال المعلم (6/ 535).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وذكروا في قوله: «ماؤها شفاء للعين» أي: ماؤها الذي تنبت عليه (وهو أول ماء المطر)، وقيل: إن المراد بمائها: أنها تُشق وتُوضع على النار؛ فيَقطر منها ما يصلح للعين. الإفصاح (1/ 367).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وماؤها شفاء للعين»... والصحيح بل الصواب: أن ماءها مجردًا شفاء للعين مطلقًا، فيُعصر ماؤها، ويجعل في العين منه، وقد رأيت أنا وغيري في زمننا من كان عمي، وذهب بصره حقيقة، فكحل عينه بماء الكمأة مجردًا، فشفي وعاد إليه بصره، وهو الشيخ العدل الأمين الكمال ابن عبد الدمشقي، صاحب صلاحٍ وروايةٍ للحديث، وكان استعماله لماء الكمأة اعتقادًا في الحديث، وتبركًا به، والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم (14/ 4- 5).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
ينبغي تقييد ذلك بمَن عَرَفَ من نفسه قوة اعتقاد في صحة الحديث، والعمل به، كما يشير إليه آخر كلامه (أي: النووي) وهو ينافي قوله أولًا: مطلقًا. فتح الباري (10/ 165).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «وماؤها شفاء للعين» فيه قولان:
أحدهما: أنه ماؤها حقيقة، إلا أن أرباب هذا القول اتفقوا على أنه لا يستعمل بحتًا في العين، ثم اختلفوا كيف يصنع به؟ على قولين:
أحدهما: أنه يخلط في الأدوية التي يكتحل بها...
الأطباء يقولون: أكل الكمأة يجلو البصر.
والثاني: أن تؤخذ الكمأة فتُشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها، ثم يؤخذ الْمِيلُ فيصير في ذلك الشق وهو فاتر فيكتحل بمائها، ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة، قاله إبراهيم الحربي، قال: وقال لي صالح وعبد الله ابنا أحمد بن حنبل: إنهما اشتكت أعينهما فأخذا كمأة فدقَّاها وعصراها فاكتحلا بمائها، فهاجت أعينها ورَمِدَت، وإنما الوجه ما ذكرنا.
والقول الثاني: أنه إنما أراد الماء الذي تنبت به، وهو أول مطر ينزل إلى الأرض، فيه تربى الأكحال، قاله لنا شيخنا أبو بكر ابن عبد الباقي، وقد عصر بعض الناس الكمأة فداوى به عينه فذهبت. كشف المشكل (1/ 258- 259).
وقال ابن القيم -رحمه الله- معلقًا على القول الثاني الذي ذكره ابن الجوزي:
فتكون الإضافة إضافة اقتران، لا إضافة جزء، ذكره ابن الجوزي، وهو أبعد الوجوه وأضعفها. الطب النبوي (ص: 276).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا ابن الجوزي:
قلت: وفيما ادعاه ابن الجوزي من الاتفاق على أنها لا تستعمل صرفًا نظر؛ فقد حكى عياض عن بعض أهل الطب في التداوي بماء الكمأة تفصيلًا، وهو إن كان لتبريد ما يكون بالعين من الحرارة فتستعمل مفردة، وإن كان لغير ذلك فتستعمل مركبة، وبهذا جزم ابن العربي فقال: الصحيح أنه ينفع بصورته في حال، وبإضافته في أخرى، وقد جرب ذلك فوجد صحيحًا، نعم جزم الخطابي بما قال ابن الجوزي فقال: تربى بها التوتيا وغيرها من الأكحال قال: ولا تستعمل صرفًا، فإن ذلك يؤذي العين، وقال المالقي في المفردات (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية): ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عُجن به الإثمد، واكتحل به، فإنه يقوي الجفن، ويزيد الروح الباصر حدَّةً وقوةً، ويدفع عنها النوازل...
والذي يزيل الإشكال عن هذا الاختلاف: أن الكمأة وغيرها من المخلوقات خُلقت في الأصل سليمة من المضار، ثم عرضت لها الآفات بأمور أخرى من مجاورة أو امتزاج أو غير ذلك من الأسباب التي أرادها الله تعالى، فالكمأة في الأصل نافعة؛ لِمَا اختصت به من وصفها بأنها من الله، وإنما عَرَضت لها المضار بالمجاورة، واستعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله، ويدفع الله عنه الضرر بنيته، والعكس بالعكس، والله أعلم. فتح الباري (10/ 164- 165).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وماؤها شفاء للعين» ثم إن هذا الكلام إنما كان من حيث الأسباب الظاهرة، ولكن لا يخفى أن الشفاء الحقيقي ليس إلا بيد الله -سبحانه وتعالى-، وإنما الأدوية أسباب محضة ليست تنفع بنفسها، ولا تضر بنفسها، فإن اعتقد رجل أن قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عام لكل كمأة، ولكل مرض، ولكل إنسان فاستعمل ماء الكمأة في مرض لا يراها الأطباء نافعة فيه، ونوى اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحصول الشفاء بها بقوة اعتقاده، فلا يبعد أن يجعل الله سبحانه شفاء له خاصة على الرغم مما يقوله الأطباء؛ لأنهم لا يتكلمون إلا عن الأسباب الظاهرة، وإن قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته فوق هذه الأسباب بكثير. الكوكب الوهاج (21/ 242).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
و«ماؤها شفاء للعين» يعني: أن الماء الذي يُستخرج منها إذا مرضت العين بسبب الرطوبة، فإن هذه تشفيه بإذن الله -عز وجل-؛ لأن ماءها ناشف وإن كان سائلًا ينشف العين، ويزيل عنها الرطوبات؛ ولهذا قال: «وماؤها شفاء للعين» يعني: ليس من كل مرض، بل من الأمراض التي أسبابها الرطوبة، فإنها تشفى بإذن الله -عز وجل-.
ولكن كيف يستخرج ماؤها؟
قيل: إنها تصهر على النار ثم تُعصر؛ لأنها إذا صهرت على النار لانت ثم تعصر، وقيل: إنها تقطع قطعًا صغيرة، ثم تعصر عصرًا شديدًا ، فيخرج منها الماء، ولكنه قليل. شرح رياض الصالحين (6/ 710).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: «أَخَذْتُ ثلاثة أكماء أو خمسة أو سبعة، فعصرتهن فجعلت ماءهن في قارورة وكحلتُ به جارية فبَرَأَتْ».
وما قاله أبو هريرة أصح؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «وماؤها شفاء العين» ولم يذكر أنه يخلط بشيء. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 506).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وقيل: أراد العين التي هي النظرة للشيء يُتعجب منه، ودليل ذلك قوله في رواية أخرى: «شفاء من العين».
وقيل: يريد من داء العين، فحذف المضاف، مثل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} يوسف: 82. التوضيح (27/ 432).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وفي المراد بكون مائها شفاء للعين أقوال:
الأول: أن ماءها صرفًا دون خلط، إذا عُصِرت وجُعل الماء في العين، فإنها تبرأ بإذن الله...
الثاني: كالأول مع التقييد بقوة الاعتقاد في هذا الحديث، والعمل به...
الثالث: أن ماءها صرفًا دون خلط، يضر ولا يشفي...
الرابع: أن ماءها باردًا يابسًا لا يفيد، وإنما تؤخذ فتشق، وتوضع على الجمر، حتى يغلي ماؤها، ثم يكتحل بمائها، وهو فاتر، فيشفى بإذن الله.
الخامس: أن يخلط ماؤها في الأدوية التي نكتحل بها، فيفيد بإذن الله...
السادس: أن المراد من ماء الكمأة: ماؤها الذي نبتت به، فإنه أول مطر يقع في الأرض، حكاه ابن الجوزي. قال ابن القيم: وهذا أضعف الوجوه. فتح المنعم (8/ 259).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: إيماء وإشارة إلى أنَّ الجدري مرض وعلة، والمنُّ شفاء، فكيف يستقيم الجمع؟!
(و) فيه: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان عالمًا بالطب، وخواص الأشياء.
وفيه: إرشاد إلى توفيرها (الكمأة) للمنفعة، وترك تحقيرها، باعتقاد أنَّها جدري الأرض. الأزهار مخطوط لوح (381).
وقال الدكتور مظفر الموصلي -حفظه الله-:
فوائد الحديث:
1. أنَّ الكَمأة كانت موجودة في الجزيرة العربية في زمن الرسول -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم-.
2. أنَّ الكمأة علاج، إضافة إلى كونها غذاءً. الأربعون الغذائية في السنة النبوية (ص: 125).

ولمعرفة المزيد من العلاجات النبوية ينظر:

فوائد ألبان البقر.

فوائد الحجامة والعسل والكي.


إبلاغ عن خطأ