«كنتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجاءه رجلٌ من الأنصارِ، فسلَّم على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: يا رسول الله، أيُّ المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنُهُم خُلُقًا» قال: فأيُّ المؤمنينَ أكيسُ؟ قال: «أكثرهُم للموت ذكرًا، وأحسنُهُم لما بعدَهُ استعدادًا، أولئك الأكياسُ».
رواه ابن ماجه برقم: (4259) واللفظ له، والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (7627) والبزار برقم: (6175) وأبو نعيم في الحلية (1/ 313) من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1128)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1384)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (3335).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«خُلُقًا»:
الخُلُق: الطبيعة، يقال: تخلَّق بخُلُقٍ حسن. غريب الحديث، للحربي (1/ 23).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الخُلُق- بضم اللام وسكونها-: الدِّين والطبع والسجية. النهاية (2/ 70).
«أَكْيَسُ»:
أي: أَعْقَل. الغريبين، للهروي (5/ 1660).
وقال أبو بكر الأنباري -رحمه الله-:
الكَيِّس: العاقل، والكَيْس: العقل. الزاهر(1/ 111).
«الأكياسُ»:
جمْعُ كيِّس، أي: أصحاب العقل. الفتوحات الربانية، لابن علان (1/ 75).
والكَيْسُ في الإنسان: خلاف الخَرْق؛ لأنه مجتمع الرأي والعقل، يقال: رجل كَيِّس، ورجال أكياس. مقاييس اللغة، لابن فارس (5/ 149).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «كنتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجاءه رجلٌ من الأنصارِ، فسلم على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كنت» جالسًا «مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجاءه» -صلى الله عليه وسلم- «رجل من الأنصار» ولم أرَ مَن ذكر اسمه «فسلَّم» ذلك الرجل «على النبي -صلى الله عليه وسلم-». مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 141).
قوله: «ثم قال: يا رسول الله، أيُّ المؤمنين أفضل؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» الرجل: «يا رسول الله، أيُّ» أفراد «المؤمنين أفضل» وأرفع منزلة ودرجة عند الله تعالى؟ مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 141- 142).
قوله: «قال: «أحسنُهُم خُلُقًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
فـ«قال» له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أفضل المؤمنين عند الله تعالى «أحسنهم خُلُقًا» بضمتين، أي: الذين يحسنون معاملتهم مع الله تعالى؛ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومعاملتهم مع الناس؛ بالنصيحة في أمورهم الدينية والدنيوية، والإحسان إليهم بقدر طاقتهم، فيكون هؤلاء المذكورون أفضل الناس عنده تعالى، وأكثرهم أجرًا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 142).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أحسنهم خُلُقًا» بضمتين، معنى حُسن الخلق: بَذْلُ المعروف، وكفُّ الأذى، وطلاقةُ الوجه، والتواضع. فيض القدير (1/ 174).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«أحسنهم خُلُقًا» بالضمِّ؛ لأن الله يحبُّ الخُلُق الحسن، كما ورد في السنن، فمن عُدم حسنه أو كماله أُمِر بالمجاهدة والرياضة؛ ليصير محمودًا، أو كمال الخُلق إنما ينشأ عن كمال العقل؛ إذ به يقتبس الفضائل، ويجتنب الرذائل، والعقل لسان الروح، وترجمان العقل للبصيرة، وقد طال النزاع بين القوم هل الخُلق غريزي أو مكتسب؟ والأصح أنه متبعض.
قال الإمام الرازي: من العلماء من قال: إنما يجب القول الحسن والخُلق الحسن مع المؤمنين، أما مع الكفار والفساق فلا؛ لأنه يجب لعنهم وذمهم والمحاربة معهم؛ ولقوله تعالى {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ} النساء: 148، ومنهم من ذهب إلى العموم، وهو الأقوى؛ لأن موسى وهارون مع جلالة منصبهما أُمِرَا بالرفق واللين، وتجنُّب الغِلظة. فيض القدير (2/ 49).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«أحسنهم خُلقًا» بالضم؛ لأن هذا الدِّين مبني على السخاء، وحُسن الخلق، ولا يصلح إلا بهما. فيض القدير (2/ 97)
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أحسنهم خُلقًا» ... وتقدم أنه مَلَكَةٌ تبعث النفس على أفعال حميدة، واكتساب شِيَمٍ شريفة. دليل الفالحين (3/ 105).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
والأخلاق: جمع خُلق، وهي عبارة عن أوصاف الإنسان التي بها يُعامل غيره، ويخالطه، وهي منقسمة إلى محمود ومذموم، فالمحمود منها: صفات الأنبياء والأولياء والفضلاء، كالصبر عند المكاره، والحلم عند الجفاء، وتحمُّل الأذى، والإحسان للناس، والتودد لهم، والمسارعة في حوائجهم، والرحمة والشفقة واللطف في المجادلة، والتثبت في الأمور، ومجانبة المفاسد والشرور. المفهم (6/ 116).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «أحسنهم خُلقًا» الخُلق معناه: المعاملة بالخالق والمخلوق حسبما يرضى به الخالق، وهو بهذا المعنى متضمن الشريعة بأسرها، أو معناه: معاملة المخلوق حسب رضا الخالق، وهو دال على وجود الأول أيضًا، فإن المرء يبعد أن يكون كذلك في أمور الخَلق، ويعكس الأمر في امتثال أوامره تعالى المتعلقة بخالص حقه. الكوكب الدري (2/ 256).
قوله: «فأيُّ المؤمنينَ أَكْيَسُ؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
ثم «قال» الرجل المذكور: يا رسول الله «فأيُّ» أفراد «المؤمنين أَكْيَسُ؟» أي: أَعْقَل وأَحْذَقُ وأفطن، قال السندي: قوله: «أَكْيَسُ» أي: أكمل عقلًا، وأعرف تدبيرًا، يقال: كاس يكيس كيسًا؛ من باب باع؛ والكَيْسُ: العقل. انتهى. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 142).
وقال محمد الخادمي -رحمه الله-:
«فقال: يا رسول الله، مَن أَكْيَسُ الناس؟» أكثرهم عقلًا، أي: الفَطِن، سريعُ الفهم. بريقة محمودية (2/ 126).
قوله: «قال: أكثرهُم للموت ذكرًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
فـ«قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جواب سؤال الرجل: أكيس المؤمنين وأحذقهم هم «أكثرهم للموت ذكرًا» أي: أكثر المؤمنين ذِكْرًا للموت بلسانه -بكسر الذال وسكون الكاف-، وأكثرهم ذُكْرًا للموت بقلبه -بضم الذال وسكون الكاف-. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 142).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية، والتوجه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية، ثم إن الإنسان لا ينفكُّ عن حالتَي ضيق وسعة، ونعمة ومحنة، فإن كان في حال ضيق ومحنة، فذكر الموت يسهل عليه بعض ما هو فيه؛ فإنه لا يدوم، والموت أصعب منه، أو في حال نعمة وسعة فذكر الموت يمنعه من الاغترار بها، والسكون إليها؛ لقطعه عنها...ومن نسي الموت عُوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة. التذكرة (ص: 123- 126).
وقال محمد الخادمي -رحمه الله-:
«قال: أكثرهم ذكرًا للموت» لا بقلب لاهٍ، وصدر ساهٍ، بل بفكرٍ حَرِيٍّ؛ لأنه أعظم المصائب، وأبشع الرزايا، وأشنع البلايا، فتفكر يا ابن آدم، في مصرعك، وانتقالك من موضعك، إذا نُقلت من السعة إلى الضيق، وخانك الصاحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأُخِذْتَ مِن فراشك، ونُقِلْتَ مِن مهادك، فيا جامع المال والمجتهد في البنيان، ليس لك من مالك إلا الأكفان، بل هو للخراب، وجسمك للتراب. بريقة محمودية (2/ 126).
قوله: «وأحسنُهُم لما بعدَهُ استعدادًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«و» أكيسهم أيضًا هم «أحسنهم لما بعده استعدادًا» أي: تزودًا للموت بالإكثار من العبادات والأذكار والاستغفار مع الإخلاص فيها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 142).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله (في رواية الترغيب): «أكثرهم استعدادًا للموت» الاستعداد للشيء: التهيؤ له بإحضار ما يعين عليه، قاله الكمال الدميري (له الديباجة شرح سنن ابن ماجه أغلبه ما زال مخطوطًا). فتح القريب المجيب (13/ 193- 194).
وقال محمد الخادمي -رحمه الله-:
«وأكثرهم استعدادًا للموت» بإيفاء الحقوق الواجبة عليه من الخلق، والحق استبراء الذمم منهم في كل ما ظلمهم، وتحسين السر والعلانية على وفق ما يرضى عنه الله تعالى. بريقة محمودية (2/ 126).
قوله: «أولئك الأكياسُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أولئك» الأحسنون أخلاقًا، والأكثرون استعدادًا لما بعد الموت هم «الأكياس» أي: الأَحْزَمُون الأَحْوَطُون لمصالح الدين والدنيا والآخرة، وفقنا الله وإياكم لسيرة هؤلاء الأكياس بمنِّه وكرمه -عز وجل-. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 142).
وقال محمد الخادمي -رحمه الله-:
«أولئك الأكياس»؛ لتهيئهم للموت، لا يَعْبَؤُون بقدوم الموت، ولا يحزنون، بل يُسَرُّون للوصول إلى النعيم المقيم، وللخلاص من سجن السجين، وأما الحمقى الذين لم يستعدوا فيتحسرون ويندمون، بل يهلكون. بريقة محمودية (2/ 126).
وللفائدة ينظر: