«أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: أصبحنا على فطرةِ الإسلام، وعلى كلمةِ الإخلاص، وعلى دِين نَبِيِّنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وعلى ملَّة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين».
رواه أحمد برقم: (15363) واللفظ له، والنسائي في الكبرى برقم: (10103) وفي عمل اليوم والليلة برقم: (1) من حديث عبد الرحمن بن أبزى -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4674)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2989).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«فِطرة»:
الفِطْرَةُ: الخِلْقَة. غريب الحديث، لابن قتيبة (1/ 184).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
عن أبي الهيثم أنه قال: الفِطرة: الخِلْقة التي يُخلق عليها المولود في بطن أمِّه. تهذيب اللغة (13/ 222).
«مِلَّة»:
الملَّة: الدِّين. مجمل اللغة، لابن فارس (ص: 816).
وقال البعلي -رحمه الله-:
مِلَّته: دِينه، وشريعته. المطلع على ألفاظ المقنع (ص: 152).
وقال الجرجاني -رحمه الله-:
الدِّين والملَّة: متَّحِدان بالذات، ومختلفان بالاعتبار؛ فإن الشريعة من حيث إنها تُطاع تسمَّى: دِينًا، ومن حيث إنها تُجمع تسمى: ملَّةً، ومن حيث إنها يُرجَع إليها تسمى: مذهبًا، وقيل: الفرق بين الدِّين والملة، والمذهب: أن الدِّين منسوب إلى الله تعالى، والملَّة منسوبة إلى الرسول، والمذهب منسوب إلى المجتهد. التعريفات (ص: 105، 106).
«حَنيفًا»:
الحَنَف: مَيل في صَدْرِ القدم، ورَجُلٌ أحنف، ورِجْلٌ حَنْفَاء...، ويقال: تحنَّف فلان إلى الشيء تَحَنُّفًا إذا مال إليه...، والحنيف في قولٍ: المسلم الذي يستقبل قِبلة البيت الحرام على ملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا، والقول الآخر: الحنيف كل مَن أسلم في أمر الله فلم يَلْتَوِ في شيء منه. العين، للخليل (3/ 248).
وقال ابن دريد -رحمه الله-:
الحنيف: العادل عن دِين إلى دِين، وبه سميت الحنيفية؛ لأنها مالت عن اليهودية والنصرانية. جمهرة اللغة (1/ 556).
شرح الحديث
قوله: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول إذا أَصبح وإذا أمسى»:
قال المناوي -رحمه الله-:
أي: دخل في الصباح والمساء. فيض القدير(5/ 105).
قوله: «أصبحنا على فطرة الإسلام»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فِطرة الإسلام» بكسر الفاء، أي: دِينه الحق، وقد تَرِد الفطرة بمعنى: السُّنَّة. فيض القدير (5/ 105).
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فطرة الإسلام» أي: خِلقته، قيل: الفطرة الخلقة، مِن الفَطْر كالخِلْقة من الخَلق في أنها اسم للحالة، ثم إنها جعلت اسمًا للخِلقة القابلة لدِين الحق على الخصوص، ومنه قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الروم: 30، وحديث: «كلُّ مولود يُولد على الفطرة». مرقاة المفاتيح (4/ 1675).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وفِطرة الإسلام: هي ما فَطَرَ الله عليه عبادَه من محبته وعبادته وحده لا شريك له، والاستسلام له عبودية وذلًّا، وانقيادًا وإنابة. مدارج السالكين (3/ 446).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الفِطرة: ابتداء الخِلْقة، وفِطرة الإسلام: دِين الإسلام. تحفة الذاكرين (ص: 106).
وقال الشيخ عبد الرزق البدر -حفظه الله-:
قوله: «أصبحنا على فطرة الإسلام» أي: مَنَّ الله علينا بالإصباح، ونحن على فطرة الإسلام مستمسكين بها، محافظين عليها، غير مُغيِّرين، ولا مُبَدِّلين، وقوله: «فطرة الإسلام» أي: دين الإسلام الذي فطر الله الناس عليه. فقه الأدعية والأذكار (3/ 32).
قال السيوطي -رحمه الله-:
«على فِطرة الإسلام» قال ابن عبد السلام في أماليه: "على" في مثل هذا يدل على الاستقرار والتمكن من ذلك المعنى؛ لأن الجسم إذا علا على شيءٍ تمكَّن منه، واستقر عليه، ومنه: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} البقرة: 5. عقود الزبرجد (1/ 84).
قوله: «وعلى كلمة الإخلاص»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«وعلى كلمة الإخلاص» أي: التوحيد الخالص، وهي كلمة لا إله إلا الله، وإنما سميت كلمة التوحيد كلمة الإخلاص؛ لأنها لا تكون سببًا للخلاص إلا إذا كانت مقرونة بالإخلاص، فالإضافة لأدنى ملابسة، فإنها كلمة يحصل بها الإخلاص. مرعاة المفاتيح (8/ 158).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وكلمة الإخلاص: هي شهادة أن لا إله إلا الله. مدارج السالكين (3/ 446).
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر -حفظه الله-:
قوله: «وكلمة الإخلاص» أي: وأصبحنا على كلمة الإخلاص، وهي كلمة التوحيد لا إله إلَّا الله، تلكم الكلمةُ العظيمة الجليلة التي هي أفضلُ الكلمات العظيمة، وأجلُّها على الإطلاق، بل هي رأس الدِّين وأساسُه، ورَأسُ أمره؛ لأجلها خُلقت الخليقة، وأُرْسِلَت الرُّسُل، وأنزِلت الكُتب، وبها افترق الناسُ إلى مؤمنين وكفار، وهي زُبدة دعوة المرسلين، وخلاصة رسالاتِهم، وهي أعظم نِعم الله على عباده، وفي هذا يقول سفيان بن عيينة -رحمه الله-: ما أنعم الله على عبد من العباد نعمةً أعظم من أن عرَّفهم لا إله إلَّا الله.
وكلمة لا إله إلَّا الله هي كلمةُ إخلاصٍ وتوحيد، ونبذٍ للشرك، وبراءةٍ منه ومن أهله، قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الزخرف: 26 -28.
وإذا أصبح العبدُ وهو على هذه الكلمة العظيمة لَم يُغيِّر ولَم يُبَدِّل، فقد أصبح على خير حال، ولعِظَم شأن بدء اليوم بهذه الكلمة العظيمة جاء الحثُّ على الإكثار مِن قولها مرات عديدة كلَّ صباح. فقه الأدعية والأذكار (3/ 33، 34).
قوله: «وعلى دِين نَبِيِّنَا محمد -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وعلى دين نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-» وهو أخصّ مما قبله؛ لأن مِلَل الأنبياء كلِّهم تسمَّى إسلامًا على الأشهر؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} آل عمران: 19؛ ولقول إبراهيم: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} البقرة: 131، ولوصية يعقوب لبنيه: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} البقرة: 132. مرقاة المفاتيح (4/ 1675).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ودين محمد: ما جاء به من عند الله قولًا وعملًا واعتقادًا. مدارج السالكين (3/ 446).
وقال النووي -رحمه الله-:
قلتُ: كذا وقع في كتابه (ابن السني): «ودِين نبيّنا محمد» وهو غير ممتنع، ولعلَّه -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك جهرًا ليسمعَه غيره فيتعلمه، والله أعلم. الأذكار (ص: 82).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
أقول: لا وجه لقوله: لعل؛ فإن الرواية متفرعة على السماع، وهو لا يتحقق إلا بالجهر. مرقاة المفاتيح (4/ 1675).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
«وعلى دِين نبيِّنا محمد -صلى الله عليه وسلم-» وقد استشكله بعضُهم، وله حُكْمُ نظائره، كقوله في الخطب والتشهد في الصلاة: «أشهد أن محمدًا رسول الله»؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- مكلَّف بالإيمان بأنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى خلقه، ووجوب ذلك عليه أعظم من وجوبه على المرسَل إليهم، فهو نبيٌّ إلى نفسِه وإلى الأُمَّة التي هو منهم، وهو رسولُ الله إلى نفسِه وإلى أُمَّتِه. زاد المعاد (2/ 341).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
والظاهر أنه قاله تعليمًا لغيره...، وقيل: الأظهر أنه -صلى الله عليه وسلم- أيضًا مأمور بالإيمان بنفسه، كما ورد جوابه للمؤذن عند الشهادتين بقوله: «وأنا، وأنا». مرعاة المفاتيح (8/ 158).
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر -حفظه الله-:
قوله: «وعلى دين نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-» أي: وأصبحنا على ذلكم الدِّين العظيم الذي رضيه الله لعباده دِينًا، وبعث به نبيه الكريم محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، وقال فيه سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} المائدة: 3، وقال سبحانه: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} آل عمران: 19، وقال سبحانه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} آل عمران: 85.
فهذا هو دِين النَّبِيّ الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهو الاستسلامُ لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، وإنَّ نعمة الله -جلَّ وعلا- على عبده عظيمة أن يصبح على هذا الدِّين العظيم، والصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
يقول الله تعالى مذكِّرًا عباده الذين حَبَاهم بهذه النعمة ومنَّ عليهم بها: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} الحجرات: 7، ويقول تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} النور: 21، فللَّه ما أعظَمَها مِن مِنَّة وما أجلَّها من نعمة! فقه الأدعية والأذكار (3/ 34، 35).
قوله: «وعلى مِلَّةِ أبينا إبراهيم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وعلى ملة أبينا إبراهيم» -صلى الله عليه وسلم- هو أبو العرب؛ فإنهم من نسل إسماعيل، ففيه تغليب، أو الأنبياء بمنزلة الآباء؛ ولذا قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} الأحزاب: 6، وفي قراءة شاذة: {وهو أبٌ لهم} وإنما احتيج لهذا التخصيص لقوله تعالى: {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} النحل: 123، أي: في أصول الدِّين، أو في بعض الفروع كالخِتَان، وبقية العشْرة من السنن المشهورة. مرقاة المفاتيح (4/ 1675).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فالملَّة في هذا كله هيَ: أصل الإيمان من التَّوْحِيد، والإنابة إلى الله، وإخلاص الدّين له. تحفة المودود (ص: 169).
وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا:
فملة إبراهيم: التوحيد. مدارج السالكين (3/ 446).
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر -حفظه الله-:
أي: وأصبحت على هذه الملَّة المباركة، ملَّة إبراهيم، خليل الرحمن -عليه الصلاة والسلام-، وهي الحنيفيةُ السمحة، والتمسكُ بالإسلام، والبُعد عن الشرك. فقه الأدعية والأذكار (3/ 35).
وقال المناوي -رحمه الله-:
جَمَعَ بين الحُجَّتين السابقة بحسب الملة الحنيفية، واللاحقة بحسب الملة المحمدية. التيسير (2/ 240).
وقال الحرالي -رحمه الله-:
فخَصَّ المحمدية بالدِّين، والإبراهيمية بالملَّة؛ لينتظم ابتداء الأبوة الإبراهيمية لطوائف أهل الكتاب -سابقهم ولاحقهم- ببناء ابتداء النبوة الآدمية في متقدم قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} البقرة: 30 الآية؛ لينتظم رؤوس الخطابات بعضها ببعض، وتفاصيلها بتفاصيلها. تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي (ص: 260).
قوله: «حنيفًا مسلمًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حنيفًا» أي: مائلًا عن الأديان الباطلة إلى الملَّة الثابتة العادلة، وضده الملحد، والإلحاد في اللغة: مُطلق الْمَيل، قيل: الحنيف المسلم المستقيم، وغلب هذا الوصف على إبراهيم الخليل، أو المراد به «مسلمًا» أي: منقادًا كاملًا، بحيث لا يلتفت إلى غيره تعالى حتى قال لجبريل: «أما إليك فلا»، ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «بُعِثْتُ بالحنيفية السَّمْحَة». مرقاة المفاتيح (4/ 1675).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الحنيف: للسلف فيه ثلاث عبارات، قال محمد بن كعب: مستقيمًا، وقال عطاء: مخلصًا، وقال آخرون: متَّبعًا، فهو مستقيم القلب إلى الله دون ما سواه. مجموع الفتاوى (28/ 32).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
مائلًا إلى جهة الحق. التنوير (8/ 340).
قوله: «وما كان من المشركين»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «وما كان من المشركين» من الأحوال المتداخلة، أتى بها تقريرًا وصيانة للمعنى المراد، وتحقيقًا عما يتوهم من أنه يجوز أن يكون حالًا منتقلة، فردَّ ذلك التوهم بأنه لم يزل موحِّدًا، ومثبتة؛ لأنها حال مؤكّدة. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1890).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
فيه: ردٌّ على كفار العرب في قولهم: نحن على دِين أبينا إبراهيم، وتعريض باليهود والنصارى. مرقاة المفاتيح (4/ 1675).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وتأمل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام؛ فإنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلا الله، والملة لإبراهيم؛ فإنه صاحب الملة، وهي: التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ومحبته فوق كل محبة، والدِّين للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو دينه الكامل، وشرعه التام الجامع لذلك كلِّه. جلاء الأفهام (ص: 268).
وقال الشيخ السعدي -رحمه الله-:
فهذه الفطرة الباطنة التي عمادها على الإخلاص، والإقبال بالقلب عليه (أي الله تعالى)، وتمامها بترك الشرك قليله وكثيره، وتحقيق الإنابة إليه...، هذه الفطرة الباطنة التي تُطَهِّر القلب من الشرك والشك، والشقاق والنفاق، وتُنَقِّيه من الغل والغش والحقد ومساوئ الأخلاق، وتملأ القلب علمًا ويقينًا وعرفانًا، وتوجِّهه إلى ربه إخلاصًا وطُمأنينة، وبرًّا وإيمانًا، أما الفطرة الظاهرة فقد حثَّ الشارعُ على تنقية الجسد من الأوساخ والأنجاس والأوضار، ورغَّب في حَلْق العَانة، ونتف الإبط، وحفِّ الشارب، وإعفاء اللحية، وتقليم الأظفار، وأخبر أن الطهور الشرعي -وهو إزالة الأخباث والأحداث- شطر الإيمان؛ لما في ذلك من طهارة البدن من الأوضار (جمع وَضَر وهو الدرن) والأدران، وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن النكاح والحنّاء والتطيب من سُنن المرسلين، وأن استدامة الطهور والمداومة عليه من أوصاف المؤمنين، وقال تعالى بعد ما ذكر الطهارة بالماء والتراب: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} المائدة: 6، فهذه الطهارة التي شرعها مِن أكبر نِعَمه على العباد، وبها تكفَّر الخطايا، وتُحصَّل العطايا الكثيرة يوم التناد. الفواكه الشهية في الخطب المنبرية (ص: 105، 106).
ولمعرفة المزيد من أذكار الصباح والمساء ينظر حديث رقم: (575) ورقم: (578) ورقم: (756) ورقم: (783) ورقم: (803).