«والذي نفسي بيده، لا تَذْهَبُ الدنيا حتى يمرَّ الرَّجُل على القبر فَيَتَمَرَّغ عليه، ويقول: يا ليتني كنتُ مكانَ صاحب هذا القبر، وليس به الدِّيْنُ إلا البَلَاء».
رواه مسلم برقم: (157)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه البخاري برقم: (7115)، ومسلم برقم: (157) بلفظ: «لا تقوم الساعة حتى يمُرَّ الرَّجل بقبر الرَّجل فيقول: يا ليتني مكانه».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«فَيَتَمَرَّغ»:
أي: يتقلَّب. مرقاة المفاتيح، للقاري (8/ 3432).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
والتمرُّغ: التَّقَلُّب في التراب. النهاية (4/ 320).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «والذي نفسي بيده»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والذي نفسي» وروحي «بيده» المقدَّسة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (24/ 242).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«والذي نفسي بيده» الواو معروف أنها واو القسم، «والذي نفسي بيده» هو الله -جل وعلا- مُقْسَمٌ به. شرح كتاب الصيام من تقريب الأسانيد (1/ 20).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «والذي نفسي بيده» هو قسَم بالله تعالى، أي: والذي هو مالك نفسي، أو قادر عليها. المفهم (4/ 160).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا القسَم بهذه الصيغة كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُقْسِم به كثيرًا، ومضمونه: أنني أُقسم قَسَمًا إن كنتُ غير مصيب فيه فإني أهلَكُ وأَمُوت، يعني: قوله: «والذي نفسي بيد الله» كأنه يقول: إن كنتُ كاذبًا فليأخذ الله نفسي؛ لأن النفس بيد الله -عزَّ وجلَّ-، فيكون هذا مِن أعظم القَسَم، والذي نفسي بيده، وهو الله -عز وجل-. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 286).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وفي الحلف بذلك زيادة في التأكيد؛ لأن الإنسان إذا استحضر أنَّ نفسه وهي أعز الأشياء عليه بيد الله تعالى، يتصرف فيها كيف يشاء، استشعر الخوف منه، فارتدع عن الحلف على ما لا يتحققه، ومن ثَمَّ شُرع تغليظ الإيمان بذكر الصفات الإلهية، ولا سيما صفات الجَلال. البحر المحيط الثجاج (19/ 219).
وقال المظهري -رحمه الله-:
النَّفْسُ: الروح والدم والجسد والعين، (المراد بالعين هنا: الذات، وليست العين الباصرة). المفاتيح (1/ 71).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«بيده» فيه: إثبات اليد لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، «ونفسي» معناها: روحي. وكثير من الشراح يقولون: روحي في تصرُّفه؛ فرارًا من إثبات الصفة لله -جلَّ وعلا- بالتفسير باللازم، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة من إثبات اليد لله -جلَّ وعلا-. شرح كتاب الصيام من تقريب الأسانيد (1/ 20).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «والذي نفسي بيده» فيه: إثبات صفة اليد لله -عزَّ وجلَّ-، ولازم ذلك: أن كل شيء في مُلكه وتحت تصرُّفه، فإذا فُسر مثل هذا اللفظ بأن كل شيء في مُلكه وتحت تصرفه، وكان المقصود به عدم إثبات اليد فهذا تأويل باطل، وإذا أثبتت اليد وأثبت لازمها وأثرها الذي هو أن كل شيء في يد الله، وفي قبضة الله، فإن ذلك كله يكون حقًّا، وإنما المحذور إذا لم تثبت اليد لله -عزَّ وجلَّ-، وهذا مثل قوله -عزَّ وجلَّ-: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} الملك:1، فإذا أريد به أن الْمُلك مُلكه، وكل شيء في قبضته، وكل شيء في يده -سبحانه وتعالى-، مع إثبات اليد، فإن ذلك يكون كله حقًّا. شرح سنن أبي داود (176/ 23).
قوله: «لا تذهب الدنيا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا تذهب الدنيا» أي: لا تَفرغ ولا تَنقضي. مرقاة المفاتيح (8/ 3432).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا تذهب الدنيا» ولا تفنى، ولا تقوم الساعة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (24/ 242).
قوله: «حتى يمرَّ الرَّجُلُ على القبر»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«حتى يمرَّ الرَّجل» منكم «على القبر» المدفون «فيتمرَّغ عليه». مرشد ذوي الحجا والحاجة (24/ 242).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى يمرَّ الرجلُ على القبر» المراد بهما الجنس، فهما (يعني: (أل) في الرجل، والقبر) في قوة النَّكرة، ويمكن أن يراد بهما الاستغراق. مرقاة المفاتيح (8/ 3432).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
ذكر الرجل بناء على الغالب؛ فإن الفتنة في الرجال غالبة. الكوثر الجاري (11/ 40).
وقال العراقي -رحمه الله-:
الظاهر أنَّ ذِكْرَ «الرَّجُل» في الموضعين خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، فالمرأة في ذلك كالرجل.
ويحتمل: أنه إنما يحصل هذا التمني للرجال خاصة؛ فإنهم الذين يُبتلون بالشدائد والمحن، ويَظْهَر فيهم ثمرة الفتن بخلاف النساء، فإنهن محجُوبات في الأغلب لا يَصْلَيْن نار الفتن. طرح التثريب (3/ 260).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
التعريف في لفظ «الرجل» في الحديث تعريف الاستغراق، أي: حتى يمرَّ كلُّ رجل بقبرِ كُل رجل، أي: بقبر أيّ رجل يمرُّ بقبره، فيتمنى أن يكون مكانه، أي: حتى يصير الموتُ أحبَّ إلى الناس من الحياة؛ لما يُلاقون في الحياة من الفتن والأضرار، وليس المراد حتى يمرَّ رجلٌ بقبر رجل آخر، فيتمنى أن يكون مكانه؛ لأن هذا قد يقع في كل زمان إذا عرض لبعض الناس ما يسأم منه الحياة. كشف المغطى (ص: 142).
قوله: «فَيَتَمَرَّغ عليه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فيتمرَّغ» بالغين المعجمة، أي: يتقلَّب. دليل الفالحين (8/ 644).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فيتمرغ عليه» أي: يتمعَّك على رأس القبر، ويتقلب في التراب. شرح المصابيح (5/ 542).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
يتقلب في ترابه ظهرًا وبطنًا، يقال: تمرغ الرجل إذا تقلَّب مِن وجعٍ بجسده من جنبٍ إلى جنبٍ آخر. مرشد ذوي الحجا والحاجة (24/ 242).
وقال المظهري -رحمه الله-:
ويتمنى الموت في حالٍ ليس التمرغ من عادته، وإنما حَمَل عليه البلاء. المفاتيح (5/ 396).
وقال فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
مما أصابه من الأنكاد الدنيوية؛ وذلك لاستراحة الميت من نصب الدنيا وعنائها. تطريز رياض الصالحين (ص: 1035).
قوله: «ويقول: يا ليتني كنتُ مكانَ صاحب هذا القبر»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ويقول» مع تقلُّبه على تراب القبر «يا» هؤلاء «ليتني..». مرشد ذوي الحجا والحاجة (24/ 242).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«يا» فيه: للتنبيه، وقيل: للنداء، والمنادى محذوف، أي: يا قوم، ليتني؛ وذلك لاستراحة الميت من نصب الدنيا وعنائها. دليل الفالحين (8/ 645).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«يا ليتني مكانه» أي: كنت ميتًا. فتح الباري (13/ 75).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«يا ليتني مكانه» يعني: يا ليتني كنت ميتًا؛ حتى لا أرى الفتن. شرح المصابيح (5/ 513).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فيقول: يا ليتني مكانه» أي: ميتًا؛ حتى أنجو من الكرب، ولا أرى مِن المحن والفتن وتبديل وتغيير رسوم الشريعة ما أرى، فيكون أعظم المصائب الأماني، وهذا إن لم يكن وقع فهو واقع لا محالة، وقد قال ابن مسعود: «سيأتي عليكم زمانٌ لو وجد أحدُكم الموت يُبَاع لاشتراه» وعليه قوله:
وهذا العيش ما لا خير فيه *** ألا موت يُبَاع فأشتريه. فيض القدير (6/ 418).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«يا ليتني مكانه» أي: يا ليتني كنت ميتًا؛ لكثرة الفتن، وخوف ذهاب الدِّين؛ لغلبة الباطل، وظهور المعاصي والمنكرات. الكواكب الدراري (24/ 181).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
أو لما يقع لبعضهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه، وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدِينه. إرشاد الساري (10/ 201).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
يحتمل: أن يكون لِمَا يرى من تغيير الشريعة، وتبديل الدِّين، أو لِمَا يرى من البلاء والمحن والفتن، كما نصه الحديث الآخر.
وكما قال في الحديث الآخر: «لا يدري القاتل في أي شيء قتل؟ ولا المقتول على أي شيء قتل؟» وعلى الوجهين فقد كان ما أخبر به -صلى الله عليه وسلم- وظهر، وكذلك في كثير من الإشراك والأمور والفتن التي أخبر بها في هذه الأحاديث ورتب عيانًا. إكمال المعلم (8/ 451).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والسبب في ذلك (يعني: التمني للموت): ما ذكر في رواية أبي حازم أنه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء، فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده، وبهذا جزم القرطبي، وذكره عياض احتمالًا. فتح الباري (13/ 75).
وقال القنازعي -رحمه الله-:
معناه: أن الحي يتمنى الموت من شدة الحال، وتغيير أهل ذلك الزمان، فيتمنى الرجل الصالح عند ذلك الموت؛ طمعًا منه في الراحة مما يراه فلا يقدر على تغييره. تفسير الموطأ (1/ 307).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
فإذا خشي الإنسانُ على دِينه ساغ له أن يتمنى الموت، وطلب الحياة وطول الأمل إنما يرجى لزيادة العمل، فإذا لم تكن زيادة العمل ممكنة فلا مانع من تمني هذا الموت. شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري (6/ 29).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ورد النهي عن تمني الموت.
قلتُ: أجابوا بأن ذلك في أمر الدنيا، وأما عند الخوف على الدِّين فلا خلاف عندهم في جوازه، كما نُقل عن عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز وغيرهما.
وهذا الجواب ليس بمرضي؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس به الدِّين إلا البلاء» رواه مسلم، فالصحيح في الجواب: أن هذا ليس فيه تمني الموت، بل تمني أن لو كان الرجل الميت الذي مات قبل ظهور البلاء. الكوثر الجاري (11/ 40-41).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قد ظنَّ بعض الناس أن هذا الحديث معارِضٌ لنهيه -صلى الله عليه وسلم- عن تمني الموت، بقوله -عليه السلام-: «لا يتمنين أحدكم الموت؛ لضُرٍّ نزل به» قال: وفي هذا الحديث إباحة تمني الموت، وليس كما ظن، وإنما هذا خبرٌ أن ذلك سيكون لشدة ما ينزل بالناس من فساد الحال في الدِّين وضعفه، وخوف ذهابه، لا لضرٍّ ينزل بالمؤمن في جسمه، وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانك» فإنما هو خبر عن تغير الزمان، وما يحدث فيه من المحن والبلاء والفتن، وقد أدركنا ذلك الزمان كما شاء الواحد المنان لا شريك له، عصمنا الله ووفقنا، وغفر لنا، آمين. التمهيد (18/ 146).
قوله: «وليس به الدِّيْنُ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«وليس به» الواو للحال. شرح المصابيح (5/ 542).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«ليس» منصوب في موضع الحال من الضمير في «يتمرغ». المفاتيح (5/ 396).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وليس به الدِّين» بكسر الدال. مرقاة المفاتيح (8/ 3432).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«ليس به الدين» أي: معه، أو سلب الدِّين. الأزهار مخطوط لوح (446).
وقال السندي -رحمه الله-:
«وليس به الدِّين» أي: ليس الداعي له على هذا الفعل. كفاية الحاجة (2/ 494).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «وليس به الدين إلا البلاء» أي: لم يُبْقِ له الدِّين والعادة إلا المحنة والابتلاء، فالمستثنى منقطع، فلذلك تمنى الموت. لمعات التنقيح (8/ 659-660).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وليس به الدِّين» أي: ليس سبب تمنِّيْهِ الموتُ لأمر ديني عليه، أو اختلال «ما به إلا البلاء». دليل الفالحين (8/ 644).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«الدِّين» ها هنا: العادة. المفاتيح (5/ 396).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا المظهري:
أغْرَبَ بعض شراح المصابيح فقال: المراد بـ«الدِّين» هنا العادة، والمعنى: أنه يتمرغ على القبر، ويتمنى الموت في حالة ليس المتمرغ فيها من عادته، وإنما الحامل عليه البلاء، وتعقَّبه الطيبي. فتح الباري (13/ 75).
وقال الطيبي -رحمه الله- متعقبًا المظهري:
ويجوز أن يُحمل «الدِّين» على حقيقته، أي: ليس ذلك التمرغ والتمني لأمر أصابه من جهة الدِّين، لكن من جهة الدنيا، فيقيَّد «البلاء» المطلق بالدنيا بواسطة القرينة السابقة. الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3439).
قوله: «إلا البلاء»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«إلا البلاء» أي: يتمرغ ويتمنى الموت في حالةٍ ليس التمرغ من عادته، وإنما حَمَلَه عليه شدة البلاء، وكثرة الفتن والمحن. شرح المصابيح (5/ 542).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ما به إلا البلاء» أي: ما سببه إلا تَتَابع المحن والأوصاب الدنيوية. دليل الفالحين (8/ 644).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إلا البلاء» أي: إلا البلاء، والمصيبة في الدنيا، يعني: أنه لا يتمنى الموت؛ لحفظ دِيْنِه -بكسر الدال-، وإنما يتمنى الموت لبلاء أصابه في دنياه، وهذا في مَعْرض الذم، والمراد: أن الناس يتمنون الموت؛ لضرر دنيوي أصابهم، مع أنه منهي عنه في الشرع. مرشد ذوي الحجا والحاجة (24/ 242).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
هذا إنما يكون لظهور الفتن، وتغير الأديان، فيخاف المؤمن على نفسه فيتمنى الموت. كشف المشكل (3/ 421).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
يعني: مِن شدة المحن، وكثرة الفتن، والأنكاد اللاحقة للإنسان في نفسه وماله وولده؛ ولذلك قال: «ليس به الدِّين إلا البلاء». المفهم (7/ 245).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
ذلك لما يرى من عظيم البلاء، وربح الأعداء، وغُبْنِ الأولياء، ورئاسة الجهلاء، وخمول العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم والجهر بالمعاصي، واستيلاء الحرام على أموال الخلق، والتحكم في الأبدان والأموال والأعراض بغير حق، كما في هذا الزمان. التذكرة (ص: 1228).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
ومعنى الحديث: أنه لا يتمنى الموت تديُّنًا وتقربًا إلى الله، وحبًّا في لقائه، وإنما لما نزل به من البلاء والمحن في أمور دنياه، ففيه إشارة إلى جواز تمني الموت تدينًا، ولا ينافيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍّ نزل به...»؛ لأنه خاص بما إذا كان التمني لأمر دنيوي كما هو ظاهر. السلسلة الصحيحة (2/ 121).
وقال الباجي -رحمه الله-:
هذا إخبار منه -صلى الله عليه وسلم- أن بين يدي الساعة أمورًا يتمنى الناس معها الموت، وأنه يَغْبِطُ الحيُّ صاحبَ القبر، ويود لو أنه مكانه؛ وذلك يكون إما لفتنٍ لا يأمن المؤمن أمرها، فيتمنى الموت للنجاة منها، وإما لشدة من الزمان، وفتن من الدنيا، يهلك من شاهدها فيتمنى الموت؛ لأنه أيسر منها، وليس في هذا الحديث إطلاق تمني الموت مع أن تمني الموت خوف الفتنة غير محظور، وإنما الذي ورد الشرع بمنعه تمني الموت لضرر ينزل بالإنسان. المنتقى شرح الموطأ (2/ 33-34).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: «وليس به الدِّين، إنما هو البلاء» فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه: إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدِّين لكان محمودًا، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدِّين عن جماعة من السلف.
قال النووي: لا كراهة في ذلك، بل فعله خلائق من السلف، منهم عمر بن الخطاب، وعيسى الغفاري، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم. فتح الباري (13/ 75).
وقال العراقي -رحمه الله-:
يحتمل: أن يكون سبب هذا التمني ما يرى من البلاء والمحن والشدائد والفتن، فيرى الموت الذي هو أعظم المصائب أهون مما هو فيه، فيتمنى المصيبة الهيِّنة في اعتقاده.
ويحتمل: أن يكون سببه ما يرى من تغيير الشريعة، وتبديل الدين، فيتمنى الموت لسلامة دِينه، وقد ذكر الاحتمالين القاضي عياض.
والثاني منهما مردود؛ لقوله في الرواية الأخرى: «وليس به الدِّين إلا البلاء» أي: لا يحمله على ذلك أمر الدِّين، وإنما يحمله عليه البلاء، وقد جزم ابن عبد البر بهذا الاحتمال المردود، فقال: ظنَّ بعض الناس (وذكر بنحو ما سبق)، وقد عرفت أن رواية مسلم من طريق أبي حازم ترده.
فإن قلتَ: إذا لم يكن كذلك فما الجمع بينه وبين النهي عن تمني الموت؟ قلت: لا معارضة بينهما حتى يحتاج إلى جمع؛ لأن هذا الحديث إخبار عن شدةٍ تحْصُل ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه الحكم على هذا التمني بشيء لا بتحريم ولا كراهة، ولا إباحة، فالحديث إنما سيق للإخبار عما سيقع، وأما حكم التمني فمأخوذ من حديث آخر، وجزم أبو العباس القرطبي بالاحتمال الأول الراجح .طرح التثريب (3/ 259-260).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وكأنَّ هذا إشارة إلى أن كثرة الفتن والمشقَّات والأنكاد قد أذهبت الدِّين من أكثر الناس، أو قلَّلت الاعتناء به من الذي يتمسك بالدين عند هجوم الفتن؛ ولذلك عظم قدر العبادة في حالة الفتن، حتى قد قال -صلى الله عليه وسلم-: «العبادة في الهَرْج كهجرة إليَّ». المفهم (7/ 245).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
لا حجة فيه على تمني الموت، وإنما هو إخبار عما يقع، والنهي عن تمني الموت صريح، فلا يتمنى الموت، ولا يَدْعُ به. الحلل الإبريزية (4/ 402).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قد يُفهم من الحديث: أن هذا التمني لا يَعْرِض للإنسان إلا عند رؤية القبر؛ وذلك قد يدل على خفة هذا التمني، وعدم تأكده، فلو تأكد لاستحضره من غير رؤية القبر.
ويحتمل: أن يقال: هذا أبلغ؛ لأن الإنسان قد يتمنى الموت من غير استحضار لهيئته وصورته، فإذا استحضره وتصوره، وشاهد الموتى، ورأى القبور نَفَرَ من هذا الأمر، وأحب الحياة، ولم يعُد يتمنى الموت؛ ولما كان الرجل مستمرًا على تمني الموت مع ذلك دل على تأكد هذا الأمر وقوَّته عنده؛ إذ لم يصرفه عنه ما شاهد من وحشة القبور، وفي تلك الرواية التي عند مسلم مبالغة في ذلك الأمر، وهو أنه يتمرغ على القبر؛ وذلك يدل على تأكد تمنِّيه، وشدة تعلقه به، والله أعلم. طرح التثريب (3/ 260-261).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
وقد أخرج الحاكم من طريق أبي سلمة، قال: عدت أبا هريرة، فقلت: "اللهم اشف أبا هريرة، فقال: اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فمُتْ، والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمانٌ الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، وليأتين أحدهم قبر أخيه فيقول: ليتني مكانه"، وفي كتاب الفتن من رواية عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: "يوشك أن تمرَّ الجنازة في السوق على الجماعة فيراها الرجل، فيهز رأسه، فيقول: يا ليتني مكان هذا، قلت: يا أبا ذر، إن ذلك لَمِنْ أمر عظيم؟ قال: أجل". فتح الباري (13/75- 76).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
تغبيط أهل القبور، وتمني الموت عند ظهور الفتن، إنما هو خوف ذهاب الدِّين؛ لغلبة الباطل وأهله، وظهور المعاصي والمنكر.
وروى ابن المبارك عن سعيد بن عبد العزيز، عن ابن عبد ربه أن أبا الدرداء كان إذا جاءه موت الرجل على الحال الصالحة قال: هنيئًا له، ليتني بدله، فقالت له أم الدرداء: لمَ تقول هذا؟ فقال: إن الرجل ليصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا، قالت: وكيف؟ قال: يُسلب إيمانه وهو لا يشعر، فلأنا أغبط لهذا بالموت أغبط من هذا في الصوم والصلاة.
وقد روي عن النعمان بن بشير، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع فيها أقوام دينهم بِعَرَضٍ من الدنيا يسير».
ومن حديث الحسن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «بينَ يدي الساعة فتنٌ يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه»، وعن ابن مسعود قال: «سيأتي عليكم زمان لو وجد فيه أحدكم الموت يباع لاشتراه، وسيأتي عليكم زمان يغبط فيه الرجل بخِفَّة الحاذِ (الحاذ والحال واحد، أي: خفيف الظهر من العيال) كما يُغْبَطُ فيه بكثرة المال والولد».
وأما من لم يخف فساد دِينه وذهاب إيمانه فلا يتمنى الموت ذلك الزمان؛ لمشابهته بأهله، وحرصه فيما دخلوا فيه، بل ذلك وقت يسود فيه أهل الباطل، ويعلو فيه سفلة الناس ورذالتهم، ويسعد بالدنيا لُكَعُ بن لكع. شرح صحيح البخاري (10/ 58-59).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: إنذار بشدةٍ تشتدُّ على المسلمين حتى يفزع منها الناس إلى الموت، ويتمنونه، فأما سفهاؤهم فللضجر من البلاء، وأما ذوو الأحلام فللخوف من الفتنة في الدِّين. الإفصاح (6/ 295).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: أن من أشراط الساعة التي لا بد من وقوعها مرور الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وهذا إن لم يكن قد وقع فهو واقع لا محالة، وليس يلزم أن يكون في كل البلدان، ولا في كل الأزمنة، ولا لجميع الناس، بل يصدُق هذا بأن يتفق لبعضهم في بعض الأقطار، وقد ذكر ابن عبد البر، والقاضي عياض أن ذلك قد وقع. طرح التثريب (3/ 259).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وفيه: تمني الموت عند فساد الدِّين، وقد دعا به عمر -رضي الله عنه- حيث قال: اللهم كَبُرَ سِني، وضعفت قُوَّتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط، وقال عمر بن عبد العزيز لبعض من كان يخلو معه: ادع لي بالموت. التوضيح (32/ 392).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان أن مِن أشراط الساعة التي لا بد من وقوعها: مرور الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه.
ومنها: أنه يحتمل أن يكون سبب هذا التمني ما يرى من البلاء والمحن، والشدائد والفتن، فيرى الموتَ الذي هو أعظم المصائب أهون مما هو فيه، فيتمنى المصيبة الهينة في اعتقاده.
ويحتمل: أن يكون سببه ما يرى من تغيير الشريعة، وتبديل الدِّين، فيتمنى الموت لسلامة دِينه. البحر المحيط الثجاج (44/ 391).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: بيان بلاء آخر الزمان، والزجر والمنع عن تمني الموت لغير الدِّين. الأزهار مخطوط لوح (446).
وللفائدة ينظر: