الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

كانت ناقةٌ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- تُسمى: العَضْبَاءَ، وكانت لا تُسبَق، فجاء أعرابيٌّ على قَعُودٍ له، فسبَقَها، فاشتدَّ ذلك على المسلمين، وقالوا: سُبِقت العضباءُ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن حقًّا على الله ألا يَرفعَ شيئًا مِن الدنيا إلا وضَعَه».


رواه البخاري برقم: (6501)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له برقم: (2872): «فَشَقَّ ذلك على المسلمين حتَّى عَرَفَهُ...»


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«العَضباء»:
ناقة عَضْباء، أي: مشقوقة الأذن، ويقال: هي التي في أَحد أُذُنَيْها شَقٌّ. العين، للخليل (1/ 283).

«قَعُود»:
القَعُود مِن الإبل: ما أُعدَّ للركوب خاصة. كشف المشكل، لابن الجوزي (3/ 285).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
رَأَيْتُ العربَ تجْعَل ‌الْقعُود البَكرَ من حينَ يُركَبُ، أَي: يُمكن ظهرَه من الرّكُوب، وأقرب ذلك أَن يستكمل سنتَيْن إلى أن يُثْنى، فإذا أثنَى سمِّي جملًا، والبكْر والبَكْرة بمنزلة الغلام والجارية اللَّذين لم يُدركا، ولا تكون البكرةُ قَعودًا، وقال ابن الأعرابي فيما أخبرني المنذريّ عن ثَعْلَب عنهُ: البَكر قَعودٌ مثل القَلوص فِي ‌النُّوقِ إلى أن يثْنى. تهذيب اللغة (1/ 34).


شرح الحديث


قوله: «كانت ناقةٌ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- تُسمى: العَضْبَاء»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«العَضْباء» بفتح المهملة، وسكون المعجمة، وبالمد: الناقة المشقوقة الأُذن، وأما ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم تكن مشقوقة، لكنه صار لقبًا لها. الكواكب الدراري (23/ 21).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
لم تكن مشقوقة الأذن، وقال بعضهم: إنها كانت مشقوقة الأُذن، والأول أكثر. النهاية (3/ 251).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
كانت ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم- العضباء وهي غير القصواء التي حجّ عليها، هذه ناقة أخرى، وكان من هدي الرسول -عليه الصلاة والسلام- أنه يُسمي دوابه وسلاحه، وما أشبه ذلك. شرح رياض الصالحين (3/ 533).

قوله: «وكانت لا تُسبَق»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وكانت لا تُسبق» بصيغة المجهول، أي: لا تسبق عنها إبل قط. مرقاة المفاتيح (6/ 2502).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لا تُسبق» قال حميد: «أو لا تكاد تُسبق» شكٌّ منه، وهو موصول بالإسناد المذكور، وفي بقية الروايات بغير شك. فتح الباري (6/ 74).

قوله: «فجاء أعرابيٌّ على قَعُود له فسبَقَها»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فجاء أعرابي فسبقها» في رواية ابن المبارك وغيره عن حميد عند أبي نعيم: «فسَابَقَها فسبقها» وفي رواية شعبة: «سَابَق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعرابي» ولم أقف على اسم هذا الأعرابي بعد التتبع الشديد.
قوله: «على قَعود» بفتح القاف: ما استحق الركوب من الإبل، قال الجوهري: هو البَكْر حتى يُركب، وأقل ذلك: أن يكون ابن سنتين، إلى أن يدخل السادسة فيُسمَّى جملًا، وقال الأزهري: لا يقال إلا للذكَرِ، ولا يقال للأنثى: قَعودة، وإنما يقال لها: قلوص، قال: وقد حكى الكسائي في النوادر قَعودة للقَلوص، وكلام الأكثر على خلافه، وقال الخليل: القَعودة مِن الإبل: ما يقعده الراعي لحمل متاعه، والهاء فيه للمبالغة. فتح الباري (6/ 74).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«القَعود من الإبل» الذَّلول الذي يُقعَد. تحفة الأبرار (2/ 603).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«القَعود» بفتح القاف، وهو البَكر من الإبل حين يمكِّن ظهرَه من الركوب، وأدنى ذلك سنتان. الكواكب الدراري (23/ 21).

قوله: «فاشتدَّ ذلك على المسلمين، وقالوا: سُبِقت العضباء»:
قال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «فاشتدَّ ذلك على المسلمين» أي: ساءهم ذلك، وتفجَّروا في أنفسهم، وهو معنى قوله -صلى الله عليه وسلّم-: «فقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان...» إلخ، أي: أنَّ الشيطانَ يَسُوؤه وجود فقيهٍ واحدٍ، وليس معنى شدّته عليه غلبته عليه، كما زُعِمَ. فيض الباري (6/ 270).

قوله: «فَشَقَّ ذلك على المسلمين حتَّى عَرَفَهُ...»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «حتى عرفه» أي: عرف أثر المشقة، وفي رواية المصنف (البخاري) في الرقاق: «فلما رأى ما في وجوههم، وقالوا: سُبقت العضباء...» الحديث. فتح الباري (6/ 74).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وللبخاري زيادة ولفظه: «فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه» يعني: النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في وجوههم. شرح سنن أبي داود (18/ 473).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فَشَقَّ على المسلمين» وفي رواية البخاريّ: «فشقّ ذلك على المسلمين، حتى عَرَفَهُ» أي: حتى عرف النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أثر المشقّة ظهرَ على وجوههم، «فلمَّا رأى ما في وجوهِهِم» أي: مِن أثر مشقّة سبقِه لها «قالوا: يا رسولَ اللَّه» هكذا في رواية المصنّف (النسائي) «قالوا» بدون عاطف، وعليه فيكون جواب «لما» مرتّبًا على محذوف، تقديره: وسألهم عن سببه، أي: فلما رأى النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ما في وجوههم، وسألهم عن سببه قالوا: «يا رسول اللَّه...» إلخ، وفي رواية للبخاري في الرقاق: «وقالوا» بواو العطف، وعليه فيكون معطوفًا على جملة: «فلما رأى...» إلخ، ويكون جواب «لما» قوله: «إن حقًّا...» إلخ، وفي رواية شعبة الآتية بعد باب: «فكأن أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وجدوا في أنفسهم من ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: حقّ...». ذخيرة العقبى (30/ 34).

قوله: «فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن حقًّا على الله»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فقال» النبيُّ مِن حسن خلقه؛ إذهابًا لذلك الغضب مِن نفوسهم: إن هذا السبق لهذه مِن جنس ما جرت به الأقضية الإلهية مِن ضَعة المرتفع من الدنيا فيها كائنًا ما كان. دليل الفالحين (5/ 62).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«إنَّ حقًّا على الله» بتشديد النون. إرشاد الساري (9/ 289).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«حقٌّ» (في رواية أخرى للبخاري) أي: واجب «على الله» تعالى؛ لقضائه به على ذاته. دليل الفالحين (5/ 62).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال: حقٌّ على اللَّه» هو من باب التفضل والإحسان، فإنَّ اللَّه لا يجب عليه شيء. شرح سنن أبي داود (18/ 474).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إن حقًّا على الله تعالى» أي: مما جرت به العادة الإلهية غالبًا. التيسير (1/ 318).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«إنَّ حقًّا على الله ألا يرتفع شيءٌ من أمر الدنيا إلا وضعه» أي: أن عدم الارتفاع حقٌّ على الله تعالى. فيض القدير (2/ 447).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن حقًّا على الله» أي: ثابت في حِكمته وقدَره. التنوير (3/ 611).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وجاء في الحديث الأول: «حقٌّ على الله» أي: جرت عادته غالبًا، وفي الحديث الثاني: «إن حقًّا على الله تعالى» أي: أمرًا ثابتًا عليه، وهذا يعني أن الله -عز وجل- قد قضى بهذا، وأنَّ هذا كائن وحاصل. شرح سنن أبي داود (546/ 20).
وقال السندي -رحمه الله-:
«إن حقًّا على الله» في إعرابه إشكال عند الناس؛ من حيث إنه يلزم أن يكون اسم إن نكرة، وخبرها (أن) مع الفعل، وهو في حكم المعرفة، بل مِن أتم المعارف حتى يجعل مسندًا إليه، مع كون الخبر معرفة نحو قوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا} آل عمران: 147، بنصب {قَوْلَهُمْ} على الخبرية، ورفع {أَنْ قَالُوا} محلًّا على أنه اسم كان، وقد أجيب بالقلب، ولا يخفى بُعده، ولعل الأقرب من ذلك: أن يجعل «على الله» خبرًا، وحقًّا حالًا من ضميره، فليتأمل. حاشيته على سنن النسائي (6/ 227).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
هذا الكلام ناقصٌ، والظاهر أن فيه سقطًا، والأصل: ولعل الأقرب أن يُجعَلَ «ألا يترفع» اسم «إن» و«على اللَّه» خبرًا، و«حقًّا» حال من ضميره.
ويحتمل أن يكون من باب الابتداء بالنكرة الموصوفة، على حدّ قول ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في الخلاصة (الألفية):
وَرَجُلٌ مِن الْكِرَامِ عِنْدَنَا.
فقوله: «حقّا» اسم «إنَّ» و«على اللَّه» جار ومجرور متعلّق بصفة لـ«حقًا»، وقوله: «ألا يرتفع» هو الخبر، واللَّه تعالى أعلم. ذخيرة العقبى (30/ 34).

قوله: «ألا يَرفع شيئًا مِن الدنيا إلا وضَعَه»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ألا يرتفع شيء من الدنيا» وفي رواية موسى بن إسماعيل: «ألا يرفع شيئًا» وكذا للمصنف (البخاري) في الرقاق، وكذا قال النفيلي عن زهير عند أبي داود، وفي رواية شعبة عند النسائي: «ألا يَرفع شيءٌ نفسَه في الدنيا». فتح الباري (6/ 74).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ألَّا يرتفع شيء من الدنيا» مِن مالٍ أو جاهٍ أو غير ذلك من زهرات الدنيا، وما ينظر إليه منها «إلا وضعه». دليل الفالحين (5/ 62).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ولم يقل في هذا الحديث: ما رفع الله شيئًا إلا وضعه؛ لأن ما رفعه الله فلا واضع له في الدنيا، ولا في الآخرة. الإفصاح (5/ 309).
وقال السندي -رحمه الله-:
«ألا يرتفع» أي: برفع الناس إياه، وفي نسخة: «ألا يُرفع» على بناء المفعول، والمراد رفع الناس، وأما ما رفعه الله فلا واضع له. حاشيته على سنن النسائي (6/ 227).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معقبًا:
هذا الذي قاله السنديّ يردّه ما في رواية موسى بن إسماعيل عند البخاريّ بلفظ: «ألا يَرفع شيئًا» فالصواب أن ما رفعه اللَّه مِن أمور الدنيا لا بدّ له أن يَتَّضع، ويدلّ لذلك قوله: «مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ إِلاَّ وَضَعَهُ» فالذي يتضع بعد رفعه إنما هو ما كان من أمور الدنيا، وأما ما كان من أمور الآخرة فلا يزداد إلا رفعة. ذخيرة العقبى (30/ 34).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ألا يرفع شيئًا من أَمر الدنيا» احتراز عن الرفعة بالأمور الدينية، فإنها لا تزداد إلا رفعة، «إلا وضعه» وتقدم بلفظ: «إن الناس لا يرفعون شيئًا إلا وضعه الله» وذلك أن هذه الدار دار انقلاب، لا يَرتفع فيها شيءٌ إلا وضعه الله. التنوير (3/ 611).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إلا وضعه» فيه: أنَّ الدنيا لا تستمر على حال، وأنَّ البقاء السرمدي في الآخرة، فلا بد في الدنيا من علو وتعظيم واشتغال وإهانة، وعز وذل، وغناء وفقر، وصحة وسقم، إلى غير ذلك مما هو مشاهد. شرح سنن أبي داود (18/ 474).
وقال ابن رسلان -رحمه الله- أيضًا:
«إلا وضعه» في زمن آخر، فالعاقل ينبغي له ألا يركن إلى شيء، ولا يرتفع به على غيره، فإنَّ جميع ما في الدنيا كظل زائل، وإلى الفناء آيل؛ ولهذا لم يعده الفقهاء من أقسام الكفاءة.
وفي الحديث: تنبيهٌ على ترك الفخر بما هو عند اللَّه في منزلة الضعة، فحق على العاقل ترك الترفع به. شرح سنن أبي داود (18/ 474).
وقال عبد الله الروقي -حفظه الله-:
«ألا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه» هذه الرواية محل نظر عند أهل العلم، فقال: «لا يرتفع» أي: بنفسه، أما ما رفعه الله فإنَّه لا يضعه. ولكن قال شيخنا (ابن باز): هذه الرواية مقيدة بقوله: «من الدنيا» فلا إشكال. الحلل الإبريزية (4/ 255).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله في الحديث: «حق على الله...» أن الله -عز وجل- قضى أن أمور الدنيا لا بد فيها من النزول بعد الرفعة، وكما هو معلوم أن هذا هو شأن الدنيا، وهذه هي أحوال الإنسان نفسه، فإنه يرتفع ويكون في قوة وشباب، ونشاط ثم يبدأ بالهبوط والنزول حتى يهرم ويضعف، فهو قبل كان ضعيفًا، ثم صار قويًّا، ثم يحصل له ضعف. شرح سنن أبي داود (546/ 20).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فكل ارتفاع يكون في الدنيا فإنه لا بد أن يؤول إلى انخفاض، فإنْ صحب هذا الارتفاع ارتفاع في النفوس، وعلو في النفوس، فإن الوضع إليه أسرع؛ لأن الوضع يكون عقوبة، وأما إذا لم يصحبه شيء، فإنه لا بد أن يرجع...، فما من شيء ارتفع من الدنيا إلا وضعه الله -عزّ وجلّ-، وفي قوله -عليه الصلاة والسلام-: «من الدنيا» دليلٌ على أن ما ارتفع من أمور الآخرة، فإنه لا يضعه الله، فقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} المجادلة: 11، هؤلاء لا يضعهم الله -عزّ وجلّ- ما داموا على وصف العلم والإيمان، فإنه لا يمكن أن يضعهم الله؛ بل يرفع لهم الذكر، ويرفع درجاتهم في الآخرة، والله الموفق. شرح رياض الصالحين (3/ 533-534).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
وما كان قصد به مِن الدنيا التقرّب إلى الله تعالى فليس منها، إنما هو فيها، فلا يدخل تحت هذا الخبر، بل لا يزال مرفوعًا دُنيا وأخرى.
وفيه: تواضعه؛ إذ سابق أعرابيًّا. دليل الفالحين (5/ 62).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
في حديث أنس: بيان مكان الدنيا عند الله من الهوان والضَّعَة، ألا ترى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن حقًّا على الله ألَّا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه» فنبّه بذلك أمَّتَه -صلى الله عليه وسلم- على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا، وأن ما كان عند الله في منزلة الضعة فحقٌّ على كل ذي عقل الزهد فيه، وقلة المنافسة في طلَبه، وترك الترفع والغبطة بنَيلِه؛ لأن المتاعَ به قليل، والحسابَ عليه طويل. شرح صحيح البخاري (10/ 212).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه تعظيم العلماء والأئمة، وطلب الغلبة، والنصرة لهم، والتحزن عند انتقاص منزلتهم. شرح سنن أبي داود (18/ 473).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: جواز السَّبق في الخُفِّ كجوازه في الحافِر.
وفيه: أن ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العَضْباء لما سَبقت الإبلَ قُدِّر لها بعيرٌ سَبَقها؛ ليكون اعتماد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل شيء على الله وحده؛ حتى لا يعتمد على جري فرسٍ، ولا سبقِ بعيرٍ، ولا غير ذلك مما قد يَقوى به المخلوقون على مآربهم؛ ليكون الله تعالى هو كافيه وحده.
وفيه أيضًا: دليل على أن كل شيء يرتفع من الدنيا فإن حقًّا على الله أن يضعه. الإفصاح (5/ 309).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي الحديث: اتخاذ الإبل للركوب، والمسابقة عليها.
وفيه: التزهيد في الدنيا؛ للإشارة إلى أن كل شيء منها لا يرتفع إلا اتَّضَع.
وفيه: الحث على التواضع.
وفيه: حسن خُلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وتواضعه وعظمته في صدور أصحابه. فتح الباري (6/ 74).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: أنَّ المسابقة على الدواب سُنة، وقيل: مباح، والمذهب (الشافعي) سنة؛ لأن لفظ رواية البخاري: «كان للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ناقة يقال لها: العضباء، لا تُسبق، ولا تكاد تُسبق» الحديث ذكره في الجهاد، وهذا يُشعر بالاستمرار دون ما فعله مرة للإباحة.
وفيه: اقتناء السوابق من الخيل والدواب، والاعتناء بالسوابق في السفر وغيره؛ لأن فيه فوائد كثيرة بخلاف غيرها.
وفيه: جواز سبق المفضول للفاضل، وأنه ليس فيه كراهة، ولا سوء أدب.
وفيه: جواز مسابقة الأمير لآحاد الناس. شرح سنن أبي داود (18/ 473).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: ما كان عليه الصحابة -رضي اللَّه عنهم- من محبّة النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وعظمته في صدورهم؛ بحيث إنهم لا يحبّون أن تُسبق ناقته، ويشُقّ ذلك عليهم؛ لأن ذلك يجعل نفس السابق متعاليًا عليه، ولا سيّما وهو أعرابيٌّ.
ومنها: ما كان عليه الأعراب من الجفاء، والبُعد عن التأدب في حضرته -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ إذ الصحابة -رضي اللَّه عنهم- كانوا لا يتجاسرون في التقدّم بين يدي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لا بدّوابّهم، ولا بأرجلهم، ولا بأقوالهم، إلا بإذن منه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ عملًا بقول -سبحانه وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الحجرات: 1 الآية.
ومنها: ما كان عليه النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من حُسن الخلق والتواضع.
ومنها: التزهيد في الدنيا؛ والإشارة إلى أن كلّ شيء منها لا يرتفع إلا اتّضع. ذخيرة العقبى (30/ 35).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: بيان أنَّ الزائد على الحاجة ليس من الآخرة، بل من الدنيا، فما يرفع من الدُّنيا يذل ويسقط. الأزهار مخطوط لوح (355).

وللفائدة ينظر:

فضل الذكر والعلم وسط ذم الدنيا.

مثَل الدنيا في مآل طعام ابن آدم.


إبلاغ عن خطأ