«للشهيد عند الله ستُّ خِصَال: يُغْفَر له في أول دَفْعَة، ويَرَى مَقْعَدَهُ من الجنة، ويُجَارُ من عذاب القبر، ويَأْمَنُ من الفَزع الأكبر، ويُوْضَع على رأسه تاج الوَقَار الياقُوتَة منها خير من الدُّنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحُور العين، ويُشَفَّعُ في سبعين مِن أقاربه».
رواه أحمد برقم: (17182)، والترمذي برقم: (1663) واللفظ له، وابن ماجه برقم: (2799)، من حديث المقدام بن معدي كَرِب -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5182)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1375).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«تَاج»:
التَّاجُ: هو ما يُصاغُ للملوك من الذهب والجوهر. النهاية، لابن الأثير (1/ 199).
«الوَقَار»:
الحِلْم والرَّزَانة، وَقَرَ يقر وقارًا. مجمع بحار الأنوار (5/ 93).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«تاج الوَقَار» أي: تاج العزِّ والتَّعظيم. شرح المصابيح (4/ 333).
«الياقُوتَة»:
الياقُوت: من الجواهر، مُعَرَّب (أي: أصله أعجمي) أَجْوَدُهُ الأحمر. القاموس المحيط، للفيروز آبادي (ص: 163).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
الياقوت: جنس من الجواهر، وهو ثلاثة أنواع: أحمر، وأصفر، وأسود. شمس العلوم (11/ 7371).
شرح الحديث
قوله: «للشهيد عند الله ستُّ خصال»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«للشهيد عند الله سِتِّ خصال» لا يوجد مجموعها لأحد غيره. مرقاة المفاتيح (6/ 2482).
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ستُّ خصال» المذكورات سبع، إلا أن يجعل الإجارة والأمن من الفزع واحدة. كفاية الحاجة (2/ 184).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«للشهيد عند الله» تعالى «ست خصال» وأمور بفضله ومنِّه ببركة الشهادة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (16/ 272).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«ست خصال» أي: ست كرامات.
في حصر الخصال الست:
الأولى: يُغفر ويُرى، وإلا فتكون سبعًا، والثانية: يُجار، والثالثة: يأمن، والرابعة: يُوضع، والخامسة: يتزوج، والسادسة: يُشفَّع. الأزهار مخطوط لوح (353).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «للشهيد عند الله ستُّ خصال» والمذكور ها هنا سبعة، ولا ضير فيه؛ إذ المفهوم لا يُعتبر به، أو يُجعل اثنان منها واحدة؛ لما بينهما من الملازمة، كالأمن من عذاب القبر، والفزع الأكبر، أو يقال: إنَّ التشفيع في سبعين من الأقارب معطوف على قوله: «ست خصال» لا على قوله: «يغفر»؛ حتى يلزم إدخاله في الست، ومما يؤيد ذلك أنَّ الشفيع ليس مما هو متعلق بذاته، كسائر الخصال المذكورة، فإن منفعتها عائدة إلى نفس ذاته، والحاصل بالشفاعة، وقبول الشفاعة عائد إلى أقاربه، نعم يظهر له بذلك كرامة عند الله، وبالجملة فبينها وبين الأخير فرق، فلا يبعد إخراجه من الست، والله أعلم. الكوكب الدري (2/ 433-434).
قوله: «يُغْفَر له في أول دُفْعَة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يُغفر له» بصيغة المجهول، أي: تُمْحَى ذُنوبه. مرقاة المفاتيح (6/ 2482).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أنه «يغفر» الله -عزَّ وجلَّ- «له» أي: للشهيد «في أول دفعة» وقطرة «مِن دَمه». مرشد ذوي الحجا والحاجة (16/ 272).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«في أول دُفْعَة» بالضم، ثم السكون، أي: في أول قطرة من الدم. شرح المصابيح (4/ 332).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «في أول دُفعة» قال الدميري (في الديباجة شرح سنن ابن ماجه): ضبطناه في جامع الترمذي بضم الدال، وكذلك قال أهل اللغة: الدُّفعة بالضم ما دُفع من إناء أو سقاء فانصب بمرة، وكذلك الدفعة من المطر وغيره مثل الدّفْقة بالقاف، يقال: جاء القوم دُفعة واحدة -بالضم-، إذا دخلوا مرة واحدة، وأما الدَّفْعة بالفتح فهي المرة الواحدة من الدَّفع، الإزالة بقوة، فلا يصلح ها هنا. كفاية الحاجة (2/ 184).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
الرواية في الحديث على الوجهين، وبالضم أظهر. لمعات التنقيح (6/ 571).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
أما المغفرة له في أول دَفْعَةٍ أو دُفْعَةٍ يعني: ساعةَ يُقْتَل. عارضة الأحوذي (7/ 139).
قوله: «وَيَرَى مقعده من الجنة»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ويُرَى مقعده من الجنة» بضم الياء مضارع مجهول مِن (رأى) إذا أبصر، فنَقله إلى باب أفعل ليُعَدَّى إلى مفعولين، أحد المفعولين: ذاك الرجل، وهو أقيم مقام الفاعل، والمفعول الثاني «مقعده» يعني: عند زهوق روح الشهيد يرى مقعده من الجنة. المفاتيح (4/ 356).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «مقعده» بالنصب لا غير على أنه مفعول ثانٍ، والمفعول الأول نائب الفاعل، أو على أنه مفعول به، وفاعله مُسْتَكِنٌّ في «يُرى». مرقاة المفاتيح (6/ 2482).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
أي: يرى مكانه في الجنة عند انزهاق روحه، وكأنه عدَّهما واحدًا؛ لأن الثاني من تتمة الأول، وإلا تصير سبعة. لمعات التنقيح (6/ 571).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«مقعده»... أي: مقرَّه ومنزله «من الجنة» أي: يريه الله ويُطْلِعه على منزله في الجنة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (16/ 272).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ويرى مقعده» الظاهر: أن المراد أنه يرى قبل الموت. حاشيته على مسند الإمام أحمد (16/ 248).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «ويرى مقعده» صح أنه يصل إلى الجنة، يُعَلَّق منه (يناله نصيب منها)، ويأكل ويشرب. عارضة الأحوذي (7/ 139).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ينبغي أن يحمل قوله: «ويرى مقعده» على أنه عطف تفسير لقوله: «يغفر له»؛ لئلا تزيد الخصال على ست؛ لئلا يلزم التكرار في قوله: «ويجار من عذاب القبر». مرقاة المفاتيح (6/ 2482).
قوله: «وَيُجَارُ من عذاب القبر»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «ويجار من عذاب القبر» أي: يُحفظ ويُؤَمَّن؛ إذ الإجارة مندرجة في المغفرة، إذا حُملت على ظاهرها. مرقاة المفاتيح (6/ 2482).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ويجار» أي: يُحفَظُ ويُؤَمَّن، مِن أَجَارَهُ: أَنْقَذَهُ وأعاذه، ومنه قوله تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} التوبة: 6. لمعات التنقيح (6/ 571).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يجار» ويؤمَّن «من عذاب القبر» وضغطته، مِن الإجارة، وهي الأمان والسلامة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (16/ 272).
قوله: «وَيَأْمَنُ من الفزع الأكبر»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يأمن» وينجو «من الفزع الأكبر» والهول الأعظم، والشدائد الأفخم في عرصات القيامة، وهما خصلتان يُعَدَّان واحدة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (16/ 272).
وقال الشيخ أحمد حطيبة -حفظه الله-:
«ويأمن الفزع الأكبر» فيفزع الخلق والشهيد لا يفزع. شرح رياض الصالحين (88/ 12).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ويأمن من الفزع الأكبر» وهو النفخة الأولى، فسر بها الزمخشري والبيضاوي، قوله تعالى: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} الأنبياء: 103. لمعات التنقيح (6/ 571).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قيل: هي النفخة الأخيرة؛ لقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} النمل: 87.
وعن الحسن (البصري): الانصراف إلى النار.
وعن الضحاك: حين يُطْبَقُ على النار. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2650).
وقال المظهري -رحمه الله-:
(و) قيل: «الفزع الأكبر» الوقت الذي يؤمر أهلُ النار بدخول النار.
وقيل: الوقت الذي يُذْبَحُ الموت، فييأس الكفار عن التخلص من النار بالموت.
وقيل: الوقت الذي أُطْبِقَت النار على الكفار، فييأسوا عن الخروج منها. المفاتيح (4/ 356).
قوله: «ويُوْضَع على رأسه تاجُ الوَقَار»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ويوضع على رأسه تاج الوقار» التاج: الإكليل، و«الوَقَار» بفتح الواو: الرزانة، أي: تاجٌ هو سبب العزة والعظمة. لمعات التنقيح (6/ 571).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ويوضع على رأسه تاج الوَقار» أي: الْمَعَزَّة، وفي النهاية (لابن الأثير): التاج ما يصاغ للملوك من الذهب والجواهر. مرقاة المفاتيح (6/ 2482).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الإضافة (أي: «تاج الوقار») إذا كانت بمعنى "مِن" لا يكون التاج مما يُتعارف بين الناس، وإذا كانت بمعنى اللام كان التاج هو المتعارف بينهم، ويؤيد الثاني قوله: «الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها». الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2650).
قوله: «الياقُوتَة منها خير من الدنيا وما فيها»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الياقوتة منها» أي: من التاج، والتأنيث باعتبار أنه علامة العز والشرف، أو باعتبار أنه مجموع من الجواهر وغيرها. مرقاة المفاتيح (6/ 2482-2483).
قوله: «ويُزَوَّجُ اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ويُزوَّج» أي: يُعطى بطريق الزوجية «اثنتين وسبعين زوجة» في التقييد بالثنتين والسبعين إشارة إلى أن المراد به التحديد، لا التكثير، ويُحمل على أن هذا أقل ما يُعطى، ولا مانع من التفضل بالزيادة عليها. مرقاة المفاتيح (6/ 2483).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مِن الحُور العِين» أي: نساء الجنة، واحدتها حَوْرَاء، وهي الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها، و«الِعِيْن» جمع عَيْنَاء وهي الواسعة العِين. مرقاة المفاتيح (6/ 2483).
قوله: «وَيُشَفَّعُ في سبعين من أقاربه»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ويُشفَّع» بضم الياء، وتشديد الفاء، أي: تُقبل شفاعته. المفاتيح (4/ 356).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ويُشَفَّع» بتشديد الفاء، أي: يُقبل شفاعته «في سبعين من أقربائه» أي: أقاربه وأحبابه. مرقاة المفاتيح (6/ 2483).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ويُشَفَّع في سبعين» أي: من ذويه وقراباته.
يحتمل: أنه على حقيقته، والحكمة مجهولة، ويحتمل: أنه أُريد به التكثير كما نبهنا عليه مرارًا. التنوير (6/ 558).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذه الفضائل إنما تُكتب لشهيدِ المعركة، بدليل قوله: «يُغفر له في أول دفعة»، يعني: مِن دمه، فنال هذه الخصال الست بسبب ما أُرِيْقَ من دمه في سبيل الله، فلا ينال هذه الخصال غيره، وإن نال أجر الشهادة الأصلي. شرح رياض الصالحين (ص: 116).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قال ابن الزملكاني: للشهيد الكامل المقتول في سبيل الله شرائط وخصائص: فمِن شروطه أن يُقاتل مخلصًا، ومعنى الإخلاص: أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا دليل على أن العمل إنما يكون بالنية الصالحة فيما يعتبر، وإذا لم تصح النية فلا أثر له، وهو دليل على أن الفضل الذي ورد في الجهاد وما أعد الله للمجاهدين مختصٌّ بمن قاتَل لتكون كلمة الله هي العليا، فمن قاتَل لغير ذلك فليس في سبيل الله، ويدل له ما في خبر آخر: «ما من كُلْمٍ يُكْلَم في سبيل الله، والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله» معناه: ليس كلُّ من يُكْلَم في معركة كان كُلْمُه في سبيل الله، ولا يتعلق في ذلك بظاهر الحال، بل الله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله، فإن ذلك مقرون بالإخلاص، والله أعلم به، فإنه من أفعال القلوب.
ومن شرائطها الشهادة الكاملة: أن يُقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبِر، فذلك هو السعيد الكامل. فيض القدير (4/ 183).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
- مقام الشهداء وأرواحهم في طيرٍ خضرٍ بالجنة.
- ثواب المرابط يجري عليه بعد موته إلى يوم القيامة.