السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«ما من مسلمٍ ‌يُقرِضُ ‌مسلمًا ‌قَرْضًا مرَّتين إلا كان كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً»


رواه ابن ماجه برقم: (2430) وأبو يعلى برقم: (5030)، من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
ورواه البيهقي في الكبرى برقم: (11056) وفي شُعب برقم: (3282) بلفظ: «من أقرضَ ورِقًا مرتين كان ‌كعدلِ ‌صدقةٍ ‌مرةً».
ورواه ابن حبان برقم: (5040) بلفظ: «مَن أقرضَ اللَّهَ مرَّتيْنِ كان له مِثْلُ أَجْرِ أحدِهِما لو تَصَدَّقَ به».
صحيح الجامع برقم: (5769 ، 6080)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (901).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌يُقْرِضُ»:
القَرْضُ: ‌ما ‌تُعطيه ‌غيرك ‌من ‌المال لتُقضاه، والجمع قُرُوض...، وهو اسم مِن أَقْرَضْتُه المال إقراضًا، واسْتَقْرَضَ طَلَبَ القَرْضَ، واقْتَرَضَ أَخَذه. المصباح المنير، للفيومي (2/ 498).
وقال الفتوحي -رحمه الله-:
القَرْضُ شرعًا: دَفْعُ مالٍ حال كون الدفع إرفاقًا لمن ينتفع به، أي: بالمال، ويردُّ بَدَلَه. معونة أولي النهى (5/ 216).

«وَرِقًا»:
‌‌الوَرِق: الفضَّةُ، وهو أيضًا اسم الدراهم المضروبة. التعريفات الفقهية، للبركتي (ص: 237).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«‌وَرِقًا» بفتح فكسر: فضة. فيض القدير (6/ 81).


شرح الحديث


قوله: «ما من مسلمٍ ‌يُقرِضُ ‌مسلمًا ‌قرضًا مرتين إلا كان كصدقتها مرةً»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ما من مسلم» ولا مسلمة؛ لأنهن شقائق الرجال، «يُقْرِضُ» ويُسْلِفُ «مسلمًا» محتاجًا إلى القرض أو مسلمة لما مرَّ آنفًا «قرضًا» دراهم أو غيرها «مرتين» فأكثر «إلا كان» قَرْضُها له تلك الدراهم «كصدقتها» أي: مثل صدقتها عليه «مرَّة» أخرى في الأجر والثواب. مرشد ذوي الحجا والحاجة (14/ 173).
وقال المجددي -رحمه الله-:
قوله: «إلا كان كَصَدَقَتِهَا مرَّة» ظاهر هذا الحديث مُنافٍ للحديث الآتي: «إنَّ الصَّدقة بعشرة أمثالها، والقَرْضُ بثمانية عشر»؛ فإنَّ فيه ازدياد ثواب القرض على الصَّدقة في أول الوهلة، فلعلَّ هذا باختلاف نيَّات الأشخاص، واعتبار التسامح في الاقتضاء وغيره، أو يحمل على أنَّ العدد لا مفهوم له فيه، أو كثرة الثَّواب، ولكن يردُّهُ قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «ما بالُ القَرْض أفضل من الصَّدقة؟» أو الثَّاني يُحمل على الحاجة، والأول على غيرها. إنجاح الحاجة، مخطوط، لوح (339).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
(فإنْ) قال قائل: قد رويتَ لنا فيما تقدَّم من كتابك هذا حديث بريدة أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن أَنْظَرَ مُعْسِرًا فله بكل يوم صدقة، ومن أَنْظَرَ مُعسرًا فله بكل يوم مثله صدقة»، وأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سُئل عن ذلك، فقال: «له قبل حُلُوله في كل يوم صدقة، فإذا حلَّ فَأَنْظَرَه به كان له في كل يوم مثله صدقة»، أفيكون حديث ابن مسعود هذا مخالفًا لحديث بُريدة هذا؟
فكان جوابنا له في ذلك -بتوفيق الله عز وجل وعونه-: أنَّه غير مخالف له؛ لأن حديث ابن مسعود هو في الثواب على نفس القَرْضِ، وحديث بريدة هو على الثواب بالقرض من بعد القرض في الإنظار به، بعد ما يكون للمقْرِض على المستقرض بإقراضه إياه ماله، وبعد وجوبه دَين له عليه، والله نسأله التوفيق. شرح مشكل الآثار (10/ 22-23).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
القَرْضُ: وهو نوع من السَّلَف، وهو جائز بالسنة والإجماع، أما السنة فروى أبو رافع «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استسلف من رجل بَكْرًا (أي قعودًا من الإبل)، فقَدِمَتْ على النبي -صلى الله ليه وسلم- إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَهُ، فرجع إليه أبو رافع، فقال: يا رسول الله لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال: «أَعْطِهِ؛ فإنَّ خير الناس أَحْسَنُهُم قضاء» رواه مسلم، وعن ابن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما مِن مُسلم ‌يُقْرِضُ ‌مسلمًا ‌قرضًا مرتين إلا كان كصدقة مَرَّة»... وأجمع المسلمون على جواز القرض...
وهو من الْمَرَافِقِ المندوب إليها في حق الْمُقْرِض؛ لما روينا من الأحاديث؛ ولما رُوي عن أبي الدرداء أنه قال: «لَأَنْ أُقْرِضَ دِينارين ثم يُرَدَّان، ثم أُقْرِضهما أحب إليَّ من أن أتصدق بهما»؛ ولأن فيه تفريجًا عن أخيه المسلم، وقضاء لحاجته، فكان مندوبًا إليه كالصدقة وليس بواجب.
قال أحمد: لا إثم على مَن سُئل فلم يُقْرِض؛ وذلك لأنه من المعروف، أشبه صدقةَ التطوع، وهو مباح للمُقترض، وليس مكروهًا.
قال أحمد: ليس القَرض من المسألة، يريد أنه لا يُكره؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستقرض، وقد ذكرنا حديث أبي رافع، ولو كان مكروهًا كان أبعد الناس منه، قال ابن أبي موسى (محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي أبو علي): لا أحب أن يتحمل بأمانته ما ليس عنده، يريد ما لا يقدر على وفائه. ومن أراد أن يستقرض فلْيُعْلِم الْمُقرض بحاله، ولا يغره من نفسه إلا الشيء اليسير الذي لا يتعذر مثله.
وقال أحمد: إذا اقترض لغيره ولم يُعْلِمْهُ بحاله لم يعجبني، وقال: ما أُحِبُّ أن يقترض بجاهه لإخوانه، قال القاضي (أبو يعلى): (يعني) إذا كان من يقترض له غيره معروف بالوفاء؛ لكونه تغريرًا بمال المقرض، وإضرارًا به، وأما إذا كان معروفًا بالوفاء لم يُكره؛ لكونه إعانة له، وتفريجًا لكربته. الشرح الكبير (4/ 352- 353).

قوله (في رواية): «من أقرضَ وَرِقًا مرتين، كان ‌كعدلِ ‌صدقةٍ ‌مرةً»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«مرتين كان عدل صدقة مرة» وفي رواية لابن حبان في صحيحه: «مَن أقرض مسلمًا درهمًا مرتين، كان له كأجر صدقة مرَّة» -وهذا الحديث تقدم ما يعارضه في حرف الدال-، ومرَّ الجمع بحمل هذا على أن الصدقة أفضل من حيث الانتهاء، والقرض أفضل من حيث الابتداء؛ لما فيه مِن صَوْنِ وجهِ مَن لم يَعْتَدِ السؤال. فيض القدير (6/ 81).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مَن أقرض وَرِقًا» مثلًا وإلا فغيرها مثلها «مرتين كان» الإقراض «‌كعدل ‌صدقة ‌مرة»، وقد مرَّ أن القرض أفضل من الصدقة فهذا يعارضه، والجواب: أن الصدقة أفضل باعتبار الانتهاء، والقرض باعتبار الابتداء.
قلت: ويحتمل أنه -صلى الله عليه وسلم- أخبر أولًا بما أعلمه الله، ثم أعلمه ثانيًا بالأجر. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 134).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«مرتين كان ‌كعدل ‌صدقة ‌مرة» فيه: أن الصدقة أفضل من القرض. السراج المنير شرح الجامع الصغير (4/ 274).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
ثواب القَرض عظيم؛ لأن فيه توسعة على المسلم، وتفريجًا عنه...، عن ابن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من مسلم يُقْرِضُ مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقتها مرة». الجامع لأحكام القرآن (3/ 241).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
في حديث الباب: دليل على أنَّ قرض الشيء مرتين يقوم مقام التصدُّق به مرة. نيل الأوطار (5/ 272).
وقال أبو البركات ابن تيمية -رحمه الله-:
الحديث في إسناده سليمان بن بشير، وهو متروك، قال الدارقطني: والصواب: أنَّه موقوف على ابن مسعود. نيل الأوطار (5/ 272).

وللفائدة ينظر:

فضل إنظار المعسر والتجاوز عنه يوم الحساب.

التيسير على الناس سبب لتجاوز الله عن العبد.


إبلاغ عن خطأ