الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

قال لي رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أُعَلِّمُكِ كلماتٍ تقولينهن عندَ الكربِ -أو في الكربِ-؟ اللهُ اللهُ ربي، لا أُشركُ به شيئًا».


رواه أحمد برقم: (27082)، وأبو داود برقم: (1525) واللفظ له، والنسائي في الكبرى برقم: (10408)
وابن ماجه برقم: (3882)، من حديث أسماء بنت عُمَيْس -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (2623)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1824).


غريب الحديث


«الكَرْب»:
هو: الغمُّ الذي يأخذ بالنَّفْس، يقال: كَرَبه أمرٌ، وإنه لمكروب ُالنَّفْس، والكُربة: الاسم. العين، للخليل (5/ 360).
وقال الواحدي -رحمه الله-:
الكَرْبُ: أشدُّ الغمِّ. الوجيز (ص: 358).


شرح الحديث


قوله: «قال لي رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أُعَلِّمُكِ كلماتٍ تقولينهن عندَ الكربِ -أو في الكربِ-؟»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«الكَرْب» بفتح الكاف، وهو الذي يشق على الآدميّ، وأصله الغمُّ الذي يأخذ النَّفْس. شرح سنن أبي داود (7/ 339).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ألا أعلِّمكِ» بكسر الكاف خطابًا لمؤنث بخط المصنِّف (السيوطي)، «كلماتٍ» عبَّر بصيغة جمع القِلَّة إيذانًا بأنَّها قليلة اللفظ، فيسهل حفظها، ونكَّرها تنويهًا بعظيم خطرها، ورِفْعَةِ محلّها، فتنوينها للتعظيم، «تقوليهن عند ‌الكرب» بفتحٍ فسكون: ما يَدْهم المرءَ مما يأخذ بنَفْسِه فيُحزنه ويَغُمُّه. فيض القدير (3/ 111).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«عند ‌الكرب» أي: نزول الشدة والمحنة، يعني: إذا قلتيهن فرَّج ‌الله عنكِ ما نزل بكِ. المنهل العذب (8/ 187).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«أو» للشك من الراوي «في» حالة «الكرب». بذل المجهود (6/ 261).

قوله: «اللهُ اللهُ ربي»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«‌اللهُ ‌اللهُ ربي» بالرفع فيها للتأكيد. شرح سنن أبي داود (7/ 339).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«‌اللهُ ‌اللهُ ربي» برفعهما، والتكرير للتأكيد. فيض القدير (3/ 111).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «‌اللهُ ‌اللهُ» بالرفع فيهما على أنَّ الأول مبتدأ، والثاني تأكيد، وخبر الأول قوله: «ربي»، وقيل: الخبر قوله: «لا ‌أشرك به»، و«ربي» عطف بيان على الاسم، ووقع في النسخ الأصلية من (الحصن) الحصين بالسكون فيهما على الوقف، أو على سبيل التعداد، واعترض في الحرز (الثمين للقاري) الوجه الأخير بأنَّ التعداد يتطلب المغايرة حقيقة، كزيدٍ عمرو، أو مقدّرة كقولهم: باب باب، والذي في كثير من الأصول المعتمدة أنه بالرفع فيهما، وبه يُعلم أنَّ قول الحنفي (ميرك شاه الشيرازي في حاشيته على الحصن): "الرواية فيه بالسكون" وقع من غير تحرير. الفتوحات الربانية (4/ 10).
وقال السندي -رحمه الله-:
«‌اللهُ ‌اللهُ» الأول مبتدأ، والثاني تأكيد له، و«ربي» خبر. كفاية الحاجة (2/ 445).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وتلك الكلمات قُولي: «اللهُ» مبتدأ «‌اللهُ» توكيد لفظي، «ربي» خبر أول. مرشد ذوي الحجا والحاجة (23/ 131).
وقال الشيخ مجدي الأحمد -حفظه الله-:
قوله: «‌اللهُ ‌اللهُ» تأكيد لفظي؛ وهو مناداة حذف منه حرف النداء (يا) في اللفظين، وتقدير الكلام: يا ‌الله، يا ‌الله.
ولا دليل في هذا الحديث على جواز إفراد اسم ‌الله تعالى في الذكر؛ كقولهم: ‌الله ‌الله ‌الله ‌الله... وهكذا، بدون طلب من المنادى.
وأما الحديث فإنَّ سياقه يدلُّ على أنَّ الذي يدعو مصاب بكرب؛ فيكون تقديره: يا ‌الله يا ‌الله فرِّج عني ما بي من ‌الكرب، فأنت ربي، ولا ‌أشرك بك شيئًا. شرح حصن المسلم (ص: 216).

قوله: «لا أُشركُ به شيئًا»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«لا أشرك به» أي: بعبادته «شيئًا» يحتمل أنْ يُراد: ولا أشرك بسؤاله أحدًا غيره، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} الجن: 20، وهذا الحديث من أدعية الكرب، فينبغي الاعتناء به، والإكثار منه عند الكرب والأمور العظيمة، وينبغي أنْ يضاف إليه الحديث الذي ذكره البخاري في التوحيد، ومسلم في الدعاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم»، وينبغي إذا أتى بذكر حديث الباب يكرره ثلاث مرات؛ لأن الطبراني أخرجه في كتاب الدعاء بلفظ: «فليقل: الله ربي ولا أشرك به شيئًا» (ثلاث مرات)، وزاد: وكان ذلك آخر كلام عمر بن عبد العزيز عند الموت. شرح سنن أبي داود (7/ 339).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لا ‌أشرك به» أي: بعبادته، أي: فيها «شيئًا» مِن الخَلْق برياءٍ، أو طلبِ أجر لمن يسرُّه أنْ يطّلع على عمله، فالمراد الشرك الخفي، أو المراد: لا ‌أشرك بسؤاله أحدًا غيره. فيض القدير (3/ 111).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«‌لا ‌أشرك به شيئًا» وتقدم أنها تقال ثلاث مرات؛ وذلك أنَّ الكروب تَرِد على النفوس مِن آثار الذنوب، وأدران الشهوات، فإذا جُلِّيت بكلمة التوحيد مع الإخلاص، والإقرار بالإلهية، ونفي الشريك؛ غَسلت تلك الأوساخ، وأذهبتْ تلك الكروب، وأنارت القلب. التنوير (4/ 370).
وقال السندي -رحمه الله-:
وجملة: «لا أشرك» خبر بعد خبر، ومعنى: «لا أشرك به» أي: في العبادة، أو إثبات الألوهية. كفاية الحاجة (2/ 445).
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر -حفظه الله-:
«اللهُ اللهُ ربِّي، لا أُشركُ به شيئًا» وهي كلمةُ إخلاص وتوحيد...، والمعنى: أنَّ إلَهي الذي أعبدُه وأخصُّه بجميع أنواع العبادة من خوف ورجاء وذلٍّ وخضوع وخشوع وانكسار وغير ذلك، هو ربِّي الذي ربَّانِي بنعمته، وأوجدنِي من العدَم، وتفضَّل عليَّ بصنوف العطايا والمنَن.
وقوله: «لا أُشركُ به شيئًا» أي: لا أتَّخذ معه شريكًا في العبادة كائنًا مَن كان، فقوله: «شيئًا» نكرَةٌ في سياق النفي تفيدُ العموم.
وعلى كلٍّ فهذه الكلمة العظيمة اشتملت على تحقيق التوحيد برُكنَيْه النفي والإثبات؛ نفيُ العبودية عن كلِّ مَن سوى الله، وإثباتها له وحده. التبيين لدعوات المرضى والمصابين (ص: 40-41)
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وفي رواية: أنها تقال سبع مرات. زاد المعاد (4/ 283).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
لكن الحديث ثبت عن أسماء بنت عميس مختصرًا، وفيه القول عند ‌الكرب:
«‌الله، ‌الله ربي، لا ‌أشرك به شيئًا» وفي رواية أنها تقال سبعًا، ولكنها ضعيفة. انظر: "الكلم الطيب". السلسلة الضعيفة والموضوعة (6/ 237).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هذا الحديث فيه ثناء على ‌الله -عز وجل-، وتعظيم له عند ‌الكرب، فكون المسلم يدعو بهذا الدعاء فهو يريد التخلص من الشيء الذي يُهمُّه، مثل ما مرَّ في أنَّ مَن دعا ‌الله بلفظ الجلالة فقد دعا باسم ‌الله الأعظم، فيكون ذلك من أسباب القبول. شرح سنن أبي داود (182/ 9).
وقال الطبراني -رحمه الله-:
عن أسماء بنت عميس -رضي الله عنها- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جمع بني عبد المطلب فقال لهم: «إنْ نزل بأحد منكم همٌّ أو غم أو كرب أو سقم أو لَأْوَاء أو بلاء فليقل: الله ربي لا أشرك به شيئًا، ثلاث مرات» قال: ‌وكان ‌ذلك ‌آخر ‌كلام ‌عمر ‌بن ‌عبد ‌العزيز عند الموت. الدعاء (ص: 312).
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر -حفظه الله-:
في الحديث: دليلٌ على أنَّ التوحيدَ هو المفزَع في الكَرب، وأعظمُ أسباب زوال الهموم، وذهاب الغُمُوم. التبيين لدعوات المرضى والمصابين (ص: 41).

ولمعرفة المزيد من الأدعية النبوية عند الشدائد والهموم ينظر حديث رقم: (724ورقم: (163) ورقم: (1428).


إبلاغ عن خطأ