«كَسْرُ عظم الميت كَكَسْرِهِ وهو حيٌّ».
رواه أحمد برقم: (25356) واللفظ له، وأبو داود برقم: (3207) وابن ماجه برقم: (1616) وابن حبان برقم: (3167)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وزاد ابن ماجه برقم: (1617) عن أمِّ سلَمةَ: «في الإثمِ».
صحيح الجامع برقم: (4478)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (3567).
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «كَسْرُ عَظْمِ الميت»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«كسرُ» مبتدأ، وخبره «كَكَسْرِهِ». فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 593).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«كسر عظم الميت» المسلم المحترم. التيسير (2/ 206).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«كسر عظم الميت» أي: في الإثم. بذل المجهود (10/ 497).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كسر عظم الميت» وكذلك جَرْحُه وضَرْبُه ونحوهما. التنوير (8/ 136).
قوله: «كَكَسْرِهِ وهو حيٌّ»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا كلام عام يراد به الخصوص؛ لإجماعهم على أن كسر عظم الميت لا دية فيه ولا قَوَد، فعَلِمْنَا أن المعنى: ككسره حيًّا في الإثم، لا في القَوَدِ ولا الدية؛ لإجماع العلماء على ما ذكرت لك. التمهيد (8/ 243).
وقال الباجي -رحمه الله-:
«ككسره وهو حي» يريد أن له مِن الحُرمة في حال موته مثل ما له منها حال حياته، وأنَّ كسر عظامه في حال موته يَحْرُم كما يحرم كسرها حال حياته. المنتقى (2/ 30).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: كما أن كسر عضو رَجُل حيٍّ فيه إثم، فكذلك كسر عظم الميت فيه إثم؛ لأنه استخفاف وإذلال، ولا يجوز إذلال الإنسان لا في الحياة ولا في الممات. المفاتيح (2/ 453، 454).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فاحترام الميت في قبره بمنزلة احترامه في داره التي كان يسكنها في الدنيا؛ فإنَّ القبر قد صار داره، وقد تقدم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كسر عظم الميت ككسره حيًّا» فدل على أن احترامه في قبره كاحترامه في داره. تهذيب سنن أبي داود (2/ 385).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
هذا إشارة إلى أن الميت يتألم، أو إلى أنه لا يُهانَ ميتًا، كما لا يهانَ حيًّا. شرح المصابيح (2/ 373).
وقال العيني -رحمه الله-:
المعنى: أن حُرمة بني آدم سواء في الحالتين، فكما لا يجور كسر عظم الحي فكذلك كسر عظم الميت، وذكر صاحب الخلاصة (خلاصة الفتاوى لطاهر بن أحمد البخاري الحنفي): ولا تُكسر عظام اليهود إذا وُجدت في قبورهم، فعُلم من هذا أن عظم الميت له حرمة، سواء كان مسلمًا أو كافرًا. شرح سنن أبي داود (6/ 158).
وقال المغربي -رحمه الله-:
فيه: دلالة على وجوب احترام الميت كما يُحترم الحي. البدر التمام (4/ 226).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
لأن حرمته باقية بعد موته، فعِرْضُه وجسمه محترم. التنوير (4/ 34).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
واعلم أن كسر عظم الميت ككسره حيًّا، كما جاء ذلك عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، فالميت محترم لا يجوز أن يؤخذ من أعضائه شيء، ولا أن يُكسر من أعضائه شيء؛ لأنه أمانة، وسوف يُبعث بكامله يوم القيامة، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن تأخذ منه شيئًا؛ ولهذا نص فقهاء الحنابلة -رحمهم الله- على أنه لا يجوز أن يُؤخذ من الميت شيء من أعضائه ولو أوصى به؛ وذلك لأن الميت محترم، كما أن الحي محترم، كسر عظم الميت ككسره حيًّا، فإنْ أخذنا من الميت عضوًا، أو كسرنا منه عظمًا، كان ذلك جناية عليه، وكان اعتداء عليه، وكنا آثمين بذلك، والميت نفسه لا يستطيع أن يتبرع بشيء من أعضائه؛ لأن أعضاءه أمانة عنده، أمانة لا يحل له أن يفرط فيها؛ ولهذا قال الله -تعالى-: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} النساء: 29. شرح رياض الصالحين (2/ 117، 118).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
أي: أنه محترم حيًّا وميتًا، فلا يجوز أن يُستهان به في حال موته، كما أنه لا يستهان به في حال حياته، وهذا المنع من كسر العظم هو بالنسبة للمسلم، وأما عظم الكافر فلا بأس بكسره؛ لأن الكافر ليس له احترام، فمآله إلى النار. شرح سنن أبي داود (370/ 32).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«كسر عظم الميت ككسره حيًّا»: لا بد أن يكون الميت معصومًا، وهو المسلم والذمي والمعاهَد والمستأمَن، أما الحربي فإنه يجوز أن يُكسر عظمه؛ لأنه لا حُرمة له، ولكن إذا كان ذلك على سبيل التمثيل فإنه لا يجوز؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن التمثيل في حديث بريدة: «لا تُمَثِّلوا»، أما إذا لم يكن على سبيل التمثيل فإنه لا بأس به، كيف ذلك؟ يعني مثلًا: انتهت الحرب وما أردنا أن نغيظ هؤلاء الكفار، ولكننا أردنا أن ننتفع بهذه الأعضاء من هذا الميت الكافر، فالظاهر أن ذلك جائز؛ لأنه ليس من التمثيل به، وقد سبق لنا أنهم إذا مَثَّلُوا بنا فإننا نُمَثِّل بهم. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 594).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الحديث يدل على عدة فوائد:
أولًا: تحريم كسر عظم الميت إذا كان معصومًا، يؤخذ من قوله: «ككسره حيًّا» ومن المعلوم بالنص والإجماع أنه لا يجوز الاعتداء على الحي بكسر عظمه.
ويستفاد من الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بعد موته لأحد بشيء من أعضائه؛ لماذا؟ لأنه يلزم منه فصل هذا العضو عن الجسد، وفصله لا يجوز؛ ولهذا قال فقهاء الحنابلة: لا يجوز أن يفصل منه عضو بعد موته ولو أوصى به، قال مثلًا: إذا متُّ فخذوا من جسدي كذا وكذا لفلان، فإنه لا يجوز.
ومن فوائد الحديث: أنه لو وجد شخص متقطع بحادث، فإنه يُضم بعضه إلى بعض، كما أن الحي لو تقطع أوصاله ثم أمكن جبرها فإنها تُجبر، كذلك الميت يُضَمُّ بعضه إلى بعض، وتُربط ويُصلى عليها...فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 594).
وقال الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان -حفظه الله-:
في الحديث: دليل على أنه لا يجوز تشريح الميت المسلم للأغراض العلمية؛ لما في ذلك من امتهان كرامته، وإذا كان المقصود يتم بتشريح جثة الميت غير المعصوم كالمرتد والحربي تَعَيَّن ذلك، أما التشريح لغرض التحقق من دعوى جنائية لمعرفة أسباب الموت أو الجريمة التي أدت إلى القتل، فهذا يجوز؛ لأن المصلحة المقصودة مقدمة على المفسدة الناتجة عن التشريح، وكذا يجوز التشريح للتحقق من أمراض وبائية فتاكة؛ لوقاية المجتمع منها، واتخاذ الدواء المناسب له، والله -تعالى- أعلم. منحة العلام (4/ 340).
وقال الخرقي الحنبلي -رحمه الله-:
والمرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد يتحرك فلا يُشق بطنها، وتسطو القوابل عليه فيخرجنه. مختصر الخرقي (ص:39).
وقال أبو الليث السمرقندي -رحمه الله-:
سُئل محمد (ابن الحسن) عن امرأة ماتت وفي بطنها ولد حيٌّ، قال: يُشَقُّ بطنها، ثم روى عن أبي حنيفة أنه أمر بشق بطن جارية ماتت وهي حامل، فشق فخرج حيًّا وعاش. عيون المسائل (ص:384).
وقال الشيرازي الشافعي -رحمه الله-:
وإن ماتت امرأة وفي جوفها جنين حيٌّ شُق جوفها؛ لأنه استبقاء حي بإتلاف جزء من الميت، فأشبه إذا اضطر إلى أكل جزء من الميت. المهذب (1/ 257).
وقال العيني -رحمه الله-:
ماتت وفي بطنها ولد حي، يُشقُّ بطنها ويُخرج، وبه أفتى أبو حنيفة في زمانه، ولو عُلم بعد الدفن نُبش وشُق بطنها ويُخرج، وبه قال ابن سريج من أصحاب الشافعي، وقال بعض أصحابه: لا يُشق، ولكن القابلة تمسُّ بطنها فربما يخرج، وقال أحمد: تُعطاه للقوابل، فإن خرج وإلا تُرك حتى يموت ثم يدفن. البناية (3/ 262).
وقال علاء الدين السمرقندي الحنفي -رحمه الله-:
ولو أن حاملًا ماتت وفي بطنها ولد يضطرب، فإن كان غالب الظن أنه ولد حيٌّ وهو في مدة يعيش غالبًا، فإنه يُشق بطنها؛ لأن فيه إحياء الآدمي بترك تعظيم الآدمي، وترك التعظيم أهون من مباشرة سبب الموت. تحفة الفقهاء (3/ 345).
وقال ابن مازه البخاري الحنفي -رحمه الله-:
ولا تُكسر عظام اليهود والنصارى التي تُوجد في قبورهم؛ لأن لهم حُرمة حتى حرم إيذاؤه في حياته، فتكون لعظامه حرمة حتى لا تُكسر متى وُجدت بعد الموت. المحيط البرهاني (2/ 205).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
والمذهب أنه لا يُشق بطنُ الميتة لإخراج ولدها، مسلمة كانت أو ذمية، وتُخرجه القوابل إن علمت حياته بحركته، وإن لم يوجد نساء لم يسطو الرجال عليه، وتترك أمُّه حتى يتيقن موته، ثم تُدفن، ومذهب مالك وإسحاق قريب من هذا، ويحتمل أن يُشق بطن الأم إن غلب على الظن أن الجنين يحيا، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه إتلاف جزء من الميت لإبقاء حي، فجاز، كما لو خرج بعضه حيًّا، ولم يمكن خروج بقيته إلا بشَقٍّ؛ ولأنه يُشَقُّ لإخراج المال منه، فلإبقاء الحي أَولى.
ولنا أن هذا الولد لا يعيش عادة، ولا يتحقق أنه يحيا، فلا يجوز هتك حرمةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لأمر موهوم، وقد قال -عليه السلام-: «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي» رواه أبو داود، وفيه مُثلة، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الْمُثلة. المغني (3/ 497، 498).
وقال الزركشي الحنبلي -رحمه الله-:
وحكى أبو الخطاب (الكلوذاني) في الهداية ومن بعده احتمالًا بالشَّقِّ إذا غلب على الظن أن الولد يعيش؛ لأن حفظ حرمة الحي أولى، وكما لو خرج بعضه حيًّا، وتعذر إخراج باقيهِ من غير شَقٍّ فإنه يُشَقُّ، فعلى الأول تسطو عليه القوابل، أي: يُدْخِلن أيديهن في فَرْجِهَا، فيُخْرِجْنَه إن غلب على ظَنِّهِن حياته بحركته مع قرب ولادتها، ونحو ذلك، فإن لم تَقدر عليه النساء، أو لم يُوجَدْنَ، فهل يسطو عليه الرجال؟ فيه روايتان:
إحداهما: لا يسطون، ويُترك حتى يموت، اختاره القاضي (أبو يعلى) وصاحب التلخيص (فخر الدين ابن تيمية) وأبو محمد (ابن قدامة) وغيرهم، ويحتمله كلام الخرقي؛ لما فيه من هتك حُرمتها مع الرجال، مع بُعد احتمال الحياة،
والثانية: -وهي المنصوصة عنه (أي: أحمد) واختيار أبي بكر (المروذي) وأبي البركات (مجد الدين ابن تيمية)-: يسطون؛ لأن ذلك يحتمل في حق الأحياء، فالأموات أولى، ولم يقيِّد أحمد الرَّجل بالمحْرَم، وقيده ابن حمدان (أحمد بن حمدان) بذلك، وحيث تعذر إخراجه فإنها تُترك حتى يُتيقن موته، قال أحمد: ينتظرنها ما دام حيًّا، والله أعلم. شرح مختصر الخرقي (2/ 358 - 360).
قوله: «في الإثم»:
قال المغربي -رحمه الله-:
في زيادة قوله: «في الإثم» رافع لما يُفهم من عموم التشبيه من وجوب الضمان، وأنَّ ذلك الحكم إنَّما هو لأجل ما يتضمن من إهانة الميت، وعدم المبالاة به، فاستحق الإثم دون الضمان، والله أعلم. البدر التمام (4/ 226).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: دليل على وجوب الرفق بالميت في غسله وتكفينه وحمله وغير ذلك؛ لأن تشبيه كسر عظمه بكسر عظم الحي إن كان في الإثم فلا شك في التحريم، وإن كان في التألم فكما يحرم تأليم الحي يحرم تأليم الميت، وقد زاد ابن ماجه من حديث أم سلمة لفظ: «في الإثم» فيتعين الاحتمال الأول. نيل الأوطار (4/ 34).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: دلالة على وجوب احترام الميت، كما يُحترم الحيُّ. سبل السلام (1/ 496).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فيه: دلالة على أن إكرام الميت مندوب إليه في جميع ما يجب كإكرامه حيًّا، وإهانته منهي عنها، كما في الحياة. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1412).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
يُستفاد منه ما قدَّمته: أنَّ الميت يتألم بجميع ما يتألم به الحي، ومِن لازمه أنه يستلذ بما يستلذ به الحي. فتح الإله 6/123).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فقه الحديث:
- دلَّ على أنه ينبغي للحفَّار المحافظة على عظام الموتى التي تكون في القبر حال حفره، ويسترها، ولا يكسرها، والذمي في هذا كالمسلم.
- وعلى طلب تكريم الآدمي حيًّا وميتًا.
- وعلى أنَّ الميت يتأذى مما يتأذى به الحي. المنهل العذب (9/ 56).
وللفائدة ينظر:
فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- في حكم كسر عظم الميت الكافر.