السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«ألا أُعَلِّمُكَ أو أَدُلُّكَ على كلمةٍ مِن تحتِ العرشِ مِن كَنْزِ الجنَّةِ؟ تقول: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ، يقولُ اللهُ -عزَّ وجلَّ-: أسلَمَ عبدي واستسلَمَ»


رواه أحمد برقم: (10736)، والنسائي في الكبرى برقم: (9757)، والحاكم برقم: (54) والبيهقي في شُعب الإيمان برقم (190) واللفظ لهما، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (2614)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1580).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«العَرْش»:
هو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقُبَّة على العالم، وهو سقف المخلوقات. البداية والنهاية، لابن كثير (1/ 20).

«كنز»:
الكنز: المال المدفون تحت الأرض، هذا هو الأصل...، وتُسمِّي العرب كل كثير مجموع يُتَنَافس فيه: كنزًا. تاج العروس، للزبيدي (15/ 304).
وكنزُ المالِ: جمعُه وادِّخاره. شمس العلوم، للحميري (9/ 5913).

«لا حَوْلَ»:
الحول ها هنا الحركة، يُقال: حالَ الشخصُ يحولُ: إذا تحرَّك، المعنى: لا حركة ولا قوة إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل: الحول: الحيلة، والأول أشبه. النهاية، لابن الأثير (1/ 462).


شرح الحديث


قوله: «ألا أُعلمك أو أَدُلُّك على كلمة»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «ألا أُعَلِّمُك أو أَدُلُّك على كلمة» كان -عليه السلام- معلمًا لأمته، وكان لا يراهم على حالة من الخير إلا أحب لهم الزيادة عليها، فأحب للذي رفع صوته بكلمة الإخلاص والتوحيد أن يردِفَها بالتَّبرُّؤِ من الحول والقوة لله، وإلقاء القدرة إليه، فيكون قد جمع مع التوحيد الإيمان بالقدر. التوضيح (29/ 376).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: سبب ذلك أنَّها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا رادَّ لأمره، وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر. شرح مسلم (17/ 26).

قوله: «من تحت العرش»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «من تحت العرش» صفة «كلمة» ويجوز أن تكون «من» ابتدائية، أي: ناشئة من تحت العرش، وبيانية، أي: كائنة من تحت العرش، ومستَقِرَّة فيه، وأما «من» الثانية فليست إلا بيانية، فإذا ذُهِبَ إلى أنَّ الجنة تحت العرش، والعرش سقفها، جاز أن يكون «من كنز الجنة» بدلًا من «تحت العرش». الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1833).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
العرش: هو السرير، وأنه جسم مجسم، خلقه الله تعالى، وأمر ملائكته بحمله، وتعبَّدهم بتعظيمه، والطواف به. الأسماء والصفات (2/ 272).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
العرش: هو ذلك السقف المحيط بالمخلوقات، ولا نعلم مادة هذا العرش؛ لأنَّه لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديث صحيح، يُبيِّن من أين خُلق هذا العرش؟ لكننا نعلم أنَّه أكبر المخلوقات التي نعرفها، وأصل العرش في اللغة: السرير الذي يختص به الملك، ومعلوم أنَّ السرير الذي يختص به الملك سيكون سريرًا عظيمًا فخمًا، لا نظير له. شرح العقيدة الواسطية (1/ 374).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
أما العرش: فإن العرش هو ذلك المخلوق العظيم الذي هو فوق جميع المخلوقات، واختصه الله تعالى لنفسه، وهو محيط بالكون كله، وقد ورد «أن السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي الذي وسِع السماوات والأرض كحلقة أُلْقِيَت في فلاة من الأرض» فماذا تكون؟ لا شيء، ولا تُنْسَبُ إليه، قال: «وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة»، إذن: فالعرش لا يقدر قدْره إلا الله -عز وجل-، ولا يمكن أن نتصور عظمة هذا العرش؛ ولهذا وصفه الله بأنه مجيد، وأنه عظيم؛ لأنه أكبر المخلوقات التي نعلمها، وأعلى المخلوقات التي نعلمها؛ ولذلك هو عرش يليق بالله تعالى. شرح العقيدة السفارينية (1/ 208-209).

قوله: «من كنز الجنة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «من كنز الجنة» سمَّى هذه الكلمة كنزًا؛ لأنها كالكنز في نفاسته وصيانته من أعين الناس، أو أنَّها من ذخائر الجنة، أو من محصلات نفائس الجنة. مرقاة المفاتيح (5/ 216).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
تنفع صاحبها يوم لا ينفع مال ولا بنون. مرقاة المفاتيح (4/ 1607).
وقال النووي -رحمه الله-:
ومعنى الكنز: أنه ثواب مُدَّخَرٌ في الجنة، وهو ثواب نفيس، كما أنَّ الكنز أَنفسُ أموالكم. شرح مسلم (17/ 26).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«من كنز الجنة» أُخْرِجت منها، أو يُجازى قائلها بثواب نفيس مُدَّخَر في الجنة، فهو كالكنز في كونه نفيسًا مُدَّخَرًا، ووجه خصوصيته في هذه الكلمة: أنها اشتملت على التوحيد الخفي، فحصل جزاؤها شيئًا خفيَّا. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 52).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
وأنَّ ثوابها في الشرف والكمال لَشِبْه أموال الكنوز، فإنه لا يُكْنَزُ إلا المال الفاخر، أو أن ثوابه لا يعلم قدسه إلا الله تعالى، كما أن الكنز لا يطَّلع عليه غير من كنزه. الكوثر الجاري (10/ 237).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أجر مُدَّخَر، وثواب مخبَّأ، ظاهره لقائلها، وقيل: بل لمن اتصف بذلك، وتبرَّأ من حوله وقوته، وفوض أمره إلى الله تعالى، ولمن قالها عن صدق نيته، وتحقيق ضميره. إكمال المعلم (8/ 200).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
المراد: أن هذا الذكر يُدَّخَرُ لقائله من الأجر والثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في الدنيا لكانِزِهِ في الاستظهار والاستعانة به على طلب الحوائج، وتحصيل المطالب. تحفة الأبرار (2/ 64).

قوله: «لا حول ولا قوة إلا بالله»:
قال النووي -رحمه الله-:
ويقال في التعبير عن قولهم: «لا حول ولا قوة إلا بالله»: الحوقلة. شرح مسلم (4/ 87).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «لا حول» أي: لا حركة في الظاهر «ولا قوة» أي: لا استطاعة في الباطن «إلا بالله»، أو لا تحويل عن شيء، ولا قوة على شيء إلا بمشيئته وقوته، وقيل: الحول: الحيلة؛ إذ لا دفع ولا منع إلا بالله. مرقاة المفاتيح (4/ 1597).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقيل: لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحُكِيَ هذا عن ابن مسعود -رضي الله عنه-. شرح مسلم (4/ 87).
وقال المُظْهِري -رحمه الله-:
وقيل: لا دفع للمكروهات، ولا إعطاء للعطيات إلا بتوفيق الله ودفعه وإعطائه. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 163).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
لأن قائلها إذا تصوّر معنى هذه الكلمة: تقرَّر عنده وتيقَّن في قلبه أنَّ الأمر كله بيد الله، وأنَّه لا نفع ولا ضر إلا منه، ولا عطاء ولا منع إلا به، فصبر على البلاء، وشكر على النعماء، وفوّض أمره إلى رب الأرض والسماء، ورضي بالقدر والقضاء، فصار من زبدة الأولياء، وعمدة الأصفياء. مرقاة المفاتيح (5/ 229).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وذلك أنَّ هذه الكلمة هي كلمة استعانة لا كلمة استرجاع، وكثيرٌ من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعًا لا صبرًا. الاستقامة (2/ 81).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وأما الاستعانة بالله -عزَّ وجلَّ- دون غيره من الخلق، فَلِأنَّ العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضارِّه، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله -عزَّ وجلَّ-؛ فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» فإن المعنى: لا تحوُّل للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله -عزَّ وجلَّ-؛ فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه، وفي الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيره، وَكَلَهُ الله إلى من استعان به فصار مخذولًا،
كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز -رحمهما الله-: لا تستعن بغير الله، فيكلك الله إليه، ومن كلام بعض السلف: يا ربّ، عجبتُ لمن يعرفك كيف يرجو غيرك، وعجبتُ لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك. جامع العلوم والحكم (1/ 481-482).
وقال ابن رجب -رحمه الله- أيضًا:
عن محمد بن إسحاق -رحمه الله- قال: جاء مالك الأشجعي-رضي الله عنه- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أُسِرَ ابني عوف، فقال له: «أرسِلْ إليه أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرك أن تكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله» فأتاه الرسول فأخبره، فأكب عوف -رضي الله عنه- يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القِدُّ (ما يُشَدُّ به الأَسِيرُ) عنه، فخرج، فإذا هو بناقة لهم فركبها، فأقبل، فإذا هو بِسَرْحِ (أي: ماشية) القوم الذين كانوا قد شدُّوه، فصاح بهم، فاتبع آخرها أولها، فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فقال أبوه: عوف ورب الكعبة، فقالت أمه: واسوأتاه، وعوف كئيب يألم ما هو فيه من القِدِّ، فاستبق الأب والخادم إليه، فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلًا، فقص على أبيه أمره، وأمر الإبل، فأتى أبوه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأخبره بخبر عوف، وخبر الإبل، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اصنع بها ما أحببت، وما كنت صانعًا بإبلك» ونزل قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} الطلاق: 2، 3. جامع العلوم والحكم (1/ 493-494).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وأخرج أحمد والترمذي وصححه ابن حبان -رحمهم الله- عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أنه -عليه السلام- ليلة أسري به مر على إبراهيم -خليل الله عليه السلام- فقال له: «مُرْ أمتك فليكثروا من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، قال له -عليه السلام-: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» وجاء في بعض الروايات: أنَّها باب من أبواب الجنة، ولعل اختلاف نتائجها باختلاف مراتب قائلها. مرقاة المفاتيح (5/ 216).

قوله: «يقول الله -عزَّ وجلَّ-»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «يقول الله -عزَّ وجلَّ-» جزاء شرط محذوف، أي: إذا قال العبد هذه الكلمة، يقول الله. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1834).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يقول الله -عزَّ وجلَّ-» الظاهر: أنه استئناف؛ لبيان فضيلة تلك الكلمة، وفضل قائلها. مرقاة المفاتيح (4/ 1608).

قوله: «أَسلم عبدي واستسلم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «أَسلم عبدي» أي: انقاد، وترك العناد، أو أخلص في العبودية بالتسليم لأمور الربوبية، «واستسلم» أي: انقاد انقيادًا كاملًا، أو بالغ في الانقياد، وقطع النظر عن العباد. مرقاة المفاتيح (4/ 1608).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«أَسلم عبدي واستسلم» أي: فوض أمور الكائنات كلها إلى الله، وانقاد هو بنفسه لله تعالى مخلصًا له الدين. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1834).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

توكّل المؤمن بحول الله وقوته يقيه من الشياطين.


إبلاغ عن خطأ