«يذهبُ الصَّالحونَ الأوَّلُ فالأوَّلُ، ويبقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أو التَّمْرِ، لا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً».
رواه البخاري برقم: (6434) من حديث مِرْدَاس الأَسْلَمي -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«حُفَالةٌ»:
أي: رُذَالة من الناس، كرَدِيْءِ التمر ونفايته، وهو مثل الحُثَالة بالثاء. النهاية، لابن الأثير (1/ 409).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
الحُفَالة: بضم المهملة، وتخفيف الفاء. الكواكب الدراري (16/ 68).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
حُفَالة التمر: رَدِيئُه، وهو آخر ما يبقى منه، وهي الحُثَالة أيضًا، والفاء والثاء تتعاقبان، كقولهم: جَدَفٌ وجَدَثٌ، ثوم وفوم. أعلام الحديث (3/ 1729).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «يذهبُ الصالحون»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «يذهب الصالحون» أي: يموت الصالحون. المفاتيح (5/ 331).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«يذهب الصالحون» عند الإسماعيلي: «يُقبض الصالحون» أي: تُقبض أرواحهم. إرشاد الساري (9/ 249).
قوله: «الأولُ فالأولُ»:
قال أبو البقاء العكبري -رحمه الله-:
«الأولُ فالأولُ» يجوز رفعه على الصفة أو البدل، والنصب على الحال، وجاز ذلك وإنْ كان فيه الألف واللام؛ لأن الحال ما يتخلص من المكرر؛ لأن التقدير: ذهبوا مترتبين. إعراب الحديث النبوي (ص: 412).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«الأول فالأول» الرواية بالرفع، ونقل عن أبي البقاء: النصب على الحال.
قلتُ: والرفع أنه على حال في المعنى، إذ معناه: مُرتَّبِين. الكوثر الجاري (7/ 240).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«الأولُ فالأولُ» بالرفع على الفاعلية؛ أي: يذهب الأول فالأول، وبالنصب على الحال؛ أي: واحدًا فواحدًا. شرح المصابيح (5/ 463).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وقال بعض الشارحين: «الأُوَل فالأُوَل» بضم الهمزة، وفتح الواو، كالصُّرَد، وفيه نظر؛ لأنَّ الأُوَل جمْع الأُولى، وهي مؤنث، و«الصالحون» جمْع مذكر سالم فلا يناسبه. الأزهار مخطوط لوح (439).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«الأوَّلُ فالأَوَّل» أي: يذهب الأول، ثم الذي يكون أول بالنظر إلى ما بعده. الكوثر الجاري (7/ 240).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
سُمِّي كل واحد أول؛ لأنه لما ذهب الأول صار الذي بعده أول بالنسبة إلى الباقي. لمعات التنقيح (8/ 560).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «الأول فالأول» أي: الأصلح. الكواكب الدراري (16/ 68).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«الأول فالأول» أي: قرنًا بعد قرن، حتى لا يبقى من الناس إلا جماعة أشرار لم يكن فيهم خير. المفاتيح (5/ 331).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «الأول فالأول» الفاء للتعقيب، ولا بد من تقدير، أي: الأول منهم فالأول من الباقين منهم، هكذا حتى ينتهي إلى الحُفَالة، مثله الأفضل فالأفضل.
و«الأول» بدل من «الصالحون». الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3391).
وقال العيني -رحمه الله-:
وحاصل المعنى: يذهب الصالحون من وجه الأرض أولًا فأولًا. عمدة القاري (17/ 216).
قوله: «ويبقى حُفَالةٌ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«وتبقى» بعد ذهاب الصالحين «حُفَالة». إرشاد الساري (6/ 348).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وتبقى حُفَالة»...، أي: تبقى على وجه الأرض بعد ذهاب الصالحين رُذَالَة من الناس. عمدة القاري (17/ 216).
وقال النووي -رحمه الله-:
النُّخَالة والحُفَالة والحُثَالة بمعنىً واحدٍ. المنهاج شرح مسلم (12/ 216).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وبالثاء أشهر من الفاء، ولكن في الحديث بالفاء لا غير، وفي بعض نُسخ المصابيح بالثاء، ولا رواية...، والحُفَالة تُناسب التمر، والنُّخَالة تناسب الشعير. الأزهار مخطوط لوح (439).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ويبقى حُفَالة» بضم الحاء؛ أي: الرديء من كل شيء. شرح المصابيح (5/ 463).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ويبقى حُفَالة» أي: رُدَاءة من الناس. تحفة الباري (7/ 340).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
والحُفَالة: سَفَلَةُ الناس، وأصلها في اللغة ما تَسَاقط من قشور التمر والشعير وغيرهما، والحُثَالة والحُشَافة مثله. شرح صحيح البخاري (10/ 158).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وقال الداودي: هو ما يسقط من الشعير عند الغَرْبَلة، وما يبقى من التمر عندما يؤكل. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (29/ 429).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
والتنكير في «حُفَالة» تنكير للتحقير. الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3391).
قوله: «كحُفَالةِ الشعيرِ أو التمرِ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«كحُفَالة الشعير أو التمر» الرديء من كلٍّ، أو ما يتساقط من قشورهما، أو ما يسقط من الشعير عند الغَرْبَلَة، ويبقى من التمر بعد الأكل، و«أو» للشك أو للتنويع. إرشاد الساري (9/ 249).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كحُفَالة الشعير» أي: نُخَالته «أو التمر» أي: دَقَلِه (أي: الرديء). مرقاة المفاتيح (8/ 3361).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «كحُثَالة الشعير أو التمر» يحتمل الشك، ويحتمل التنويع، وقع في رواية عبد الواحد (ابن غياث): «كحُثَالة الشعير» فقط، وفي رواية: «حتى لا يبقى إلا مثل حُثَالة التمر والشعير». فتح الباري (11/ 252).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
يقول: كما لا يُؤكل ما يبقى من حُثَالة الشعير، كذلك لا يُصحب من يبقى من الناس في آخر الزمان. العزلة (ص: 67).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ومن هذا أخذ ابن مسعود قوله فيما رواه أبو نعيم وغيره: «يذهب الصالحون أسلافًا، ويبقى أهل الرِّيَب ممن لا يعرف معروفًا، ولا يُنْكِر مُنْكرًا». فيض القدير (6/ 460).
وقال نجم الدين الغزي -رحمه الله-:
ذهاب الصالحين قبل قيام الساعة فيه راحة لهم، وجُنَّة لهم عما بين يدي الساعة من الأهوال، لكن فيه فوات خيرهم لمن يبقى بعدهم، ومن ثم كان يقول عبد الله بن غالب الحُدَّاني -رحمه الله تعالى-: اللهم إني أشكو إليك سفه أحلامنا، ونقص علمنا، واقتراب آجالنا، وذهاب الصالحين منا، أخرجه الإمام أحمد في الزهد عن مالك بن دينار، عنه. حسن التنبه لما ورد في التشبه (2/ 439).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
والمعنى: لا يزال الإسلام في غربة، ينقص الأخيار ويكثر الأشرار، يجاهد المؤمن نفسه، ولا يغتر بالكثرة. الحلل الإبريزية (3/ 277).
قوله: «لا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«لا يباليهم الله بالةً» المبالاة: التحقير، وعدم الالتفات إلى أحد، وعدم الخوف من أحد، ويُعدَّى بالباء وبـ"مِن" وبنفسه، يقال: لا أبالي بفلان، ولا أبالي مِن فلان، ولا أبالي فلانًا. المفاتيح (5/ 331).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«لا يباليهم الله» أي: لا يرفع لهم قدرًا، ولا يقيم لهم وزنًا، وأصله: أن يكون معدى بالباء. يقال: باليتُ بالشيء مبالاة وباليةً وبالةً، وقد يُعدَّى بنفسه. تحفة الأبرار (3/ 310).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وبالةً: مصدر بَالَيْتُ محذوف منه الياء التي هي لام الفعل، وكان أصله (باليةً) فكرهوا ياء قبلها كسرة؛ لكثرة استعمال هذه اللفظة في نفي كل ما لا يُحْفَل به، وتقول العرب أيضًا في مصدر: باليتُ مُبَالاةً، كما تقول: بالة. شرح صحيح البخاري (10/ 158).
وقال الدماميني -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: لا يحسن التعليل بمجرد هذا، ولو أضيف إليه ما قاله بعض المتأخرين من أنَّ المعنى على حذف لام الكلمة فيه شذوذ، فأعله في المصادر، فحوَّلوه بالحذف المذكور عن بنية الشذوذ لكان حسنًا. مصابيح الجامع (9/ 420).
وقال المظهري -رحمه الله-:
ومعنى الحديث: أن الله لا يعظِّمهم، ولا يكون لهم عند الله وقار. المفاتيح (5/ 331).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
لا يبالي بهم لانحرافهم، ونسأل الله العافية. الحلل الإبريزية (3/ 277).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«لا يباليهم الله بالةً» أي: لا يبالي أن يعاقبهم ويعذبهم؛ لأنهم ليسوا أهلًا أن يَعْتَنِي الله بهم. شرح كتاب الرقاق (ص: 32).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
وهذا الحديث يشبه حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- حين جاء الناس إليه يشكونه ما وجدوا من الحَجَّاج بن يوسف الثقفي، فأخبرهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم»، فهذا الحديث يشبه الحديث الذي أشرنا إليه؛ ولذلك تجد الناس يَتَرَدَّون كل عام عن العام الذي قبله. شرح رياض الصالحين (6/ 634-635).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ذهاب الصالحين مِن أشراط الساعة، إلا إنه إذا بقي الناس في حُفَالة كحُفَالة الشعير أو التمر فذلك إنذار بقيام الساعة، وفناء الدنيا. شرح صحيح البخاري (10/ 158).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أَذِنَ بأن موت الصالحين من الأشراط، وبأن الاقتداء بأهل الخير محبوب، وجوَّز خلو الأرض مِن عَالِمٍ حتى لا يبقى إلا الجهل. فيض القدير (6/ 460).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال الداودي: وهذا على التكثير، ولا تخلو الأرض من قائم لله بالحُجة، فمنهم الراسخون في العلم.
قال: والذي جاء في حديث آخر: «يكون في آخر الزمان قومٌ المتمسك منهم بدينه كالقابض على الجمر، للعامل منهم أجر خمسين منكم، قيل: بل منهم يا رسول الله؟» كالمستفهمين، قال: «بل منكم»، معناه -إن صح-: في العمل، فللصحابة فضل الصحبة، وفوق ذلك كله؛ لقوله -عليه السلام-: «لو أنفق أحدكم مِلءَ الأرض ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه». التوضيح (29/ 431).
وقال نجم الدين الغزي -رحمه الله-:
لا يعارض (الحديث) ما سبق ما رواه الشيخان عن زينب بنت جحش -رضي الله تعالى عنها- قالت: «استيقظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من نومه وهو مُحْمَرٌّ وجهه، وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتِحَ اليوم من رَدْمِ يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلَّق بأصبعيه الإبهام والتي تليها- قلتُ: يا رسول الله، أَنَهْلِك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث».
فإنَّ هذا فيما يعرض للناس بسبب ذنوبهم، وسكوت الصالحين عن الإنكار عليهم من نحو طاعون، أو غلاء، ومجاعة، أو غرق، أو فتنة، وملحمة، فيكون البلاء رحمة للصالحين، وطُهرة لهم، وليس ذلك في أهوال يوم القيامة، فإنها لا تقوم على من يقول: «الله، الله»، وإنما تقوم على شرار الخلق، كما ثبت في الأخبار الصحيحة الصريحة.حسن التنبه لما ورد في التشبه (2/ 439-441).
وقال الشيخ أبو بكر الجزائري -رحمه الله-:
إن العبرة من هذا الخبر النبوي الشريف تتمثل فيما يلي:
1. ذهاب الصالحين الأوَّل فالأول، والصالحون هم الذين يؤدون حقوق الله تعالى وافية، وهي عبادته بما شرع أنْ يُعبد به: من الإيمان وصالح الأعمال، ويؤدون حقوق عباده كاملة غير منقوصة، وهي ما لهم من حقوق، وهي محبتهم ونصرتهم والتعاون معهم على البر والتقوى، وعدم أذاهم بأدنى أذى، ولو بكلمة نابية، أو نظرة ساخرة.
2. من أشراط الساعة ذهاب الصالحين؛ إذ لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق.
3. وجوب الدعوة إلى الصلاح الذي هو عبادته تعالى بما شرع من عبادات في كتابه، وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
4. حرمة أذية الصالحين بأي أذى كان، ولو بكلمة نابية، فضلًا عن سبهم، أو شتمهم، أو أخذ مالهم، أو إلحاق الضرر بأجسادهم، أو النيل من أعراضهم.
5. وجوب العمل على إكثار الصالحين؛ وذلك بالتعليم والتربية والإصلاح والتوجيه.
6. بيان شرف الصالحين، وعلو منزلتهم في الدارين.
7. بيان سقوط الفاسدين وهبوط منزلتهم، والفاسدون: هم غير الصالحين، وهم الذين يتركون الواجبات، ويَغْشَونَ المحرمات، فينفصلون عن الصلاح انفصالًا كاملًا حتى لا يبقى فيهم أدنى خير أو صلاح، فيصبحون في عدم الانتفاع بهم كحُفَالة الشعير أو التمر التي لا تؤكل وتُلقى في المزابل؛ لفسادها وعدم الانتفاع بها.
8. غير الصالحين -وهم الفاسدون الذين ما أدوا حقوق الله، ولا حقوق عباده- جزاؤهم غضب الله وسخطه عليهم، بحيث يُلقون في أتون الجحيم، وبئس المصير، ولا يبالي (الله بهم) أدنى بالةً -والعياذ بالله تعالى-، أَلَا فلنكن من الصالحين، ونلازمهم ولا نفارقهم؛ حتى نكون معهم في الجنة دار الأبرار. عظات وعبر من أحاديث سيد البشر (ص: 15-16).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
هذا الحديث معناه: الترغيب في الاقتداء بالصالحين، والتحذير من مخالفة طريقهم؛ خشية أن يكون مَن خالفهم ممن لا يباليه الله، ولا يعبأ به. شرح صحيح البخاري (10/ 158).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفيه: أنَّه يجوز انقراض أهل الخير في آخر الزمان حتى لا يبقى إلا أهل الشر.
واستُدل به على جواز خلو الأرض مِن عالِمٍ حتى لا يبقى إلا أهل الجهل صِرفًا، ويؤيده الحديث الآتي في الفتن: «حتى إذا لم يبق عالِمٌ اتخذ الناس رؤساء جُهَّالًا». فتح الباري (11/ 252).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الحديث عام، مثل قوله: «خير الناس قرني» ولو نظرنا لعدد المسلمين اليوم لوجدناهم تقريبًا ألف مليون، وما نسبة الصالحين فيهم ؟ لا شيء، فلو نظرنا للعموم لوجدنا أن الموجودين الآن حُثَالة، حتى الموجودين المتمسكين بالإسلام هل (هم) مطبقين الإسلام من كل وجه؟ كلا، لا بالنسبة لحكامهم، ولا لشعوبهم، لكن يختلف الناس، فبعضهم يطبق الأكثر، وبعضهم لا يطبق إلا الأقل، وبعضهم النصف، يختلفون، أما أن تجد أمَّة الآن مطبقة لأحكام الإسلام مائة في المائة في الشعوب والحكام ما تجد هذا. شرح كتاب الرقاق (ص: 32).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: عَلَمٌ للنبوة، ومعجزة له؛ حيث وقع على ما أخبر، وخاصة في زماننا. الأزهار مخطوط لوح (439).
وللمزيد من الفائدة ينظر: