«ألا أُخبرُكُم بأفضَلَ من درجَةِ الصيامِ والصلاةِ والصَّدقَةِ؟» قالوا: بلى، يا رسولَ اللهِ، قال: «إصلاحُ ذاتِ البَيْنِ، وفسادُ ذاتِ البَيْنِ: الحَالِقَةُ».
رواه أحمد برقم: (27508) وأبو داود برقم: (4919) والترمذي برقم: (2509) وابن حبان برقم: (5092) من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (2595)، صحيح الترغيب والترهيب برقم:(2814).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«ذَاتُ البَيْنِ»:
يعني: الأحوال التي بينهم؛ ولمّا كانت ملابِسَة للبَيْن وُصفت به، فقيل لها: ذواتُ البَيْن، كما قيل للأسرار: ذاتُ الصُّدور. المغرب، للمطرزي (ص: 57).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
يريد بـ«ذات البين»: الخصلة التي تكونُ وصلة بين القوم، من قرابةٍ ومودة ونحوهما. تحفة الأبرار (3/ 264).
وقال ابن الأنباري -رحمه الله-:
«والبَيْن» من الأَضْداد؛ يكون البَيْن الفراق، ويكون البَيْن الوصال. الأضداد (ص: 75).
«الحالقة»:
الخَصلة التي من شأنها أنْ تحلق أي: تُهلك وتستأصل الدِّين، كما يستأصل الموسى الشَّعر، وقيل: هي قطيعة الرحم والتّظالم. النهاية، لابن الأثير (1/ 428).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«الحالقة»: المُهلِكَة، يُقال: حَلَقَ بعضهم بعضًا، أي: قَتَلَ، مأخوذ من حَلْقِ الشَّعر. تحفة الأبرار (3/ 264)
شرح الحديث
قوله: «ألا أُخبرُكُم بأفضلَ مِن درجةِ الصيامِ والصلاةِ والصَّدقةِ؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ألا أخبركم بأفضل» أي: بعمل أفضل درجةً، وأكثر مثوبةً «من درجة الصِّيام» أي: نفلًا؛ بقرينة قوله: «والصَّدقَة» فإنها للمندوبة غالبًا، «والصَّلاة» لعل تأخيرها للترقي، وظاهر الواو أنه للجمع، فالمعنى: أنه أفضل من فعل مجموعها، ويحتمل أنْ يكون بمعنى (أو) فالمعنى: أنه أفضل من كلٍّ منها، والأول أبلغ في مقام الترغيب، كما لا يخفى.
قال الأشرف (البقاعي): المراد بهذه المذكورات النوافل دون الفرائض.
قلتُ: والله أعلم بالمراد؛ إذ قد يتصور أنْ يكون الإصلاح في فساد يتفرَّع عليه سفك الدماء، ونهب الأموال، وهتك الحُرم أفضل من فرائض هذه العبادات القاصرة، مع إمكان قضائها، على فرض تركها، فهي من حقوق الله التي هي أهون عنده سبحانه من حقوق العباد، فإذا كان كذلك، فيصح أن يقال: هذا الجنس من العمل أفضل من هذا الجنس؛ لكون بعض أفراده أفضل، كالبَشَر خير من المَلَك، والرجل خيرٌ من المرأة. مرقاة المفاتيح (8/ 3153).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
يُحتمل أنْ تكون «أفضل» هنا لغير التفضيل، ويحتمل أنْ تكون للتفضيل باعتبار الأشخاص، كالإمام والقاضي، وقيل: مطلقًا، باعتبار تعدي فوائده إلى الغير، وقَصْرِ الصلاة والصيام على العامل، والصدقة تمنعه. الأزهار مخطوط لوح (425).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ألا أخبركم بأفضل» أي: بدرجةٍ هي أفضل «من درجة الصِّيام والصَّلاة والصَّدقَة» أي: المستمرات، أو الكثيرات. فيض القدير (3/ 106).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ألا أخبركم بأفضلَ من درجة الصِّيام والصَّلاة والصَّدقَة؟» أي: بدرجة في الأجر هي الأفضل من درجات ما ذُكر مع ما عُلم من شرفها وفضلها. التنوير (4/ 362).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
إنما قدَّم لهم الاستفهام؛ ليكون ما يذكره أوقع في قلوبهم، ويتشوقون إلى ما بعده، ويطلبونه الإخبار، فيكونون أشد إصغاء إليه. التحبير (6/ 675).
وقال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-:
فذكر أنها (أي: إصلاح ذات البَيْن) خير من كثير من الصلاة والصدقة، يحتمل أنْ يريد به النوافل؛ فيكون معناه: أنها خير من كثير مِن جنس الصلاة والصدقة، ويحتمل أنْ يريد بها أنَّها خير من إكثار الصلاة والصدقة، وهو أيضًا راجع إلى النافلة، ويحتمل أنْ يريد بها أنها خير وأكثر ثوابًا بما يسديه بعضهم إلى بعض، مع ما في إصلاح ذات البين من حسن المعاشرة والمناصحة والتعاون، ويحتمل أنْ يريد أنَّ كثرة الثواب تكون باحتساب الأذى. المنتقى شرح الموطأ (7/ 213).
قوله: «قالوا: بلى، يا رسُولَ اللهِ»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«قالوا» أي: الصحابة: «بلى» «يا رسول الله» أخبرنا عنه. بذل المجهود (13/ 326).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«بلى» حرف إيجاب، يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه أبدًا. شرح الموطأ (1/ 150).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
«قالوا: بلى يا رسول الله» فائدة السؤال والجواب: أنْ يكون الكلام أوقع في النفس بحكم الإبهام والتبيين. تحفة الأحوذي (1/ 141).
قوله: «قال: إصلاح ذات البَيْن»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«قال: إصلاح ذات البَيْن» أراد بذات البَيْن: الخصال المُفضية إلى البَيْن، مِن المهاجرة والمخاصمة بين اثنين، بحيث يحصل بينهما الفُرقة. شرح المصابيح (5/ 326).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: إصلاحُ ذاتِ البَيْن» أي: إصلاح أحوال البَيْن، يعني: ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوالُكم أحوال صُحبة وأُلفة واتفاق، وقيل: إصلاح ذات البَيْن هو إصلاح الفساد والفتنة التي تكون بين القوم، وإسكان الفتنة الثائرة بين القوم، أو بين اثنين، فالإصلاح إذ ذاك واجب وجوب كفاية مهما وَجد إليه سبيلًا، ويحصل الإصلاح بمواساة الإخوان والمحتاجين ومساعدتهم مما رزقه اللَّه. شرح سنن أبي داود (18/ 681).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ذلك لما فيه (أي: الإصلاح) من عموم المنافع الدِّينية والدُّنيويَّة من التعاون والتناصر والألفة والاجتماع على الخير، حتى أُبيح فيه الكذب، وكثرة ما يندفع من المضرة في الدنيا والدِّين، بتشتت القلوب، ووهَنِ الأديان من العداوات، وتسليط الأعداء، وشماتة الحُسَّاد، فلذلك صارت أفضل الصدقات. فيض القدير (3/ 106).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«إصلاح ذات البَيْن» بالفتح، أي: العداوة والبغضاء والفُرقة، يعني: إصلاح الفساد بين القوم، وإزالة الفِتنة، وإسكان الثائرة والنائرة، والمستلزم إحياء النفوس غالبًا، وهي من حيث عموم نفعها أفضل من صدقة نفعها قاصر، ومن ذلك ما لو كانت بين طائفتين فتنة، فتَحَمَّل رجلٌ مالًا ليصلح بينهم، أو أَخَذَ من المياسير لذلك. فيض القدير (2/ 39).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إصلاح ذات البَيْن» «بَيْنَ» من الظُّروف قد يجيء اسمًا للحالة التي بين الاثنين، كقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} النساء: 35، بإضافة الشقاق إليه (البين)، وفي ذات البَيْن أيضًا جاء كذلك فعُرِّف باللام، و«ذات البَيْن» صفة لموصوف محذوف، أي: حالات وخصائل لها ملابَسة وتعلُّق بالبَيْن، وبهذه الملابسة قيل: هي ذات البَيْن، أي: ثابتة بينكم، كالبُغض والعداوة والحرب، وإصلاحها: إزالتها وتبديلها بأضدادها.
وإضافة «ذات» إلى «البَيْن»، وتوصيف تلك الخصائل بها على وتيرة "ذات الصدور" لمضمراتها، وليست على نحو: "ذات مرة"، و"ذات يوم"؛ لأنه من إضافة المسمى إلى الاسم، بل هي على نحو: "ذو مال"، لكن الإضافة في "ذي مال" بمعنى اللام؛ لأن الموصوف صاحب المال ومالكه، وفيما نحن فيه بمعنى "في"، ويمكن جعلها بمعنى اللام لأدنى ملابسته مبالغة، كأنها مَلَكَت البَيْن، وهو الأظهر، فتأمَّل. لمعات التنقيح (8/ 294 - 295).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إصلاحُ ذات البَيْن» أي: إصلاح أحوال بِيْنكم بأُلْفَةِ القلوب واجتماعها، وإزالة الشحناء منها، وإصلاحكم أحوال بَيْن غيركم إذا فسدت. التنوير (4/ 362).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
البَيْن: هو الوَصْل، وقيل: القطيعة، فيكون من باب الأضداد، واللغة العربية غنيَّة أحيانًا، وفقيرة أحيانًا، تكون غنية في الأسماء المترادفة، بحيث يكون للمعنى عدة ألفاظ، وتكون فقيرة في الألفاظ المشتركة إذا كان اللفظ واحدًا، وله عدة معانٍ، وهذا يعني فقرها حيث تواردت المعاني المتعددة على لفظ واحد.
فالبَيْن: يجوز أنْ يكون من البَيْنونة، وهي الانفصال، فيكون المعنى: إصلاح القَطْعِ، ويجوز أنْ يكون مِن الوصل، يعني: إصلاح ذات الوصل، أي: ما يحتاج إلى وصل.
وعلى كل حال «إصلاح ذات البَيْن» أن يكون بين جماعة وأخرى عداوةٌ وفتنة، فيأتي آخر ويصلح بينهم، لكن قد لا يتمكن من الإصلاح إلا ببذل المال، فيقول: أنا ألتزم لكل واحدة منكم بعشرة آلاف ريال بشرط الصُّلح، ويوافقون على ذلك، فيُعطى هذا الرجل من الزكاة ما يدفعه في هذا الإصلاح، فيُعطى عشرين ألفًا. الشرح الممتع (6/ 232 - 233).
قوله: «وفساد ذات البَيْن الحَالِقَة»:
قال المظهري -رحمه الله-:
أراد بـ«ذات البَيْن» المُخاصمة والمهاجرة بين اثنين، بحيث يحصل بينهما بَيْنٌ، و«البَيْن» الفُرقة؛ يعني: إيقاع الفُرقة والعداوة بين المسلمين. المفاتيح (5/ 239).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«وفساد ذات البين» مبتدأ، خبره «هي الحالقة» أنَّث الخبر، أراد العداوة أو الخصومة أو الخصلة، وقيل: قطيعة الرحم. الأزهار مخطوط لوح (425).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وإفساد ذاتِ البَيْن» ويُروى: «وفساد» مبتدأ خبره «هي الحَالِقَة» أي: المُهلكة للدِّين، المستأصِلةُ للثواب استئصالَ الموسى، «هي الحَالِقَة، لا أقول: تَحلِق الشَّعر، ولكن تَحلِق الدِّين»؛ لأنها تمنع الإنسان من فعل الخيرات، والحضور في الصَّلاة والمحبة الكاملة في الله؛ لأن الممتلئ صدرُه حسدًا أو بُغضًا لا تكمل محبته، ولا يجد حلاوة الطاعة في قلبه، ولا يرضى بقضاء الله تعالى. شرح المصابيح (5/ 327).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وفساد ذات البَيْن هي الحَالِقَة» أي: الماحية والمزيلة للمثوبات والخيرات، والمعنى: يمنعه شؤم هذا الفعل عن تحصيل الطاعات والعبادات.
وقيل: المُهلِكة مِن حَلَق بعضهم بعضًا أي: قَتَلَ مأخوذ مِن حَلْق الشَّعر.
«الحَالِقَة» أي: القاطعة للمحبة والألفة والصلة والجمعية... «لا أقول: تَحلِق الشَّعر» أي: تقطع ظاهر البدن، فإنَّه أمر سهل، «ولكن تَحلِق الدِّين» وضرره عظيم في الدنيا والآخرة. مرقاة المفاتيح (8/ 3154).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«الحَالِقَة» فإنها تُستعمل في حَلْقِ الشَّعر، فاستعمل فيما يَستأصل الدِّين...، أي: البغضاء تذهب بالدِّين كالموسى يذهب بالشَّعر...؛ لأن البغضاء أكثر تأثيرًا في ثُلْمَةِ الدِّين. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3214).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
لا شك أنَّ الصُّلح في كل شيء خيرٌ من التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة التي هي قواعد الشر، والصلح وإنْ كان فيه صبر مؤلم فعاقبته جميلة، وأمرُّ منه وشرٌّ عاقبة: العداوة والبغضاء، وقد قال: «هي الحَالِقَة»؛ لأن في تباغضهم افتراق كَلِمَتِهم، وتشتت أمرهم، وفي ذلك ظهور عدوهم عليهم، ودُرُوس دِينهم. التوضيح (28/ 410).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإن فساد ذات البَيْن هي الحَالِقَة» أي: الخصلة التي من شأنها أن تَحلِق الدِّين وتستأصله، كما تستأصل الموسى الشَّعر؛ وذلك لما ينشأ عن الشَّحناء والبغضاء من الفساد الذي لا يتناهى، ويذهب الأموال والأنفس والأعراض، وبالجملة كل فساد في الدِّين والدنيا فإنه منشؤه. التنوير (4/ 363).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«الحَالِقَة» للدِّين أو الحَالِقَة لكم؛ لأنه يُؤثر منها الفتن وسَفك الدماء، الموجبة لذهابكم نفسًا ومالًا ودِينًا. التنوير (4/ 401).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هذا يُبيِّن خطورة ما يحصل من الفُرقة بين الناس، وأنه سبب الأضرار الكبيرة التي تجري بينهم، وما يترتب على ذلك من اعتداء بعضهم على بعض، وكلام بعضهم في بعض، ولكنه إذا أُصلح بينهم، وأُزيلت الفُرقة، فإنَّ النفوس تتقارب وتتآلف، وتَسْلم من الأخطار التي تترتب على ذلك. شرح سنن أبي داود (559/ 32).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فيه: حثٌّ وترغيبٌ على إصلاح ذات البَيْن، واجتناب عن الفساد فيها؛ لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله، وعدم التفريق بين المسلمين، وفساد ذات البَيْن ثُلمة في الدِّين، فمن تعاطى إصلاحها، ورفع فسادها نال درجةً عند الله -سبحانه وتعالى- فوق ما ينالها الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه، فعلى هذا ينبغي أنْ تحمل الصَّلاة والصِّيام على الإطلاق. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3213).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
جواز الكذب من أجل الإصلاح بين الناس.