الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«مَن أصبحَ منكم آمنًا في سِرْبِهِ، معافًى في جسدِهِ، عندَهُ قُوتُ يومِهِ، فكأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدنيا».


رواه الترمذي برقم: (2346) واللفظ له، وابن ماجه برقم: (4141)، والبخاري في الأدب المفرد برقم: (300)، من حديث عبيد الله بن مِحْصَن الأنصاري -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6042)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2318).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«سِرْبِهِ»:
أي: في نَفْسِه رَخي البال، ومَن قاله هنا: «في ‌سَربه» بفتح السِّين يُرِيد: في مذْهبه ومسلكه. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/ 211).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
يُقال: خلِّ سربه، أي: وجهته التي يمر فيها، وقال المبرد: فلان واسع السرب أي: المسالك والمذاهب. الفائق في غريب الحديث (2/ 175).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
يقال فلان آمن في سربه -بالكسر- أي: في نفسه، وفلان واسع السِّرْب: أي: رَخِيُّ البال، ويُروى بالفتح، وهو المسلك والطريق، يقال: خل سربه: أي طَريقه. النهاية (2/ 356).


شرح الحديث


قوله: «مَن أصبحَ منكم آمنًا في سِرْبِهِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مَن ‌أصبح ‌منكم» أي: أيها المؤمنون «‌آمنًا» أي: غير خائف ‌من عدو أو ‌من أسباب عذابه تعالى بالتوبة عن المعاصي والعصمة عن المناهي؛ ولذا قيل: ليس العيد لمن لبس الجديد إنما العيد لمن أمن الوعيد «في ‌سربه» المشهور كسر السين، أي: في نفسه، وقيل: السرب الجماعة، فالمعنى: في أهله وعياله، وقيل بفتح السين، أي: في مسلكه وطريقه، وقيل بفتحتين، أي: في بيته كذا ذكره شارح... وفي القاموس: السرب الطريق، وبالكسر الطريق والبال والقلب والنفس، وبالتحريك: جحر الوحش والحقير تحت الأرض، ا. هـ، فيكون المراد ‌من الحديث: المبالغة في حصول الأمن ولو في بيت تحت الأرض ضيق كجحر الوحش، أو التشبيه به في خفائه وعدم ضيائه. مرقاة المفاتيح (8/ 3250).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«مَن ‌أصبح ‌منكم» الخطاب للحاضرين بمجلسه وحكمه على الواحد حكمه على الجماعة «‌آمنًا» ‌من عدوه «في ‌سربه» على نفسه وبضعه وأهله وماله. دليل الفالحين (4/ 467).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
(سربه) المشهور فيه كسر السين، يقال: فلان آمن في ‌سِرْبه، أي: في نفسه، وفلان واسع السِّرْب، أي: رَخِيُّ البال، وقيل: في ‌سَرْبه بفتح السين، أي: في مسلكه، يقال: خلّ له ‌سَرْبه، أي: طريقه، وأبى بعضهم إلا السَّرَب -بفتح السين والراء-، أي: في بيته، ولم يذكر فيه رواية، ولو سلم له قوله أن يطلق السرب على كل بيت كان قوله هذا حريًّا بأن يكون أقوى الأقاويل، إلا أن السرب يقال للبيت الذي هو في الأرض. الميسر (3/ 1106).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «‌آمنًا في ‌سربه» السِّرب -بكسر السين-: النفس والجماعة، يعني: ‌مَن كانت نفسه آمنة ‌من شر الأشرار، وأهله أيضًا آمنين. المفاتيح (5/ 288).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«مَن ‌أصبح ‌منكم ‌آمنًا في ‌سربه» بكسر السين على الأشهر أي: في نفسه، وروي بفتحها أي: في مسلكه وقيل: بفتحتين أي: في بيته. فيض القدير (6/ 68).

قوله: «معافىً في جسدِهِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«معافى» اسم مفعول ‌من باب المفاعلة، أي: صحيحًا سالِمًا ‌من العيوب «في جسده» أي: بدنه ظاهرًا وباطنًا. مرقاة المفاتيح (8/ 3250).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«معافى في جسده» ‌من الأمراض؛ لأن معها -لا سيما الشديد منها- يذهل المرء عن نظره في حسن حاله وما أنعم المولى به عليه ‌من أمن وسعة. دليل الفالحين (4/ 467).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«معافًى في جسده» أي: صحيحًا بدنه، سليمًا ‌من العيوب والآفات. المفاتيح (5/ 288).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«معافى في جسده» أي: صحيحًا بدنه. فيض القدير (6/ 68).

قوله: «عندَهُ قُوتُ يومِهِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عنده قوت يومه» أي: كفاية قوته ‌من وجه الحلال. مرقاة المفاتيح (8/ 3250).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«عنده قوت يومه» ‌من طعام وشراب وسائر ما يحتاج إليه ‌من أدوية ونحوها. دليل الفالحين (4/ 467).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«عنده قوت يومه» أي: غذاؤه وعشاؤه الذي يحتاجه في يومه ذلك، يعني: مَن جمع الله له بين عافية بدنه وأمن قلبه حيث توجه وكفاف عيشه بقوت يومه وسلامة أهله فقد جمع الله له جميع النعم التي ‌مَن ملك الدنيا لم يحصل على غيرها، فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها بأن يصرفها في طاعة المنعم لا في معصيتهِ ولا يفتر عن ذكره. فيض القدير (6/ 68).

قوله: «فكأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدنيا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فكأنما حِيزت» بصيغة المجهول ‌من الحيازة، وهي الجمع والضم «له» والضمير عائد لمن رابط للجملة أي: جمعت له «الدنيا» أي: «بحذافيرها» كما في نسخة مصححة، أي: بتمامها، والحذافير: الجوانب، وقيل: الأعالي، واحدها حذفار أو حذفور، والمعنى: فكأنما أعطي الدنيا بأسرها. مرقاة المفاتيح (8/ 3250).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فكأنما حِيزت» بكسر المهملة وسكون التحتية بعدها زاي، أي: ضُمت وجُمعت «له الدنيا» وفي رواية زيادة: «بحذافيرها» أي: بجوانبها، أي: فكأنما أعطي الدنيا بأسرها. دليل الفالحين (4/ 467).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فكأنما حيزت» بكسر المهملة «له الدنيا» أي: ضُمت وجُمعت، «بحذافيرها» أي: بجوانبها، أي: فكأنما أعطي الدنيا بأسرها، ومن ثم قال نفطويه:
إذا ما كساك الدهر ثوب مصحة *** ولم يخل ‌من قوت يحلى ويعذب
فلا تغبطن المترفين فإنه *** على حسب ما يعطيهم الدهر يسلب
وقال:
إذا القوت يأتي لك والصحة والأمن *** وأصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن
وفيه: حجة لمن فضل الفقر على الغنى. فيض القدير (6/ 68).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} قريش: 3، 4، فإذا كان المسلم ‌آمنًا في محله، صحيحًا، عنده ‌من القوت ما يكفه عن سؤال الناس، فهو في نعمة عظيمة. تطريز رياض الصالحين (ص:341).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

السعادة في الهداية والقناعة.

قيمة الدنيا بذكر الله والعلم.


إبلاغ عن خطأ