«لا يَلِجُ النارَ أحدٌ بكى من خشيةِ اللهِ حتى يعودَ اللبنُ في الضَّرْعِ، ولا يجتمعُ غبارٌ في سبيلِ اللهِ ودخانُ جهنمَ في مِنْخَرَيْ امرئٍ أبدًا» وقال: أبو عبدِ الرَّحمنِ الْمُقْرِئُ: «في مَنْخِرَيْ مُسْلِمٍ أبدًا».
رواه أحمد برقم: (10560) واللفظ له، والترمذي برقم: (1633)، والنسائي برقم: (3108)، وابن ماجه برقم: (2774)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ولفظ ابن ماجه: «فِي جَوْفِ عبدٍ مسلمٍ».
وزاد النسائي في رواية أخرى برقم: (3110): «ولا يجتمعُ الشُّحُّ والإيمانُ في قلبِ عبدٍ أبدًا».
صحيح الجامع برقم: (7616)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1269).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«لا يَلِجُ»:
أي: لا يدخل. الترغيب والترهيب، للمنذري (4/ 114).
«في مِنْخَرَيْ»:
الْمَنْخِرُ مثال مَسْجِدٍ: خَرْقُ الأنف، وأصله موضع النَّخِيرِ، وهو الصوت من الأنف، يقال: نَخَرَ يَنْخُرُ من باب قَتَلَ: إذا مَدَّ النَّفَس في الخياشيم، المصباح المنير، للفيومي (2/ 596).
وقال المجد -رحمه الله-:
ونُخْرَةُ الأَنْفِ: مُقَدِّمَتُهُ، أو خَرْقُهُ، أو ما بَيْنَ المنْخَرَيْنِ، أو أرْنَبَتُهُ. القاموس المحيط (ص: 480).
«الشُّحُّ»:
بالضم والكسر...: اللؤم، وأنْ تكون نفس الرجل كَزَّة حريصة على المنع، وقد أُضيف إلى النفس؛ لأنَّه غريزة فيها، وأمَّا البخل فهو المنع نفسه، ومنه قوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الأنفُسُ الشُّحَّ} النساء : 128. الكشاف، للزمخشري (4/ 505).
شرح الحديث
قوله: «لا يَلِجُ النارَ أحدٌ بكى من خشيةِ اللهِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «لن يلج النار» أي: لن يدخل النار، ولج يلِج: إذا دخل. المفاتيح (5/ 325).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا يلج النار» أي: لا يدخلها «مَن بكى من خشية الله» فإن الغالب من الخشية امتثال الطاعة، واجتناب المعصية. مرقاة المفاتيح (6/ 2478).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«لا يلج النار» أي: لا يدخلها «مَن بكى من خشية الله تعالى» هذا أرجى للعصاة التائبين الباكين من خشية الله. شرح المصابيح (5/ 454- 455).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«لا يلج النار رجل بكى من خشية الله» «مِنْ» فيه تعليلية، أي: لخشية الله الداعية إلى امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، ومَن كان كذلك لا يلجها بالوعد الكريم إلا تحلة القسم، وقال العاقولي: لعل المراد به: العارف به تعالى وهو العالم العامل؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فاطر: 28، وبالجملة فلا بد من نوع معرفة ليتصور الخشوع والبكاء؛ لأن البكاء ممن لا يعرفه بوجه ممتنع، انتهى، وأشار إلى سبب البكاء، وما ذكرته أولى؛ لأن الموصوف بما ذكرته القائم به من أهل الجنة ابتداء بالوعد الكريم، وظاهر الخبر إن لم يحمل على ذلك معارض؛ لما جاء في الأخبار من دخول قوم من عصاة المؤمنين النار. دليل الفالحين (4/ 364).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
اعلم: أن البكاء يكون من سبعة أشياء: البكاء من الحزن، والبكاء من الوجع، والبكاء من الفزع، والبكاء من الفرح، والبكاء من الرياء والكذب، والبكاء من الشكر، والبكاء من خشية الله -عز وجل-، وحق لمن لم يعلم ما جرى له من الحكم في سابق علم الله تعالى، بالسعادة جرى له القلم أم بالشقاوة؟ ولا يعلم ما الذي ينكشف له من الحال عند المعاينة؟ وبماذا يختم له؟ وهو فيما بين هاتين الحالتين قد ركب المحظورات، وخالف خالقه في المنهيات، أن يكثر بكاؤه ونحيبه. فتح القريب المجيب (6/ 404- 405).
وسُئل الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
ما معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لن يلج النار مَن بكى من خشية الله»؟
فأجاب: هذا يدلنا على فضل البكاء من خشية الله، وأن الله -عز وجل- يجعل من يكون كذلك ممن يدخل الجنة، لكن هذا لا يعني أن الإنسان إذا كان عليه ذنوب، وعنده معاصٍ، وهو لم يتب منها أنه يدخل الجنة من أول وهلة، إلا أن يشاء الله التجاوز عنه، أما إذا لم يتجاوز الله عنه فإنه يعذب على كبائره وجرائمه، وكونه حصل منه أمر حسن يستحق عليه دخول الجنة، فهذا مثل مَن يأتي بالحج طبقًا لما أمر، ولكنه مُصرٌّ على الكبائر، فلا يعني ذلك أن الحج يُكفِّر تلك الكبائر.
وعلى هذا فيكون هذا فيه ترغيب في البكاء من خشية الله، ومعلوم أنَّ هذا إنما يحصل من غير تكلف، وأما كون الإنسان يتكلف البكاء من غير أن يكون له داعٍ، فهذا ليس بصحيح؛ ولهذا جاء في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه». شرح سنن أبي داود (125/ 27).
قوله: «حتى يعودَ اللبنُ في الضَّرْعِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«حتى يعود اللبن في الضرع» فإن اللبن لا يمكن عوده إلى الضرع بعد أن خرج منه، فكذلك دخول الباكي من خشية الله النار. شرح المصابيح (4/ 329).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«حتى يعود اللبن في الضرع» هو مِثْل قوله تعالى: {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} الأعراف: 40، علَّقه على شيء لا يكون، ومعناه: لا يدخل النار أبدًا. فتح القريب المجيب (6/ 404).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«حتى يعود اللبن في الضرع» وذلك من التعليقات المستحيلة. شرح المصابيح (5/ 455).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «حتى يعود اللبن في الضرع» أي: يدخل من مسامه إليه، أي: وذلك محال عادة، فتعلق ولوج الخائف الوَجِل من الله تعالى، العارف بجلاله، القائم بما تقتضيه الخشية من امتثال الأوامر، واجتناب النواهي بعود اللبن إلى الضرع، والمراد بالولوج الدخول فيها، فلا ينافي وجوب المرور عليها المفسَّر به الورود، أما مَن لم يقم بقضية الخشية مما ذُكر ومات على غير الشرك من المعاصي فأمره إلى مولاه إن شاء أدخله الجنة مع الفائزين وعفا عنه ما جناه، وإن شاء حبسه بالنار قدر ما سبق في علمه، ثم أدخله الجنة لإيمانه بمحض فضله، وما ذكرتُ من أن المراد عود اللبن إلى الضرع من مسامها ليكون محالًا عاديًّا، وإلا فقد صرَّح الفقهاء بأن اللبن إذا تنجس أمكن تطهيره بأن تُسقاه نحو الشاة، ثم يخرج من ضرعها طاهرًا، وكذا إذا تنجس العسل يُسقاه النحل، ثم يمجه طاهرًا. دليل الفالحين (4/ 364).
قوله: «ولا يجتمعُ غبارٌ في سبيلِ اللهِ ودخانُ جهنمَ في مِنْخَرَي امرئٍ أبدًا» وفي لفظ: «في جوفِ عبدٍ مسلمٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا يجتمع» دخول «غبار» اغبرّ في حال الجهاد «في سبيل الله و» دخول «دخان» نار «جهنم في جوف» منخري أنف «عبد مسلم» فكأنهما ضدان لا يجتمعان؛ كما أنَّ الدنيا والآخرة نقيضان لا تجتمعان. مرشد ذوي الحجا والحاجة (16/ 198).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «لا يجتمع غبار في سبيل الله، ودخان جهنم في منخري مسلم أبدًا» يعني: مَن دخل الغبار منخره في الجهاد لا يدخل دخان جهنم منخره. المفاتيح (4/ 352).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم»، وفي رواية البيهقي وغيره: «ولا يجتمع غبار في سبيل الله في منخري مسلم أبدًا»، وسُئل ابن المبارك -قدس الله روحه- أيهما أفضل، معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: والله إنَّ الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفضل من عُمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «سمع الله لمن حمده»، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد، فما بعد هذا؟ فتح القريب المجيب (6/ 405).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فكأنهما ضدّان لا يجتمعان، كالأشياء المتضادّة التي لا يمكن الجمع بينها. ذخيرة العقبى(126/١٣٧)
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ولا يجتمع غبار في سبيل الله..» المراد جهاد أعداء الدين لوجه الله تعالى «ودخان جهنم» ظاهره أنَّ الجهاد في سبيل الله مقتضٍ لسلامة المجاهد من العذاب بالوعد الذي لا يخلف، فيحمل على ما إذا مات فيه أو بعده، ولم يقترف موبقًا يصدّه عن ذلك. دليل الفالحين (4/ 364- 365).
وقال ابن النحاس -رحمه الله-:
وقد رُوي أنَّ السيد الجليل عبد الله بن المبارك رُئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قال: بعملك الذي بثتته في الناس؟ قال: لا، ولكن بما دخل منخري من الغبار في سبيل الله تعالى. مشارع الأشواق (ص: 238-239).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وفي أخرى له» أي: في رواية أخرى للنسائي: «في جوف عبد أبدًا» أي: حيث دخل فيه الغبار، فيمتنع دخول الدخان عليه؛ لأن الاجتماع في حيز الامتناع. مرقاة المفاتيح (6/ 2478).
قوله: «ولا يجتمعُ الشُّحُّ والإيمانُ في قلبِ عبدٍ أبدًا»:
قال العسكري -رحمه الله-:
الفَرْقُ بين الشُّح والبخل: أنَّ الشُّح الحرص على منع الخير، ويُقال: زند شحَّاح إذا لم يُورِ نارًا، وإنْ أشح عليه بالقدح، كأنَّه حريص على منع ذلك، والبخل منع الحق، فلا يُقال لمن يُؤدِي حقوق الله تعالى: بخيل. معجم الفروق اللغوية (ص: 295).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ولا يجتمع الشحّ» أراد به: منع الزكاة ونحوها «والإيمان» أي: كمال الإيمان «في قلب عبد أبدًا». شرح المصابيح (4/ 329).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ولا يجتمع الشحّ والإيمان في قلب عبد أبدًا» يعني: مَن كان في قلبه الشحّ لا يكون في قلبه الإيمان، ومَن كان في قلبه الإيمان لا يكون في قلبه الشحّ.
وهذا مشكل إن أريد بالشحّ منع الزكاة مع اعتقاد وجوبها، أو أريد به منع الصدقات؛ لأن الإيمان يجتمع في قلب مانع الصدقات ومانع الزكاة مع اعتقاد وجوبها.
وتصحيح معنى هذا الحديث أنْ نقول: لا يجتمع الإيمان ومنع الزكاة مع اعتقاد أنها غير واجبة؛ لأنه حينئذٍ يصير كافرًا لإنكار ركن من أركان الإسلام.
أو نقول: يريد -صلى الله عليه وسلم- بالإيمان هنا: كمال الإيمان؛ يعني: لا يجتمع كمال الإيمان، ومنع الصدقات والزكاة في قلب رجل. المفاتيح (4/ 352- 353).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا يجتمع الشُّح» أي: البخل الذي يوجب منع الواجب، أو يجر إلى ظلم العباد «والإيمان» أي: الكامل «في قلب عبد أبدًا»...، وقال -صلى الله عليه وسلم- وقد قيل: إنه من الآيات المنسوخة: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثًا، ولن يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على مَن تاب»، وأما البخل فهو المنع نفسه. مرقاة المفاتيح (6/ 2478).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«ولا يجتمع شحّ وإيمان في قلب عبد أبدًا» الحديث، هذا زجر وتهديد للبخيل، وليس معناه: أنَّ البخيل ليس بمؤمن، أو المراد الإيمان الكامل. فتح القريب المجيب (10/ 672).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: فضل البكاء من خشية الله تعالى؛ لأن الخشية تحمله على امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فلا يدخلها بوعده الصادق إلا تحلة القسم. تطريز رياض الصالحين (ص: 305- 306).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله- أيضًا:
فيه: بشارة بالنجاة من النار لمن خشي الله تعالى، وللمجاهدين في سبيل الله. تطريز رياض الصالحين (ص: 722).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
- الشحّ طريق الهلاك والتحلل من الحرمات.