السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«إنْ كنَّا لَنَعُدُّ لرسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ- في المَجلِسِ الواحدِ مائةَ مرَّةٍ: ربِّ اغفرْ لي، وتُبْ عليَّ، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحيمُ».


رواه أحمد برقم: (4726)، وأبو داود برقم: (1516) واللفظ له، والترمذي برقم: (3434)، والنسائي في الكبرى برقم: (10219) وابن ماجه برقم: (3814)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
ولفظ أحمد الترمذي والنسائي وابن ماجه: «إنك أنت التوابُ الغفورُ».
صحيح الجامع برقم: (3486)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (556).


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «إنْ كنَّا لنَعُدُّ لرسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ- في المَجلِسِ الواحدِ، مائةَ مرَّةٍ»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «إنْ» مخفّفة من المثقّلة؛ بقرينة المقام، «كُنَّا لنَعُدّ» اللام فارقة، و«نَعدُّ» بفتح النون، وضم العين، وتشديد الدال، أي: لَنُحصي «لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-» متعلق بـ«نَعُدُّ» «في المجلس»... وزاد الترمذي أيضًا «من قبل أن يقومَ». مرعاة المفاتيح (8/ 57).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال ابن عمر: «إنْ» مخفّفة من الثقيلة؛ بدليل ذكر اللام الفارقة بعدها، واسمُها ضمير الشأن محذوف وجوبًا، تقديره: "إنّه" أي: إن الشأن والحال «كُنَّا» معاشرَ الصحابة «لنَعُدُّ» ونحسب... «لرسول الله» متعلق بـ«نَعُدُّ» وقوله: «مائة مرّة» منصوب على المفعولية (مفعول مطلق) لـ«نَعدُّ». مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 321).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فيه معنى التأكيد، وأن العدَّ واقعٌ ألبتة... المعنى: كنا نُكثر أن نعدَّ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. الكاشف (6/ 1855).

قوله: «ربِّ اغفرْ لي، وتُب عليَّ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ربِّ اغفر لي، وتُب عليَّ» قيل: المراد بسؤال المغفرة والتوبة: الدوام والاستمرار عليهما، لا أنَّ له ذنبًا، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} النساء: 136، فهم موصوفون بالإيمان، وتحصيل الحاصل مُحال، بل المراد: داوِمُوا على الإيمان، وقيل: المراد تعليم أمَّته لتُكرر سؤال المغفرة والتوبة. شرح سنن أبي داود (7/ 318).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «ربِّ اغفر لي...» الجملة في محل نصب مفعول «نَعُدُّ» وقوله: «وَتُبْ عليَّ» أي: ثَبِّتْنِي على التوبة، أو ارْجِع عليّ بالرحمة بتوفيق الطاعة. الفتوحات الربانية (7/ 279).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «ربِّ اغفرْ لي» وكأنه كان يقول ذلك عملًا بقوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} النصر: 3، وتمسُّكًا بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} البقرة: 222.
والحديث يدلُّ على أن استغفاره -صلى الله عليه وسلم- كان بلفظ الدعاء، وقد رجَّحوه على قول القائل: أستغفرُ الله؛ لأنه إن كان غافلًا ولاهيًا في ذلك كان كذبًا، بخلاف الدعاء؛ فإنه قد يُستجاب إذا صادف الوقت، وإن كان مع الغفلة، كذا قالوا، وهذا مبنيٌّ على أن قوله: "أستغفر الله" خبر، ويجوز أن يكون إنشاءً وهو الظاهر... «وتُب عليَّ» أي: ارجِعْ عليّ بالرحمة، أو وفِّقني للتوبة، أو اقبل توبتي. مرعاة المفاتيح (8/ 57).
وقال ماهر بن عبد الحميد -حفظه الله-:
قوله: «ربِّ اغفر لي» توسُّل بربوبية اللَّه -عز وجل- العظيمة في أن يستر اللَّه على عبده الذنب، ويتجاوز عنه.
قوله: «وتُبْ عليَّ» أي: وفّقنا للتوبة فنتوب، والتوبة من العبد: هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة، ومن اللَّه -عز وجل-: هي توفيق العبد للتوبة، ثم قبولها منه. شرح الدعاء (ص: 436).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
سبب تكثير الاستغفار... إزالة الغَين عن قلبه الشريف؛ ولتعليم الأمَّة. بذل المجهود (6/ 251).
وقال ابن حبان -رحمه الله-:
كان المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يستغفر ربه -جل وعلا-... وقد غَفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولاستغفاره -صلى الله عليه وسلم- معنيان:
أحدهما: أن الله -جل وعلا- بعثه معلِّمًا لخَلْقِه قولًا وفعلًا، فكان يعلِّم أمَّته الاستغفار والدوام عليه؛ لِمَا علِم من مقارفتها المآثم في الأحايين، باستعمال الاستغفار.
والمعنى الثاني: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يستغفر لنفسه عن تقصير الطاعات لا الذنوب؛ لأن الله -جل وعلا- عَصَمَهُ مِن بين خَلْقِهِ، واستجاب له دعاءه على شيطانه حتى أسلمَ، وذاك أنَّ مِن خُلق المصطفى -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أتى بطاعة لله -عز وجل- داوم عليها ولم يقطعها، فربما شُغل بطاعةٍ عن طاعة حتى فاتته إحداهما، كما شُغل -صلى الله عليه وسلم- عن الركعتين اللتين بعد الظهر بوَفْدِ تميم، حيث كان يقسِّم فيهم، ويحملهم، حتى فاتته الركعتان اللتان بعد الظهر، فصلّاهما بعد العصر، ثم داوم عليهما في ذلك الوقت فيما بعدُ، فكان استغفاره -صلى الله عليه وسلم-؛ لتقصير طاعة أن أخّرها عن وقتها من النوافل؛ لاشتغاله بمثلها من الطاعات، التي كان في ذلك الوقت أولى من تلك التي كان يواظبُ عليها، لا أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يستغفر من ذنوب يرتكبها. صحيح ابن حبان (7/ 449 - 450).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- معلقًا:
أراد -صلى الله عليه وسلم- بذلك تعليم أمَّته، وملازمته الخضوع والعبودية، والاعتراف بالتقصير، وإلا فهو مبرّأٌ من كل نقص... وقال بعضهم: إنه لم يزل في الترقي، فإذا ترقّى إلى حال رأى ما قبلها دُونه استغفر منه، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وما ألطفه! ومثله المراد به عن الفترات والغفلات عن الذِّكْر الذي كان شأنه على الدوام عليه، أو همّه بسبب أمَّته، وما اطّلع عليه مِن أحوالها بعدُ، أو سببه اشتغاله بالنظر في مصالح الأمَّة عن عظيم مقامه، أو شكرًا لما أُوْلِي، ولا شك أن أولى العباد بالاجتهاد في العبادة الأنبياء؛ لما حَبَاهُم به مِن معرفته، فهم دائبون في شكره، معتَرِفُون له بالتقصير، ولا يُدِلُّون (يَمُنُّون) عليه بالأعمال، مستكنُّون خاشعون. التوضيح (29/ 190 - 191).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قال أهل التحقيق: معناه: كان رسول الله -عليه السلام- يحب أن يكون قلبه أبدًا حاضرًا له تعالى، بحيث لا يغفل لَمْحَة، فلما اشتغل بشيء من أحوال الدنيا، كالتكلم مع أحد، والأكل والشرب والنوم ومعاشرة الأزواج، يلومُ نفسه بترك كمال الحضور، ويعدُّه تقصيرًا، ويستغفر منه. المفاتيح (3/ 171 - 172).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما استغفاره -صلى الله عليه وسلم-... مع أنه مغفور له، فهو من باب العبودية والإذعان والافتقار إلى الله تعالى، والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم (4/ 202).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
النبي -صلى الله عليه وسلم- قد يقع منه الخطأ؛ ولهذا طَلَب المغفرة؛ فإنْ قال قائل: لعل النبي -صلى الله عليه وسلم- قصد بذلك التعليم، وأنه لم يقع منه الخطأ، فالجواب: هذا خلاف الظاهر...، ويرِد على هذا أيضًا بأن الله تعالى صرَّح بأن للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين، فقال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} محمد: 19، إذن لو قال قائل: إذا قررتَ هذا فما الفرق بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين غيره من البشر؟
فالجواب: الفرق من عدة أمور:
أولًا: النبيُّ لا يمكن أن يقع منه الشرك إطلاقًا.
ثانيًا: لا يمكن أنْ يقع منه التكذيب.
ثالثًا: لا يمكن أنْ يقع منه ما يخلُّ بالشرف والأخلاق الفاضلة.
رابعًا: أنه لا يقع منه شيء من الكبائر إلا عن اجتهاد، ثم يمنُّ الله عليه بالتوبة.
خامسًا: أنه لو قُدّر أنه حصل منه صغيرة من الصغائر فإنه لا يُقَرَّ عليها، لا بد أن يُنبَّه لها، وأن يُقْلِعَ عنها، أما غيره فكل هذا يمكن في حقه، وكفى بذلك شرفًا -عليهم الصلاة والسلام- أن يكونوا مُنزَّهِين عن مثل هذه الأمور. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 509).

قوله: «إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحيمُ» وفي رواية «إنك أنت التوابُ الغفورُ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إنّك أنت التوَّابُ الرحيم» وعند الترمذي والنسائي وابن ماجه: «إنك أنت التواب الغفور...» ... ولفظ رواية المصنف (أبي داود) أقرب إلى لفظ القرآن: {وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} البقرة: 128. شرح سنن أبي داود (7/ 318).
وقال ماهر بن عبد الحميد -حفظه الله-:
قوله: «إنّكَ أنت التّواب الغفور» تعليل للطلب، فهي وسيلة يَتَوسّل بها الداعي إلى حصول المطلوب، والتوّاب هو: اسم من أسماء اللَّه تعالى الحسنى، على صيغة المبالغة على وزن "فعّال"؛ لكثرة مَن يتوب اللَّه -عز وجل- عليهم، وكثرة توبته على العبد، و«الغفور» هو الذي يستر ذنوب عباده، ويغطّيهم بسِتْرِه، ولا يخفى في الختام بهذين الاسمين ما يناسب المطلوب، وهذا الذي ينبغي للداعي أن يتوسَّل إلى ربه بأسمائه الحسنى بما يناسب مطلوبه؛ تحقيقًا لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} الأعراف: 180. شرح الدعاء (ص: 436).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«التواب» صيغة مبالغة؛ لكثرة من يتوب الله عليهم، وكثرة توبته على العبد نفسه، و«الرحيم» أي: الموصوف بالرحمة التي يَرحم بها مَن يشاء من عباده...، اسمين من أسماء الله -سبحانه وتعالى-. تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة (2/ 63-64).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «التَّواب» أي: وهَّاب التوبة، وموفِّقها، وقَابِلَها، ومُثيبُها و«الرحيم» أي: كثير الرحمة على أهل الطاعة، والراجعين عن المعصية والغفلة. الفتوحات الربانية (7/ 279).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا وهو النبيّ -صلى الله عليه وسلم- الذي غُفر له ما تقدم مِن ذنبه وما تأخر، فكيف بنا؟ ولكن قلوبنا قاسية ميّتة، لَيُغَانُ (يُغَطَّى) عليها بكثرة الذنوب، ولا يهتم الواحد منّا بما فعل؛ ولذلك تجد الإنسان غير مبالٍ بمثل هذا، وقليلَ الاستغفار، والذي ينبغي للإنسان أن يكون له أسوة حسنة في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر الاستغفار، كما قال ابن عمر: «إننا نعُدُّ للنبي -صلى الله عليه وسلم- في المجلس الواحد مائة مرة أو أكثر: ربِّ اغفر لي وارحمني». شرح رياض الصالحين (6/ 715).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
في الحديث: الترغيب في كثرة الاستغفار بهذه الكلمات؛ لأنه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- مع كونه معصومًا مغفورًا له كان يستغفر في المجلس الواحد مائة مرة، فغيره ممَّن ليس بمعصوم أولى، وكان -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- يكثر من الاستغفار؛ تعليمًا لأمَّته، وامتثالًا لقول الله -تعالى-: {وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} النصر: 3. المنهل العذب المورود (8/ 180).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
فيه: زيادة في الخضوع لله.
وفيه: إيماءٌ إلى أنّ مِن أدب الدعاء أن يَختم الداعي دعاءه بما يناسبه من أسماء الله -تعالى-. تطريز رياض الصالحين (ص: 1070)
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: مع ما كان مختصًّا به من الحالات المذكورة في الغَيْن: تعليم لأمَّته، وحثٌّ وحملٌ على التوبة والاستغفار. الأزهار مخطوط لوح (238).

وللفائدة ينظر:

ملازمة النبي ﷺ للتوبة والاستغفار في جميع أحواله.

حكم تحديد الاستغفار.. بعدد في زمن معينٍ .


إبلاغ عن خطأ