الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

طُفْتُ مع عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، فلمَّا فَرَغْنَا مِن السَّبْعِ، ركعنا في دُبُرِ الكعبةِ فقلتُ: ألا نَتَعَوَّذُ باللَّهِ مِن النَّارِ؟ قال: «أَعُوذُ باللَّهِ مِن النَّارِ» قال: ثم مَضَى، فاسْتَلَمَ الرُّكنَ، ثم قام بيْنَ الحَجَرِ والبابِ، فأَلْصَقَ صدرَهُ ويديْهِ وخَدَّهُ إليه، ثم قال: «هكذا رأيتُ رسولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يفعلُ».


رواه أبو داود برقم: (‌1899) وابن ماجه برقم: (2962) واللفظ له، وعبد الرزاق الصنعاني برقم: (9043) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5012)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2138).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الرُّكنَ»:
ناحية قوية من جبلٍ أو دارٍ، والجمْع: أركانٌ. العين، للخليل (5/ 354).
وقال النووي -رحمه الله-:
الركن (هنا) الذي فيه الحَجَر الأسود، ويُقال له: العراقي؛ لكونه إلى جهة العراق. المنهاج شرح صحيح مسلم (8/ 94).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «طُفْتُ مع عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» شعيبُ بن محمد: «طفتُ مع» جدي «عبد الله بن عمرو» بن العاص، طواف الزيارة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 254).

قوله: «فلمَّا فَرَغْنَا مِن السَّبْعِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلما فرغنا» أنا وجدي عبد الله بن عمرو «من السبع» الأشواط. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 254).

قوله: «ركعنا في دُبُرِ الكعبةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ركعنا» أي: صليتُ أنا وجدي عبد الله سُنَّة الطواف «في دُبُر الكعبة» أي: خلف باب الكعبة؛ يعني: ما بين الركنين اليمانيين. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 254).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ركعنا في دُبُر الكعبة» يدلُّ على أنَّ الصلاة خلف المقام غير لازم. كفاية الحاجة (2/ 225-226).
وقال أمين محمود السبكي -رحمه الله-:
«دبر الكعبة» أي: أتينا جنوبها لصلاة ركعتي الطواف، ففي رواية ابن ماجه: «فلما فرغنا من السبع ركعنا في دبر الكعبة» أي: لما طُفنا السبعة الأشواط، صلينا ركعتي الطواف دبر الكعبة، وهو يدل على أنَّ صلاة الطواف خلف المقام غير متعيِّن. فتح الملك المعبود (1/241).

قوله: «فقلتُ: ألا نَتَعَوَّذُ باللَّهِ مِن النَّارِ؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال شعيبُ بن محمد: «فقلتُ» لجدي عبد الله بن عمرو: «أَلَا تتعوذ» وتستعيذ (وفي نسخة: نتعوذ ونستعيذ) «بـ» عصمة «الله» تعالى «من» عذاب «النار؟». مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 254).

قوله: «قال: أَعُوذُ باللَّهِ مِن النَّارِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
فـ«قال» جدي: «أعوذ» وأستعيذ «بـ» قُدرة «الله» تعالى «من» عذاب «النار». مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 254).
وقال النووي -رحمه الله-:
ويُستحبّ إذا فرغَ من الطواف، ومن صلاة ركعتي الطواف أنْ يدعوَ بما أحبّ. الأذكار (ص: 195).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من الأخطاء أيضًا في هاتين الركعتين (ركعتي الطواف): أنَّ بعض الناس إذا أتمهما جعل يدعو؛ يرفع يديه ويدعو دعاء طويلًا، والدعاء بعد الركعتين هنا ليس بمشروع؛ لأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يفعله، ولا أرشد أمَّته إليه، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فلا ينبغي للإنسان أنْ يبقى بعد الركعتين ليدعو؛ لأنَّ ذلك خلاف السُّنة؛ ولأنه يؤذي الطائفين إذا كان الطواف مزدحمًا؛ ولأنه يحجز مكانًا غيره أولى به ممن أتموا الطواف، وأردوا أن يصلوا في هذا المكان. فقه العبادات (ص: 341).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
بالمناسبة أُحب أنْ أنبِّه على مسألة، وهي أنَّ بعض المعتمرين والحُجاج يقف عند مقام إبراهيم ويدعو بدعاء لم يرد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وربما يدعو بصوت مرتفع، فيشوِّش على الذين يصلُّون ركعتي الطواف خلف المقام، وليس للمقام دعاء، بل السُّنة تخفيف الركعتين خلفه، ثم يقوم بعد التسليم مباشرة؛ ليترك المكان لمن هو أحقُّ به منه، من الذين يريدون صلاة ركعتي الطواف. مجموع فتاوى ورسائل (22/ 412).

قوله: «قال: ثم مَضَى، فاسْتَلَمَ الرُّكنَ»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ثم مضى» أي: لاستلام الحَجَر. بذل المجهود (7/ 317).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» شعيب بن محمد: «ثم» بعد استعاذته من عذاب النار خلف الكعبة، في موضع صلاتنا «مضى» وذهب جدي إلى ركن الحَجَر «فاستلم» بيده ومسح «الركن» أي: ركن الحَجَر، والحَجَر أيضًا، يقال: استلم الحَجَر؛ إذا لمسه وتناوله. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 254).

قوله: «ثم قام بيْنَ الحَجَرِ والبابِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم» بعدما استلم «قام» جدي عبد الله بن عمرو، ووقف في الْمُلْتَزَم الذي هو ما «بين الحَجَر» الأسود «والباب» أي: باب الكعبة المشرفة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 254-255).
وقال السندي -رحمه الله-:
«بين الحجر والباب» أي: عند الْمُلْتَزَم. كفاية الحاجة (2/ 225-226).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«وأقام بين الركن» أي: ركن الحَجَر «والباب» أي: باب البيت، وهذا هو الْمُلْتَزَم. بذل المجهود (7/ 317).
وقال النووي -رحمه الله-:
(و) المُلتَزم: بفتح الزَّاي، سُمي بذلك؛ لأنهم يلتزمونه (يضمونه إلى صدورهم) في الدُّعَاء، ويُقال له: الْمُدعى والمتعوَّذ، بفتح الواو، وهو بين الرُّكْن الذي فيه الحَجَر الأسود وباب الكعبة، وهو من المواضِع التي يُستجاب فيها الدُّعَاء هناك. تحرير ألفاظ التنبيه (ص: 159).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
وأحبُّ له إذا ودَّع البيت أنْ يقف في الملتزم، وهو بين الركن والباب، فيقول: اللهم إنَّ البيت بيتك، والعبد عبدك... وما زاد إنْ شاء الله تعالى أجزأه. الأم (3/ 576).
وقال السمرقندي الحنفي -رحمه الله-:
ثم يأتي المُلْتَزم، وهو بين الحجر الأسود والباب، ويضَع صَدره ووَجهه عليه. تحفة الفقهاء (1/ 410).
وقال القيرواني المالكي -رحمه الله-:
ومن كتاب ابن المواز: قيل لمالكٍ: فإذا ودَّع أيأتي الملتزم إذا أمكنه؟ قال: ذلك واسعٌ، قيل: والذي يلتزِم أيتعلق بأستار الكعبةِ؟ قال: لا، ولكن يقفُ ويدعو. النوادر والزيادات (2/ 438).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قال في الروض (أي: البهوتي الحنبلي): يُلْصِقُ به وجهه وصدره وذراعيه وكفَّيه مبسوطتين، وهذا يُسمَّى الالتزام عند أهل العلم، والمكان هذا يُسمى الْمُلْتَزَم، وهذه مسألة اختلف فيها العلماء مع أنَّها لم ترد عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، وإنَّما جاءت عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم-.
فهل الالتزام سنة؟ ومتى وقته؟ وهل هو عند القدوم أو عند المغادرة أو في كل وقت؟
وسبب الخلاف بين العلماء في هذا: أنه لم ترد فيه سُنة عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، لكن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يفعلون ذلك عند القدوم.
والفقهاء قالوا: يفعله عند المغادرة، فيلتزم في الملتزم، وهو ما بين الركن الذي فيه الحَجَر والباب، على الصفة التي ذكرها في الروض، ويقول ما ورد، ثم ذكر صاحب الروض -رحمه الله- دعاءً طويلًا...، ويدعو بما أحب، ويصلي على النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، وعلى هذا فالالتزام لا بأس به ما لم يكن فيه أذية وضيق. الشرح الممتع (7/372- 373).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وإنْ أَحَبَّ أنْ يأتي الملتزم، وهو ما بين الحَجَر الأسود والباب، فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفيه، ويدعو ويسأل الله تعالى حاجته، فعل ذلك، وله أنْ يفعل ذلك قبل طواف الوداع، فإنَّ هذا الالتزام لا فرق بين أنْ يكون حال الوداع أو غيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة. مجموع الفتاوى (26/ 142).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وأما... وقوفه (-صلى الله عليه وسلم-) في الملتزم فالذي رُوي عنه أنه فعله يوم الفتح، ففي سنن أبي داود عن عبد الرحمن بن أبي صفوان، قال: «لما فَتح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة، انطلقتُ فرأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد خرج من الكعبة هو وأصحابه، وقد استلموا الركن من الباب إلى الحَطِيم، ووضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسطهم».
وروى أبو داود أيضًا: من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: «طُفتُ مع عبد الله، فلما حاذى دبر الكعبة، قلتُ: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه هكذا، وبسطهما بسطًا، وقال: هكذا رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعله».
فهذا يحتمل أنْ يكون في وقت الوداع، وأنْ يكون في غيره، ولكن قال مجاهد والشافعي بعده وغيرهما: إنه يُستحب أنْ يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ويدعو «وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يلتزم ما بين الركن والباب، وكان يقول: لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه» والله أعلم. زاد المعاد (2/ 274).

قوله: «فأَلْصَقَ صدرَهُ ويديْهِ وخَدَّهُ إليه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فألصق» جدي «صدره ويديه» أي: كفيه «وخده إليه» أي: إلى ما بين الحَجَر والباب، المسمى بالملتزم؛ لالتزام الداعي، وضمه صدره، ويديه إليه. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 255).

قوله: «ثم قال: «هكذا رأيتُ رسولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يفعلُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم» بعدما ألصق صدْره ويديه إلى الملتزم، ودَعا الله حاجته «قال» جدي: «هكذا» أي: مثل ما فعلتُه أنا «رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعلــه». مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 255).
وقال أمين محمود السبكي -رحمه الله-:
الفقه:
دلَّ الحديث على أنَّه يُستحب بعد طواف الوداع استلام الملتزم، وهو ما بين الحَجَر الأسود، وباب الكعبة، بأنْ يُلصق بطنه وصدره وخده الأيمن بحائط البيت، ويبسط يديه على الجدار، فيجعل اليمنى مما يلي الباب، واليسرى مما يلي الحَجَر الأسود، ويدعو بما أحب من أمر الدنيا والآخرة، باكيًا، أو متباكيًا؛ تحسرًا على فراق البيت. فتح الملك المعبود (1/241).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الوقوف في الملتزَم لم يَرِدْ فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُنة، ولكن كان من فعل الصحابة -رضي الله عنهم-، ويدعو فيه بما أحب، وموضعه من الكعبة ما بين الحَجَر الأسود والباب. مجموع الفتاوى (22/ 418).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه وقف بالملتزَم، ولا بين الملتزم والحطيم، الأحاديث فيها كلها ضعيفة، صح موقوفًا عن ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهما-، وفعله بعض الصحابة. شرح الحج من البلوغ (ص: 58).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الملتزَم: ما بين الباب والحَجَر الأسود، فالمكان إذًا ضيق جدًّا، وفي أيامنا هذه أيام المواسم، لا يمكن للإنسان أنْ يلتزم:
أولًا: لأنه يتأذَّى تأذيًّا عظيمًا.
وثانيًا: أنه يعوق الطائفين، فيؤذي الطائفين، وأيضًا أصل الالتزام لم يثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ ولهذا توقف فيه بعض العلماء، فقيل: الالتزام في غير هذا المكان، نجد بعض الناس في كل مكان من الكعبة يلتزم؛ يلصق صدره ويمد يديه على صدر الكعبة، هذا بدعة، فصار الآن عندنا مكان الالتزام ما بين الباب والحَجَر، هل هو سنة أم لا؟
الجواب: توقَّف فيه بعض العلماء؛ لأنه لم يثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، هل ينبغي أن يفعله الإنسان في أيام المواسم والزحام؟
الجواب: لا؛ لما في ذلك من الأذية على نفسه وعلى غيره. لقاء الباب المفتوح (7/ 115).
وقال السندي -رحمه الله-:
قيل: الحديث ضعيف، والعمل عليه لمسامحتهم في فضائل الأعمال بالعمل بالحديث الضعيف. كفاية الحاجة (2/ 225-226).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قلتُ: فدرجة هذا الحديث: أنَّه حسن؛ لكون سنده حسنًا، ويؤيده إجماع الأُمَّة على العمل به قديمًا وحديثًا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 255).

وللفائدة ينظر:

الدعاء المأثور بين الركن اليماني والحجر الأسود.

حكم التمسح بحيطان الكعبة.


إبلاغ عن خطأ