أَنه لما حضرهُ الموت دَعَا بثياب جُدُدٍ فَلَبِسَهَا، ثم قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ المَيِّتَ يُبعَثُ في ثِيَابِهِ التي يَمُوتُ فِيها».
رواه أبو داود برقم: (3114)، وابن حبان برقم: (7316)، والحاكم برقم: (1260)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1671)، صحيح سنن أبي داود برقم: (2727).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«يُبْعَث»:
الباء والعين والثاء أصل واحد، وهو الإثارة. مقاييس اللغة، لابن فارس (1/ 266).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
البَعثُ: النَّشر، وبَعَثَ الموتى: نَشَرَهُم لِيوم البعث، وبَعَثَ الله الخلق يَبْعَثُهُم بَعْثًا. تاج العروس(5/ 169).
شرح الحديث
قوله: «إنَّ المَيِّت يُبعَثُ في ثِيَابِه التي يَمُوت فِيها»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إنَّ الميتَ يُبْعَثُ» أي: مِن قبره، كما قال الله تعالى حكايةً عن الأموات: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا} يس: 52، «في ثيابه التي يموت فيها» إذا كان البعث من القبور غير الحشر في أرض المحشر فيجوز أن يكون البعث في الثياب التي مات فيها، ويحشر الخلائق حفاةً عراةً غُرْلًا (غير مختونين). شرح سنن أبي داود (13/ 325-326).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«الميِّت يُبعث في ثيابه التي يموت فيها» قيل: في أعماله؛ لتصريح الأخبار بأنهم يحشرون عراة، وقيل: بل هو على ظاهره، ولا ينافيه حديث: الحشر عراة؛ لأن البعض يحشر كاسيًا، أو يُخرجون من قبورهم في ثيابهم، ثم تتناثر عنهم. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 496).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
العقل لا يأبى حَمْلُه على ظاهره حسبما فَهِمَ منه الراوي (أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-)؛ إذ لا يبعد إعادة ثيابه البالية، كما لا يبعد إعادة عِظامه الناخرة؛ فإن الدليل الدال على جواز إعادة المعدوم لا تخصيص له بشيء دون شيء. تحفة الأبرار (1/ 433).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
حمله راويه أبو سعيد الخدري على ظاهره، فيكون الجمع بينه وبين ما قبله من الأحاديث في الحشر عراة: أنهم يكونون أو بعضهم عراة إلى موقف الحساب أو قبله، ثم يُكسى إبراهيم -عليه السلام-، ثم يُكسى الأنبياء -عليهم السلام-، ثم يُكسى الأولياء، فتكون كسوة كل إنسان مِن جنس ما يموت فيه، حتى إذا دخلوا الجنة أُلْبِسُوا من ثياب الجنة، ويُبعثون مِن قبورهم في ثيابهم التي يموتون فيها، ثم عند الحشر تتناثر عنهم ثيابهم فيُحشرون أو بعضهم إلى موقف الحساب عراة، ثم يُكسون من ثياب الجنة، والله أعلم.
وقد حمله بعض أهل العلم على العمل، أي: في أعماله التي يموت فيها من خير أو شر، قال الله -عز وجل-: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} الأعراف: 26، وقال: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} المدثر: 4، قال قتادة: يقول: عملك فأَخْلِصْهُ.
وعن جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يبعث كل عبد على ما مات عليه» أخرجه مسلم في الصحيح من حديث جرير عن الأعمش، وروينا عن فضالة بن عبيد، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من مات على مرتبة من هذه المراتب بُعث عليها يوم القيامة» وهذان الخبران يؤكدان قول مَن حمل الخبر الأول على العمل، والله أعلم. البعث والنشور (ص: 224-225).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وممن حمله على عمومه: معاذ بن جبل، فأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن عن عمرو بن الأسود قال: «دَفَنَّا أم معاذ بن جبل، فأمر بها فكُفِّنت في ثياب جُدُدٍ، وقال: أَحْسِنُوا أكفان موتاكم؛ فإنهم يحشرون فيها». فتح الباري (11/ 383).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
أما أبو سعيد فقد استعمل الحديث على ظاهره، وقد روي في تحسين الكفن أحاديث، وقد تأوله بعض العلماء على خلاف ذلك فقال: معنى الثياب العمل، كنَّى بها عنه، يريد أنه يُبعَث على ما مات عليه من عمل صالح أو عمل سيئ، قال: والعرب تقول: فلان طاهر الثياب، إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب، ودَنِس الثياب إذا كان بخلاف في ذلك، واستدل في ذلك بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تُحشر الناس حفاة عراة»، فدلَّ ذلك على أن معنى الحديث ليس على الثياب التي هي الكفن، وقال بعضهم: البعث غير الحشر، فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب والحشرُ مع العُرْيِ والحَفَا. معالم السنن (1/ 301-302).
وقال العيني -رحمه الله- مُعلقًا:
قلتُ: ذِكُرُ الخطابي الكفنَ في هذا الموضع ليس له وجه؛ لأن الكلام في الثياب التي يموت فيها الميت، وهي غير الكفن، نعم وردت أحاديث في تحسين الكفن، ولكن ليس لذلك تعلق بما نحن فيه، وإنما قال -عليه السلام- هذا القول ترغيبًا لمن حضره الموت أن يلبس أحسن ثيابه وأنظفها في ذلك الوقت؛ لأنه وقت قدومه على الرب الكريم، ووقت اتصاله بجواره، فينبغي أن يكون في ذلك الوقت على هيئة حسنة نظيفة.
والحديث يدل على أنَّ الميت يُبعث في ثيابه، وأما عُريه وحفاه فذاك عند الحشر، والحشر غير البعث، -والله أعلم-، والحديث لم يخرجه غير أبي داود من الأئمة الستة. شرح أبي داود (6/ 32).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وقد رأى بعض العلماء الجمع بين الحديثين، فقال: البعث غير الحشر، فقد يجوز أنْ يكون البعث مع الثياب، والحشر مع العَرْي والحَفاة، ولم يصنع شيئًا، فإنه ظن أنه نصر السُّنة، وقد ضيع أكثر مما حفظ؛ فإنه سعى في تحريف سُنن كثيرة ليست في كلام أبي سعيد، وقد قال: «في ثيابه التي يموت فيها» وليس لهم أنْ يحملوها على الأكفان؛ لأنه إنما يكفن بعد الموت. الأزهار شرح المصابيح مخطوط لوح (196).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قلتُ: وحديث الكتاب: «إذا وَلِيَ أحدُكم أخاه فليُحْسِنْ كفنه...» يبعد حمله على العمل؛ لقوله: «إذا وَلِيَ» وقوله: «فليُحْسِن كفنه» فإنه يُحمل على توسيع الثوب نفسه، كما حمله عليه الترمذي على أنه يحتمل أن يراد بالبعثة: البعثة في القبر عند سؤال الملكين له. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 239).
وقال ابن حبان -رحمه الله-:
قوله -عليه السلام-: «الميت يُبعث في ثيابه التي قُبض فيها» أراد به في أعماله، كقوله -جل وعلا-: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} المدثر: 4، يريد به: وأعمالك فأَصْلِحْهَا، لا أنَّ الميت يُبعث في ثيابه التي قُبض فيها؛ إذ الأخبار الجمَّة تُصرِّح عن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بأنَّ الناس يُحشرون يوم القيامة حُفاة عُراة غُرْلًا (غير مختونين). صحيح ابن حبان (16/ 308).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
ذهب الجمهور من أصحاب المعاني -لا سيما المحققون منهم-: أن الثياب في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الميت يُبعث في ثيابه التي يموتُ فيها» كناية عن الأعمال التي يموت عليها، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يُبعَثُ العبد على ما مات عليه» أي: على ما مات عليه من عملٍ صالح أو سيئ، والعرب تُكَنِّي بالثياب عن الأعمال؛ لملابسة الرَّجُل بها ملابسته بالثياب، ... واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يُحشر الناس حفاة عراة»، قالوا: وأبو سعيد فَهِمَ مِن كلامه -صلى الله عليه وسلم- ما دلَّ عليه الظاهر؛ فغاب عن مفهوم الكلام.
قلتُ: وقد كان في الصحابة- رضوان الله عليهم- من يَقصُر فهمه في بعض الأحايين عن المعنى المراد، والناس متفاوتون في ذلك؛ فلا يُعدُّ أمثال ذلك عليهم عثرة. الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 387).
وقال المنذري -رحمه الله-:
وقد قال كلُّ مَن وقفت على كلامه من أهل اللغة: إن المراد بقوله: «يُبعث في ثيابه التي قبض فيها» أي: في أعماله. صحيح الترغيب والترهيب (3/ 411).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وأما ثوبه الذي كان عليه وقت الموت فلا مناسبة في بعثه فيه، فقد تموت الأنبياء والصالحون في الثياب الرثة، وقد يموت الكفار والمنافقون في ثياب حسنة، فهل يكون قيام الكفار والمنافقين من قبورهم أجمل وأبهى من قيام الأنبياء والمؤمنين؟ ولو كان صحيحًا لكان تكفينه في ثيابه التي مات فيها ويُبعث فيها أَولى من تكفينه في غيرها، وليس الأمر كذلك، بل قد يختلف الحكم في ذلك. جامع المسائل(4/ 227).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
يحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد فتأَوَّله على العموم ويكون الميت المذكور في حديثه هو الشهيد الذي أمر أن يزمَّل بثيابه ويُدفن فيها ولا يُغسل عنه دمه ولا يغير شيء من حاله. التمهيد (19/ 14).
وقال العراقي -رحمه الله-:
والحديث المذكور رواه أبو داود في سُننه، ويحتمل أن أبا سعيد -رضي الله عنه- إنما نزع الثياب التي كانت عليه لنجاسة فيها، إما محققة، وإما مشكوكة، فأراد أن يكون بثياب محقّقة الطهارة، وهذا من جملة الأعمال المأمور بالمحافظة عليها، ولا سيما عند انختام الآجال؛ فإن الإنسان محثوث على أن يختم أعماله بالصالحات في جميع الأمور، والله أعلم. طرح التثريب في شرح التقريب (7/ 201).
وقال الهروي -رحمه الله-:
وهذا كحديثه الآخر: «يُبعث العبد على ما مات عليه» وليس هذا قول مَن ذهب به إلى الأكفان بشيء؛ لأن الإنسان إنما يُكفَّن بعد الموت. الغريبين في القرآن والحديث (1/ 301).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قول الهروي: (ليس لهم أن يحملوها على الأكفان؛ لأنها بعد الموت) قوي متين، ويعضده إخراج «يموت» على المضارع الدال على الاستمرار، وأنَّ فعل الطاعات والحسنات دأبه وعادته، كما يقال: فلان يحمي الحريم، ويُقري الضيف، وأما العذر عن الصحابي -رضي الله عنه- فإنه يقال: إنه عَرَف مغزى الكلام، لكنه سَلَكَ سبيل الإبهام، وحمل الكلام على غير ما يترقب؛ لما سمع من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الميت يُبعث في ثيابه التي يموت فيها» ويحضر به تلك الثياب، وهو على شرف الموت. شرح المشكاة (4/ 1388).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ويجمع بينهما (بين حديث أبي سعيد وحديث: «إن الناس يُبعثون عُراة») بأن بعضهم يُحشر عاريًا، وبعضهم كاسيًا، أو يُحشرون كلهم عراة، ثم يُكسى الأنبياء، فأول من يُكسى: إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيُحشرون عراة، ثم يكون أول من يُكسى إبراهيم. فتح الباري (11/ 383).
وقال البُجَيرمي -رحمه الله-:
والحاصل: أن الكفن يبلى في القبر كما تبلى الأجساد، فإذا أُعيدت الأجساد عادت الأكفان، وعند القيام من القبور والذهاب إلى المحشر يحصل التباهي بالأكفان، فإذا وصلوا إلى المحشر تساقطت الأكفان وحُشروا حفاةً عراةً غرلًا، أي: غير مختونين، ثم عند السَّوق إلى الجنة يُكسون بحُلَلِ الجنة، وأول من يُكسى إبراهيم -عليه الصلاة والسلام. حاشية البجيرمي على الخطيب (2/ 271).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: إثبات البعث والحشر والنشر خلافًا للدهرية. الأزهار شرح المصابيح، مخطوط، لوح (196).
وللفائدة ينظر حديث: «مَن ماتَ على شيءٍ، بعَثَهُ اللهُ عليه».