«لَعْنَةُ اللهِ على الرَّاشِي والْـمُرْتَشِي».
رواه أحمد برقم: (6984) وابن ماجه برقم: (2313)، واللفظ لهما وأبو داود برقم: (3580) والترمذي برقم: (1337)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، بلفظ: «لَعَنَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- الرَّاشِيَ وَالمُرْتَشِيَ».
وفي رواية عند أحمد برقم: (9023) والترمذي برقم: (1336): «لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الراشي والمرتشي في الحُكم»، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5114 ، 5093)، مشكاة المصابيح برقم: (3753)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2212).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«لَعْنَةُ اللهِ»
هي: إبعادُه للمَلْعُون عن رحمته، وإِحْلَاله في وَبِيْلِ عقوبته. المفهم، للقرطبي (4/ 341).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وأَصْلُ اللَّعْن: الطَّرْد والإبعاد مِن اللَّهِ، ومِن الخَلْق: السَّبُّ والدُّعاء. النهاية(4/ 255).
«الرَّاشي»:
مَن يُعْطِي (الرشوة) للذي يُعِينه على الباطل.
والرِّشْوَةُ والرُّشْوَةُ: الوُصلة إلى الحاجةِ بالمصَانعة، وأصلُهُ مِن الرِّشَاءِ الذي يُتَوَصَّلُ به إلى الماء. النهاية، لابن الأثير، بتصرف (2/ 226).
«الـمُرتشِي»:
الآخِذُ (للرشوة). النهاية، لابن الأثير (2/ 226).
شرح الحديث
قوله: «لَعْنَةُ الله»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
اللعن: هو الطَّرْدُ والإبعاد. فتح القريب المجيب (9/ 576).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لعنة الله...» أي: البُعد مِن مَظَانِّ الرحمة ومواطنها نازل وواقع عليهما...، وقد لعن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أصنافًا كثيرة تزيد على عشرين، وفي جواز لعن أهل المعاصي من أهل القِبلة خُلْفٌ، محصوله: أن اللعن إما أن يتعلق بمعيَّن أو بالجنس، فلَعْنُ الجنس يجوز، والمعيَّن موقوف على السماع من الشارع، ولا قياس. فيض القدير (5/ 267).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
اللعنة: هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، قال تعالى لإبليس: {وَإِنَّ عَلَيكَ اللَّعنَةَ} الحجر: 35، وفي آية أخرى: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيْ} ص: 78، أي: حَقَّت عليه اللعنة، وهي الطرد والإبعاد عن رحمة الله أبد الآبدين...، ولَعْنُ الراشي والمرتشي على سبيل العموم لا التخصيص، فتقول: لَعْنَةُ الله على الراشي والمرتشي، وجه ذلك: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لَعَنَهُمَا، وقد قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: «ما لِي لا أَلْعَنُ مَن لَعَنَه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟»، ولكن على سبيل التعيين لا يجوز وإن رَشَا؛ لأنه من الممكن أن يَهديَه الله -عز وجل- ويَسْلَم من الطَّرد والإبعاد عن رحمة الله، وإذا كان الكافر -وهو أشد من المرتشي- لا يجوز لعنه بعينه فما بالك بالمرتشي؟ لا يجوز من باب أَولى؛ ولهذا لما صار النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يدعو على قوم من العرب: «اللهم العن فلانًا وفلانًا» نهاه الله، وقال له -سبحانه وتعالى-: {لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ أَو يَتُوبَ عَلَيهِم أَو يُعَذِّبَهُم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ} آل عمران: 128.
فكذلك هؤلاء الفسقة الذين لُعِنوا على لسان محمد -صلى الله عليه وسلم- لا يجوز أن نلعن الإنسان منهم بعينه، لكن على سبيل العموم، وبهذا نعرف الفقه في هذه المسألة، وهي الفرق بين التعيين بالجنس والتعيين بالشخص، التعيين بالجنس أوسع، وهو أن أقول: اللهم العن الرشاة والمرتشين عمومًا، لكن التعيين بالشخص: اللهم العن فلانًا؛ لأنه يرتشي، لا يجوز، اللهم العن فلانًا؛ لأنه كافر لا يجوز، لكن لو قلت: لعنة الله على الكافرين، جائز للعموم، وهذا كما أنه في العقوبات فهو كذلك في الثواب، فلا تشهد لشخص معين بأنه في الجنة وإن كان مؤمنًا، ولا تشهد لمن قُتل في الجهاد بأنه شهيد، وإن قُتل فيه، ولكن نقول: كما أرشد إليه عمر -رضي الله عنه-: "مَن قُتل في سبيل الله أو مات فهو شهيد" على سبيل العموم؛ لأننا لو قلنا بجواز الشهادة بالتعيين لكُنَّا نشهد لكل واحد بأنه في الجنة من المؤمنين، وهذا لا يكون. فتح ذي الجلال والإكرام (4/41 - 43).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لعنة الله»...، وهذا (أي: اللعن) يحتمل الإخبار بأن الله تعالى قد أوقع اللعن عليهما، ويحتمل أنه إنشاء، دعاءٌ منه -صلى الله عليه وسلم-، وقال ابن عبد السلام: كلما كان فيه لعن فإنما هو إخبار عن الله تعالى؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يُبعث لعانًا. التنوير (9/ 44).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«لعن» أي قال: لعنة الله عليه، وهو خبر بمعنى: الدعاء؛ أي: دعا عليه باللعنة. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 41).
قوله: «على الراشي»:
قال النووي -رحمه الله-:
في الرشوة وجمعها أربع لغات، حكاهن ابن السكيت وغيره: رِشوة ورِشى، بكسر الراء في المفرد والجمع، ورُشوة ورُشى، بالضم فيهما، ورِشوة بالكسر، ورُشى بالضم، وعكسهما، ورَشوة بالفتح، وقد رَشَاهُ يَرْشُوه، وارتشى: أَخَذَ رِشْوَة، واسْتَرْشَى: طَلَبَهَا. تحرير ألفاظ التنبيه (ص: 333).
وقال البرهان الحلبي -رحمه الله-:
الرَّاشي: مَن يعطي الذي يُعينه على الباطل. الحواشي على سنن ابن ماجه (3/ 120).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
(أل) في الراشي والمرتشي للجنس. السراج المنير (4/ 124).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «الراشي» اسم فاعل مِن رَشَا يَرْشُو فهو راشٍ، والمراد به: دافِع الرشوة. منحة العلام (6/ 212).
قوله: «والمرتشي»:
قال البرهان الحلبي -رحمه الله-:
«والمرتشي» الآخذ، (أي: آخذ الرشوة). الحواشي على سنن ابن ماجه (3/ 120).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «والمرتشي» اسم فاعل مِن ارْتَشَى، وهو آخذ الرشوة، وهو لفظ عام؛ لأن (أل) الموصولة من صيغ العموم، فيشمل كل مَن أخذ الرشوة مِن حاكمٍ أو قاضٍ أو وزير أو وكيل أو موظف وغيرهم. منحة العلام (6/ 213).
قوله في الرواية الأخرى: «لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الراشي والمرتشي في الحُكْمِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
للحديث عند مخرجه تتمه، وهي: «في الحكم» فسقط مِن قَلَمِ المؤلف (السيوطي) أو النُّسَّاخ. التيسير (2/ 292).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -نفع الله بعلمه-:
«في الحُكم» هذه اللفظة لا توجد في كثير من الروايات. شرح بلوغ المرام (107/ 3 ).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
ثم إنَّ هذه الزيادة الأخرى: «في الحُكم» في إسنادها عندهم (أي: الترمذي وابن حبان والحاكم) عمر بن أبي سلمة، وهو صدوق يخطئ، لكن لهذه الزيادة شاهد من حديث أم سلمة، قال المنذري: "رواه الطبراني بإسناد جيد" فهي قوية بهذا الشاهد، والله أعلم. السلسلة الضعيفة (3/ 382).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«في الحكم» سمى منحة الحُكَّام رشوة؛ لكونها وُصلة إلى المقصود بنوع من التَّصَنُّع. فيض القدير (5/ 268).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«في الحُكم» يتنازعه الراشي والمرتشي. التنوير (9/ 46).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
«في الحكم» أي: إذا رَشَا ليحكم له خلاف الحق، فهو ملعون، سواء أخذ للحكم على وفاق الحق، أو على خلافه؛ وذلك لأن البذل لدفع الجَور جائز للباذل لا للمبذول له. الكوكب الدري (2/ 345).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«في الحُكم» أي: أخذ الرشوة من أجل الفَصْل في القضية، وإنجازها لجهة الراشي. فقه الإسلام (10/ 77).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «في الحُكم» هذا تنصيص على بعض أفراد العام، وهو لا يقتضي تخصيص الرشوة بذلك، بل تحريمها عام في الحكم وغيره، لكن تخصيص الرشوة بالحكم أعظم؛ لأن فيه تبديلًا لحُكم الشرع بخلاف غيره، والرشوة في الحكم: أن يُعْطَى القاضي ما يكون له أثر في تغيير الحكم، أو تخفيفه واعتباره في صالح الراشي. منحة العلام (9/451، 452).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يبعث لعَّانًا، وإنما أوحى الله إليه: أن الله لعن، فأخبر عن الله أنه لَعن، لا أنه أنشأه، ولا دعاء منه -عليه الصلاة والسلام-، وكذا كل ما ورد عنه من اللعن، فإنه مُؤَوَّل بذلك. السراج المنير (4/ 124).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قد ثبت اللعن عنه -صلى الله عليه وسلم- لأصناف كثيرة تزيد على العشرين، وفيه دلالة على جواز لعن العصاة من أهل القِبلة، وأما حديث: «المؤمن ليس باللعان» فالمراد به: لعن من لا يستحق ممن لم يلعنه الله ولا رسوله، أو ليس بالكثير اللعن كما تفيده صيغة فعَّال. سبل السلام (5/105، 106).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
إنما يلحقهما (أي: الراشي والمرتشي) العقوبة معًا إذا استويا في القصد والإرادة، فرِشَا المعطي؛ لينال به باطلًا، ويُتوصل به إلى ظلم، فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق، أو يدفع عن نفسه ظلمًا، فإنه غير داخل في هذا الوعيد.
وروي أن ابن مسعود أُخِذَ في شيء وهو بأرض الحبشة، فأعطى دينارين حتى خُلي سبيله، وروي عن الحسن والشعبي وجابر بن زيد وعطاء أنهم قالوا: لا بأس أن يُصَانِعَ الرَّجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم.
وكذلك الآخذ إنما يستحق الوعيد إذا كان ما يأخذه إمَّا على حق يلزمه أداؤه فلا يفعل ذلك حتى يُرشى، أو عملٍ باطل يجب عليه تركه، فلا يتركه حتى يُصانَع ويُرْشَى. معالم السنن (4/ 161).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قيل: الرشوة ما يُعطى لإبطال حق، أو لإحقاق باطل، فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق، أو ليدفع عن نفسه ظلمًا، فلا بأس به، وكذا إذا أخذ ليسعى في إصابة صاحب الحق (حقَّه) فلا بأس به، لكن هذا ينبغي أن يكون في غير القضاة والولاة؛ لأن السعي في إصابة الحق إلى مستحقه، ودفع الظلم عن المظلوم واجب عليهم، فلا يجوز لهم الأخذ عليه. شرح المصابيح (4/ 283).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
لا تحل الرشوة، وهي: ما أعطاه المرء ليُحكم له بباطل، أو ليولَّى ولاية، أو ليظلم له إنسان، فهذا يأثم المعطي والآخذ.
فأما مَن مُنع من حقه فأعطى ليدفع عن نفسه الظلم، فذلك مباح للمعطي، وأما الآخذ فآثم...، فإن قيل: لِمَ أَبَحْتُم إعطاء المال في دفع الظلم، وقد رويتم من طريق أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: فهو في النار»، وبالخبر المأثور: «لعن الله الراشي والمرتشي».
قال أبو محمد (ابن حزم): خبر لعنة الراشي إنما رواه الحارث بن عبد الرحمن وليس بالقوي، وأيضًا فإن المعطي في ضرورة دفع الظلم ليس راشيًا، وأما الخبر في المقاتلة فهكذا نقول: من قدر على دفع الظلم عن نفسه لم يحل له إعطاء فِلْسٍ فما فوقه في ذلك، وأما مَن عجز فالله تعالى يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ} البقرة: 286، وقال -عليه السلام-: «إذا أَمَرْتُكم بأمرٍ فأَتُوا منه ما استطعتم»؛ فسقط عنه فرض المقاتلة والدفاع، وصار في حد الإكراه على ما أعطى في ذلك، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «رُفع عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه»...، وقد صح عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من طريق أبي موسى الأشعري: «أَطْعِمُوا الجائع، وفُكُّوا العَانِي» وهذا عموم لكل عانٍ عند كل كافر أو مؤمن بغير حق.
روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري، ومعمر، قال معمر: عن الحسن البصري، وقال سفيان: عن إبراهيم النخعي، ثم اتفق الحسن، وإبراهيم، قالا جميعًا: ما أعطيتَ مُصانعةً على مالك ودمك فإنك فيه مأجور، وبالله تعالى التوفيق. المحلى (8/118، 119).
وقال الشيخ سليمان اللهيميد -حفظه الله- مؤكدًا:
مما يدل على ذلك... ما رواه أحمد، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيها إياه، فيخرج بها مُتَأَبِّطَها، وما هي لهم إلا نار، قال عمر: يا رسول الله، فَلِمَ تعطيهم؟ قال: إنهم يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل».
فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعطي هؤلاء المال مع أنه حرام عليهم؛ حتى يدفع عن نفسه مذمة البخل. شرح بلوغ المرام (2/ 570).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الرشوة المحرمة هي بذل مال للتوصل إلى باطل، أو إسقاط حق، هذه المحرمة، وأما ما يُبذل للتوصل إلى حق فهي حرام بالنسبة للآخذ، حلال بالنسبة للباذل، كرجل تسلَّط عليه ظالم فأعطاه رشوة لأجل منع الظلم عنه، فهذا لا بأس به، إنسان آخر له حق ولا يستطيع التوصل إلَّا ببذل المال ليصل إلى حقه، فهذا ليس حرامًا عليه، والإثم على الآخذ، ولكن لا ينبغي أن نلجأ إلى ذلك إلا عند الضرورة القصوى؛ لأننا لو بذلنا هذا بسهولة؛ لفَسَد من يتولى أمور الناس، وصار لا يمكن أن يعمل إلا برشوة، كما يوجد في بعض البلاد، لا يمكن أن تُقضى حاجته التي يجب قضاؤها على الموظف إلا برشوة. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 42).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
التخصيص لطالب الحقّ بجواز تسليم الرشوة منه للحاكم لا أدري بأيِّ مخصص، فالحقُّ التحريم مطلقًا؛ أخذًا بعموم الحديث، ومن زعم الجواز في صورة من الصور فإن جاء بدليل مقبول وإلا كان تخصيصه ردًّا عليه، فإن الأصل في مال المسلم التحريم: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} البقرة: 188، «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بِطِيْبَةٍ من نفسه».
وقد انضمّ إلى هذا الأصل كون الدافع إنما دفعه لأحد أمرين: إما لينال به حكم الله إن كان محقًّا؛ وذلك لا يحلُّ؛ لأن المدفوع في مقابلة أمر واجب أوجب الله على الحاكم الصدع به، فكيف لا يفعل حتى يأخذ عليه شيئًا من الحطام؛ وإن كان الدفع للمال من صاحبه لينال به خلاف ما شرعه الله إن كان مبطلًا فذلك أقبح؛ لأنه مدفوع في مقابلة أمر محظور، فهو أشدُّ تحريمًا من المال المدفوع للبغيِّ في مقابلة الزنا بها؛ لأن الرشوة يتوصل بها إلى أكل مال الغير الموجِب لإحراج صدره، والإضرار به، بخلاف المدفوع إلى البغيِّ، فالتوصل به إلى شيء محرَّم وهو الزنا، لكنه مستلذٌّ للفاعل والمفعول به، وهو أيضًا ذنب بين العبد وربه، وهو أسمح الغرماء ليس بين العاصي وبين المغفرة إلا التوبة ما بينه وبين الله، وبين الأمرين بَوْنٌ بعيد. نيل الأوطار (15/438، 439).
وقال الخولي -رحمه الله-:
الرِّشْوَة محرَّمة حتى ولو كانت في سبيل إيصال الحق إلى صاحبه؛ لأنها مالٌ بدون عوض، فما بالك إذا كانت لأجل ظلم شخص، أو منع المستحق عن حقه؟ الأدب النبوي (ص: 297).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -نفع الله بعلمه-:
بعضهم يقول: إن لي حقًّا في هذه الجهة، ولا يُدفع لي إلا إذا دَفَعتُ، فأنا أدفع هذه الرشوة وهذا المبلغ من أجل استخراج حقِّي، وبعض أهل العلم قد يتسامح في مثل هذا، لكنها داخلة في عموم اللفظ: «لعن الله الراشي والمرتشي»، فإذا دفع هذا المال ولو كان لاستخراج حقِّه فإنه داخل، وإن تسامح بعضهم في ذلك وقال: إنه لا يصل إلى حقِّه إلا بهذه الطريقة؛ لأن الراشي في مثل هذه الصورة وإن كان الأمر بالنسبة إليه أخف مما لو لم يكن له حق، فإن المرتشي الذي يأخذ المال ليُخرج هذا الحق الذي يستحقه الراشي لن يُفَرِّق مستقبلًا بين مُحِقٍّ ومُبْطِلٍ، فهي إعانة له، والقاعدة: أن ما حرم أخذه حرم دفعه. شرح بلوغ المرام (107/1، 2).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
أما دافعها -وهو الراشي- فإن توصَّل بها إلى باطل فحرام عليه، وإن توصَّل بها إلى تحصيل حق أو دفع ظلم فليس بحرام، ويختلف الحال في جوازه واستحبابه ووجوبه باختلاف المواضع. فتح العلام (ص: 673).
وقال الخولي -رحمه الله-:
وقد تلْبس الرشوة ثوبًا مستعارًا، ولكنه يَشِفُّ عن حقيقتها، بأن تكون على صورة هديَّة، أو محاباة في بيع أو شراء، أو إبراء مِن دَين، أو نحو ذلك، وهي في جميع الصور رشوة بشعة المنظر، سيئة المخبر، كريهة الرائحة، ملوِّثة للشرف والكرامة، مُضَيِّعة للعفة والمهابة؛ ولذا كان الراشي والمرتشي ملعونَين من الله ومن الناس؛ لأن الراشي يُساعد المرتشي على تضييع الحقوق، ويسهِّل له أكل أموال الناس بالباطل، وينمِّي فيه الخُلُق السيئ، وييسر له التحكم فيما هو حق لغيره، فيَسْتَمْرِئُ هذا المرعى الوبيل، والمرتشي قد أخذ مال غيره، ومَنَعَ الحق عن صاحبه حتى يأخذ الرشوة منه، وربما كان الراشي في حاجة ماسة إلى ما يقدم إليه...، فالرشوة فخ المروءة، ومصيدة الأمانة والشرف، لا يقدمها إلا مُبطل خائن وضيع، ولا يقبلها إلا دنيء النفس سافل المروءة، مساوِم في دِينه وكرامته، ولا أدري بأي شيء بعد ذلك يعيش الإنسان؟ الأدب النبوي (ص: 298).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إنما لعنهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (أي: الراشي والمرتشي)؛ لما يتضمن فعلهما من المفاسد العظيمة، وتعطيل حقوق الناس، والتلاعب بهم، والناس -كما تعلمون- إذا لم نقضِ حوائجهم على الوجه المطلوب، حصل بذلك فتن عظيمة، وكراهة لولاة الأمور الذين يتولون هذه الأشياء، ويأخذون عليها رشوة، والواجب على الإنسان أن يتقي الله -عز وجل- فيمن ولاه الله عليه، وأن يسير بهم بالعدل والقسط، ويعطي كل ذي حق حقه، وألا يستعمل سلطته ليتوصل بها إلى أكل أموال الناس بالباطل. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 42).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
الرشوة أخطر وأضر داء في المجتمعات، يُفسد الدِّين والدنيا، والفرد والجماعة، والحاكم والمحكوم. شرح بلوغ المرام (201/ 3).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد الحديث:
جواز لعن الراشي والمرتشي، لكن على سبيل العموم لا التخصيص...
ومن فوائد الحديث: وجوب القيام بالعدل بين الناس؛ لأن الرشوة في الغالب يكون فيها جور؛ حيث إنه يقدم الراشي على غيره، وربما يحكم له بالباطل مع أن الحق مع غيره. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 43).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -نفع الله بعلمه-:
يفيده الحديث:
1. أن الرشوة من الكبائر.
2. محاربة الإِسلام للآفات الاجتماعية.
3. صيانة الإِسلام لحقوق الإِنسان.
4. التحذير من أكل أموال الناس بالباطل. فقه الإسلام (10/ 78).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الحديث دليل على عناية الإسلام بالمجتمعات الإسلامية، وتطهيرها من أسباب الفساد، وعوامل الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل، فحرَّم الإسلام الرشوة وتوعّد عليها؛ لأن آثارها سيئة، ومفاسدها عظيمة، ومن ذلك:
1. أنها من كبائر الذنوب، وسبب لمنع إجابة الدعاء، وتعرّضٌ لغضب الله، والطرد من رحمته.
2. تضييع حقوق العباد، والإعانة على الظلم والعدوان، وهدر كرامة الإنسان.
3. الرشوة ظلم للنفس؛ لأن الراشي يظلم نفسه ببذل المال لأخذ ما ليس له، والمرتشي يظلم نفسه بأكل المال بالباطل، وظلم الآخرين.
4. الرشوة كسب خبيث، وأكلٌ لأموال الناس بالباطل، ومنهج الإسلام في الأكل الحلال والكسب الطيب مما تواترت فيه النصوص.
5. إذا انتشرت الرشوة في المجتمع شاعت فيه روح النفعية، لا روح الواجب، فتتعطل مصالح المسلمين، وتتأخر أعمالهم، فلا يتم إنجازها إلا بالرشوة، لا بمقتضى الواجب والتكليف من ولاة الأمور، والله تعالى أعلم. منحة العلام (6/ 215).
وللفائدة ينظر:
ضابط الرشوة المحرمة وحكم الهدايا التي تعطى لبعض الناس.