السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«مَن أَطَاعَنِي فقد أطاعَ اللهَ، ومَن عصاني فقد عصى اللهَ، ومَن أطاعَ أَمِيْرِي فقد أطاعني، ومَن عصى أميري فقد عصاني».


رواه البخاري برقم: (7137) ومسلم برقم: (1835)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أَمِيْرِي»:
أي: مَن جَعَلَه هو أو خُلفاؤه حاكمًا على أُمَّته. نسيم الرياض، للخفاجي(4/378).
وقال إبراهيم الحربي -رحمه الله-:
وصاحِبُ الإمَارَةِ أميرٌ، والجَمْعُ أُمَرَاءُ...، (و) عن الأصمعيِّ: يُقالُ: مَالَكَ في الإِمْرَةِ والإمَارَةِ خيرٌ، وأُمِّرَ إذا صارَ أميرًا، ويُقالُ: أُمِّرَ إمارةً، إذا كان عليهم أميرًا، ولك عليَّ أَمْرَةٌ مُطاعةٌ. غريب الحديث (1/ 93).


شرح الحديث


قوله: «مَن أطاعني فقد أطاعَ اللهَ، ومَن عصاني فقد عصى اللهَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «مَن ‌أطاعني ‌فقد ‌أطاع الله» هذا منتزع من قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} النساء: 80؛ وذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- لما كان مبلِّغًا أمر الله وحُكمه، وأمر الله بطاعته؛ فمَن أطاعه ‌فقد ‌أطاع أمر الله، ونفَّذَ حُكمه. المفهم (4/ 35).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «‌فقد ‌أطاع الله» يحتمل أن يكون ذلك لأن الله تعالى أمر بطاعة رسوله، وكذا الرسول -عليه السلام- أمر بطاعة أميره، أو لأن طاعة الرسول هي نفس طاعته؛ لأنه لا يأمر إلا بما أمره به. الكواكب الدراري (24/ 192).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «مَن ‌أطاعني ‌فقد ‌أطاع الله» هذه الجملة منتزعة من قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} النساء: 80، أي: لأني لا آمر إلا بما أمر الله به، فمَن فعل ما آمره به فإنما ‌أطاع مَن أمرني أن آمره، ويحتمل أن يكون المعنى: لأن الله أمر بطاعتي، فمَن أطاعني ‌فقد ‌أطاع أمر الله له بطاعتي، وفي المعصية كذلك، والطاعة هي الإتيان بالمأمور به والانتهاء عن المنهي عنه، والعصيان بخلافه. فتح الباري (13/ 112).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«مَن ‌أطاعني» فيما أَمَرْتُ به «‌فقد ‌أطاع الله»؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- في الحقيقة مبلِّغ، والآمر هو الله -عز وجل-. إرشاد الساري (5/ 119).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«مَن أطاعني فقد أطاع الله» قال الله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} النساء: 80 «ومَن عصاني» وأَعْرَضَ عما أَمرتُ به، وخالف ما نهيتُ عنه «فقد عصى الله» قال الله تعالى: {وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} النساء: 80 أي: {وَمَنْ تَوَلَّى} بالإعراض {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}، {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} الرعد: 40؛ فالآية والحديث من وادٍ واحد. دليل الفالحين (5/ 135).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «مَن ‌أطاعني» يريد أنه مبلِّغ عن الله، فمَن أطاعه فيما بلَّغ ‌فقد ‌أطاع الآمر الحقيقي، ومثله المعصية، وهذا مضمون قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} النساء: 80، لكن سَوق الآية في نسق المعصية لإفادة أنه ليس على الرسول وبال معصيته؛ إذ ليس عليه إلا البلاغ لا الحفظ، فوبال المعصية على ذلك العاصي. كفاية الحاجة (1/ 5).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «‌مَن ‌أطاعني ‌فقد ‌أطاع الله» ...؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لا يأمر إلا بما أمر الله به، سواء بالوحي المتلوِّ، وهو القرآن، أو بوحي غير متلوٍّ، وهو السنة، فطاعته في الحقيقة طاعة لله. منة المنعم (3/ 252).
وقال حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«مَن أطاعني فقد أطاع الله» أي: مَن نفّذ أحكامي أمرًا أو نهيًا فقد فاز بطاعة الله ورضوانه وجنته. منار القاري (4/ 111).

قوله: «ومَن أطاعَ أميري فقد أَطاعني، ومَن عصى أميري فقد عصاني»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ومَن ‌أطاع أميري ‌فقد أطاعني» في رواية همام والأعرج وغيرهما عند مسلم: «ومَن ‌أطاع الأمير» ويمكن رد اللفظين لمعنى واحد، فإن كل مَن يأمر بحق وكان عادلًا فهو أمير الشارع؛ لأنه تولى بأمره وبشريعته، ويؤيده توحيد الجواب في الأمرين وهو قوله: «‌فقد أطاعني» أي: عمل بما شرعتُه، وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر أنه المراد وقت الخطاب؛ ولأنه سبب ورود الحديث، وأما الحُكم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ووقع في رواية همام أيضًا: «ومَن يطعِ الأمير ‌فقد أطاعني» بصيغة المضارعة وكذا: «ومَن يعصِ الأمير ‌فقد عصاني» وهو أدخل في إرادة تعميم مَن خوطب، ومَن جاء من بعد ذلك. فتح الباري (13/ 112).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «مَن يطع الأمير ‌فقد أطاعني» كانت قريش ومَن يليهم من العرب، لا يعرفون الإمارة، ولا يَدينون لغير رؤساء قبائلهم، فلما كان الإسلام، وولى عليهم الأمراء، أنكرتْه نفوسهم، وامتنع بعضهم من الطاعة، فإنما قال -صلى الله عليه وسلم- لهم هذا القول يعلمهم أن طاعته مربوطة بطاعته، ومَن عصاهم فقد عصى أمره؛ ليطاوعوا الأمراء الذين كان يوليهم، فلا يستعصوا عليهم.
قلتُ: وإذا كان إنما وجَبَت طاعتهم لطاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فخليق ألَّا يكون طاعة مَن كان منهم مخالفًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيما يأمره به واجبة. أعلام الحديث (2/ 1420- 1421).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
فقال بعض أهل العلم: أولوا الأمر أمراء سرايا رسول الله -والله أعلم-، وهكذا أخبرنا، وهو يُشبه ما قال -والله أعلم-؛ لأن كل مَن كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف إمارة، وكانت تأنف أن تعطي بعضها بعضًا طاعة الإمارة، فلما دانت لرسول الله بالطاعة، لم تكن ترى ذلك يصلح لغير رسول الله، فأمر أنْ أطيعوا أولي الأمر، الذين أمَّرهم رسول الله، لا طاعة مطلقة، بل طاعة مستثناة فيما لهم وعليهم. الرسالة (ص: 35).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن التين: قيل: كانت قريش ومَن يليها من العرب لا يعرفون الإمارة فكانوا يمتنعون على الأمراء، فقال هذا القول يحثهم على طاعة مَن يؤمرهم عليهم، والانقياد لهم إذا بعثهم في السرايا، وإذا ولاهم البلاد فلا يخرجوا عليهم؛ لئلا تفترق الكلمة، قلتُ: هي عبارة الشافعي في الأم ذكره في سبب نزولها، وعجبتُ لبعض شيوخنا الشراح من الشافعية كيف قنع بنسبة هذا الكلام إلى ابن التين معبرًا عنه بصيغة قيل، وابن التين إنما أخذه من كلام الخطابي، ووقع عند أحمد وأبي يعلى والطبراني من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نفر من أصحابه فقال: «ألستم تعلمون أن ‌مَن ‌أطاعني ‌فقد ‌أطاع الله، وإن من طاعة الله طاعتي؟» قالوا: بلى نشهد، قال: «فإن مِن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم» وفي لفظ: «أئمتكم». فتح الباري (13/ 112).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ومَن أطاع الأمير -أو أميري- فقد أطاعني» ووجهه: أن أمير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما هو منفِّذ أمره، ولا يتصرف إلا بأمره، فمَن أطاعه فقد أطاع أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى هذا فكل مَن أطاع أمير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد أطاع الرسول، ومَن أطاع الرسول فقد أطاع الله، فينتج أن مَن أطاع أمير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد أطاع الله، وهو حق صحيح، وليس هذا الأمر خاصًّا بمن باشره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتولية الإمارة، بل هو عام في كل أمير للمسلمين عَدْلٍ، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية...، ولا خلاف في وجوب طاعة أمراء المسلمين على الجملة. المفهم (4/ 36).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«ومَن يطع الأمير ‌فقد أطاعني، ومَن يعصِ الأمير ‌فقد عصاني»؛ لأن الأمير نائبه وقائم مقامه في تنفيذ أوامره. الكوثر الجاري (5/ 498).
وقال الكوراني -رحمه الله- أيضًا:
«ومَن أطاع أميري فقد أطاعني»؛ لأنه العامل بأوامره، والتحقيق في هذا المقام: أن لا حُكْم على عباد الله إلَّا لله؛ ولما كان مقام كبريائه تعالى أَجلّ من أن يَصْلح كلُّ أحد لخطابه اختار الرسل لذلك، ثم أمرهم بالتبليغ عنه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} المائدة: 67؛ ولما لم يكن في وُسع الرسول تبليغ الأحكام إلى كل أحد، قال: بلغوا عنه، وطاعة الأمير إنما تجب إذا كانت على قانون الشرع؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. الكوثر الجاري (11/ 54).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«ومَن يطع الأمير ‌فقد أطاعني» وذلك ما لم يأمر الأمير بشيء يخالف أمر الله ورسوله، فإنه إذا أمر بأمر يطابق أمر الله ورسوله، فلا شك أن طاعته فيه طاعة لله ورسوله، وإنما الأمير منفِّذ له فقط، وأما إذا أمر بشيء ليس فيه أمر من الله ورسوله، وليس فيه معصية لهما، ‌فقد أوجب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - طاعته فيه لتنظيم الأمور، فتكون طاعته فيه طاعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتبين بهذا أن الأمر بطاعة الولاة ليس لأجل قداسة نفوسهم، وعظمة ذواتهم، بل لكونهم منفِّذين لأمر الله، وأمر رسوله، ناصحين لعباده، ومراعين لصلاح بلاده، وأن عليهم التبعات الشديدة إذا خالفوا ذلك، حيث يحملون أوزارهم، وأوزارًا مع أوزارهم، فليتقوا الله في أنفسهم، وفي المسلمين. منة المنعم (3/ 252).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«ومَن يطع الأمير فقد أطاعني» أي: ومَن يطع ولي الأمر أيًّا كان أميرًا أو قاضيًا أو مدير شرطة، فقد أطاع النبي -صلى الله عليه وسلم-. منار القاري (4/ 112).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «ومَن يطع الأمير فقد أطاعني، ومَن يعصِ الأمير فقد عصاني» فيه وجوب طاعة ولاة الأمور، وهذا مجمَع عليه، وإنما تجب الطاعة حيث لم يأمروا بمعصية، كما قال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح: «إلا أن يأمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»، وهذا الحديث وما في معناه مقيِّد لوجوب طاعة الأمراء، والسبب في الأمر بطاعتهم اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دِينهم ودنياهم، ويستنتج من ذلك أن مَن أطاع الأمير فقد أطاع الله؛ لأنه أطاع الرسول، ومَن أطاع الرسول فقد أطاع الله، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} النساء: 59، وفي الصحيح عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن حذافة السهمي، بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- في سرية، ومعناه: أن عبد الله بن حذافة أمرهم بأمرٍ فخالفه بعضهم وأَنِفَ على عادة العرب، فإنهم كانوا يأنفون من الطاعة، فنزلت الآية بسبب ذلك، قال الشافعي: كانت العرب تأنف من الطاعة للأمراء، فلما أطاعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرهم بطاعة الأمراء، وهذا صريح في أن المراد بأولي الأمر: الأمراء، وفي ذلك أقوال؛ أشهرها قولان:
أحدهما: هذا، وبه قال الجمهور.
والثاني: أنهم العلماء وله وجه، وهو أن شرط طاعة الأمراء أن يأمروا بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحينئذٍ تجب طاعتهم، فلو أَمروا بما لا يقتضيه العلم حَرُمت طاعتهم، فإذًا الحكم للعلماء، والأمر لهم بالأصالة، غير أنهم لهم الفتيا من غير جَبْرٍ، وللأمير الفتيا إذا كان من أهلها والجبر. طرح التثريب (8/ 82).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال أكثر العلماء: أحاديث الأمر بالطاعة مخصَّصة بأحاديث النهي عن المعصية إجماعًا. الأزهار مخطوط لوح (346).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الأمير إذا أطاعه الإنسان فقد أطاع الرسول؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر في أكثر من حديث بطاعة ولي الأمر، وقال: «وأَطِعْ وإن ضَرَبَ ظهرك، وأخذ مالك»، وقال: «اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة»، وقال: «على المسلم السمع والطاعة في عُسره ويسره، ومنشطه ومكرهه» والأحاديث في هذا كثيرة، فقد أمر بطاعة ولي الأمر، فإذا أطعتَ ولي الأمر فقد أطعتَ الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وإذا أطعتَ الرسول فقد أطعتَ الله.
وهذا الحديث وما سبقه وما لم يذكره المؤلف (النووي) كلها تدل على وجوب طاعة ولاة الأمور إلا في معصية الله؛ لما في طاعتهم من الخير والأمن والاستقرار، وعدم الفوضى، وعدم اتباع الهوى، أما إذا عُصي ولاة الأمور في أمر تلزم طاعتهم فيه؛ فإنه تحصل الفوضى، ويحصل إعجاب كل ذي رأي برأيه، ويزول الأمن، وتفسد الأمور، وتكثر الفتن، فلهذا يجب علينا نحن أن نسمع ونطيع لولاة أمورنا إلا إذا أمرونا بمعصية؛ فإذا أمرونا بمعصية الله فربُّنا وربهم الله له الحكم، ولا نطيعهم فيها؛ بل نقول لهم: أنتم يجب عليكم أن تتجنبوا معصية الله، فكيف تأمروننا بها؟ فلا نسمع لكم ولا نطيع.
وقد سبق لنا أن قلنا: إن ما أمر به ولاة الأمور ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون الله قد أمر به، مثل أن يأمرونا بإقامة الجماعة في المساجد، وأن يأمرونا بفعل الخير، وترك المنكر، وما أشبه ذلك، فهذا واجب من وجهين:
أولًا: أنه واجب أصلًا.
الثاني: أنه أَمَر به ولاة الأمور.
القسم الثاني: أن يأمرونا بمعصية الله، فهذا لا يجوز لنا طاعتهم فيها مهما كان، مثل أن يقولوا: لا تصلُّوا جماعة، احلقوا لِحاكم، أَنْزِلوا ثيابكم إلى أسفل، اظلموا المسلمين بأخذ المال أو الضرب أو ما أشبه ذلك، فهذا أمرٌ لا يطاع ولا يحل لنا طاعتهم فيه، لكن علينا أن نناصحهم، وأن نقول: اتقوا الله، هذا أمر لا يجوز، لا يحل لكم أن تأمروا عباد الله بمعصية الله.
القسم الثالث: أن يأمرونا بأمر ليس فيه أمرٌ من الله ورسوله بذاته، وليس فيه نهي بذاته، فيجب علينا طاعتهم فيه؛ كالأنظمة التي يستنُّونها وهي لا تخالف الشرع، فإن الواجب علينا طاعتهم فيهما، واتباع هذه الأنظمة وهذا التقسيم، فإذا فعل الناس ذلك؛ فإنهم سيجدون الأمن والاستقرار والراحة والطمأنينة، ويحبُّون ولاة أمورهم، ويحبهم ولاة أمورهم. شرح رياض الصالحين (3/ 671- 673).
وقال ابن رشد -رحمه الله-:
فمَن عصى إمامًا أو قاضيًا أو حاكمًا من الحكام فيما أمر به من الحق، أو حكم فيه بوجه العدل، ‌فقد عصى الله ورسوله، وتعدى حدوده، وأما إن قضى بغير العدل، أو أمر بغير الحق، فطاعته غير لازمة؛ لقول رسول الله -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» إلا أن يخشى أن تؤدي مخالفته إلى هرج أو فساد، فتجب عليه الطاعة على كل حال. المقدمات الممهدات (2/ 255).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
لا خلاف في وجوب طاعة الأمراء فيما لا يخالف أمر الله، وما لم يأمر بمعصية. إكمال المعلم (6/ 240).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: هذا يدل على وجوب طاعة السلطان وجوبًا مُجملًا؛ لأن في ذلك طاعة الله وطاعة رسوله، فمَن ائتمر لطاعة أولي الأمر لأمر الله ورسوله بذلك فطاعتهم واجبة فيما رأوه من وجوه الصلاح، حتى إذا خرجوا إلى ما يشك أنه معصية لله لم تلزمهم طاعتهم فيه، وطلب الخروج عن طاعتهم بغير مواجهة في الخلاف، وروي عن أبي هريرة في قوله تعالى: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} النساء: 59، قال: هم الأمراء، وقال الحسن (البصري): هم الأمراء والعلماء، وكان مجاهد يقول: هم أصحاب محمد، وربما قال: أولو العقل والفقه في دين الله، وقال عطاء: هم أهل العلم والفقه، وطاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة، قال ابن عيينة: سألتُ زيد بن أسلم، ولم يكن أحد بالمدينة يفسر القرآن بعد محمد بن كعب تفسيره، قلتُ له: ما تقول في قول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} النساء: 59؟ فقال: اقرأ ما قبلها حتى تعرف، فقرأتُ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} النساء: 58 الآية، قال: هذه في الولاة، وفي حديث ابن عمر أن فرضًا على الأمراء نصح مَن ولاهم الله أمرهم، وكذلك كل مَن ذكر في الحديث ممن استرعى أمرًا أو اؤتمن عليه فالواجب عليه بذل النصيحة فيه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «مَن اسْتُرْعِيَ رعية فلم يَحُطْها بنصيحة لم يرح رائحة الجنة». شرح صحيح البخاري(8/ 209- 210).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي الحديث: وجوب طاعة ولاة الأمور، وهي مقيدة بغير الأمر بالمعصية كما تقدم في أوائل الفتن، والحكمة في الأمر بطاعتهم: المحافظة على اتفاق الكلمة؛ لما في الافتراق من الفساد. فتح الباري (13/ 112).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: ما يدل على أن طاعة الله -عز وجل- في طاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وعصيان الله في عصيان رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن طاعة الأمير من جانب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكل أمير ولايته من شرع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه من جانب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فطاعته طاعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. الإفصاح (6/ 175).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
1. منها: بيان وجوب طاعة الإمام، وأن طاعته طاعة لله -سبحانه وتعالى-، وطاعة لرسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهم ينفذون أحكام الله تعالى.
2. ومنها: أن الحكمة في طاعة الأمراء هي المحافظة على اتفاق الكلمة؛ لما في الافتراق من الفساد {واللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} البقرة: 205.
3. ومنها: أن وجوب طاعة الإمام مقيد بما إذا أمر بغير المعصية، وإلا فلا طاعة له؛ لحديث علي -رضي الله عنه- مرفوعًا: «لا طاعة لمخلوق في معصية الله -عز وجل-» رواه أحمد بإسناد صحيح، وأخرجه الشيخان بلفظ: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (32/ 53- 54).

وللفائدة ينظر:

وجوب طاعة ولي الأمر المسلم بالمعروف.


إبلاغ عن خطأ