الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«الظُّلمُ ثلاثةٌ: فَظُلْمٌ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وظُلمٌ يغفِرُه اللهُ، وظُلمٌ لا يَتْرُكُهُ اللَّهُ، فأمَّا الظُّلمُ الذي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ: فالشِّرْكُ، وقال اللَّهُ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} لقمان: 13، وأمَّا الظُّلمُ الذي يَغْفِرُهُ اللَّهُ: فَظُلْمُ العبادِ لأنفسِهِمْ فيما بينَهُم وبيْنَ ربِّهِمْ، وأمَّا الظُّلمُ الذي لا يَتْرُكُهُ اللَّهُ: فَظُلْمُ العبادِ بعضِهِمْ بعضًا، حتَّى يَدِينَ لبعضِهِم مِن بعضٍ».


رواه البزار برقم: (6493) والطيالسي برقم: (2223) والبيهقي في البعث والنشور برقم: (386) وأبو نعيم في الحلية (6/ 309) من حديث أنس -رضي الله عنه-. هذا لفظ البزار والبيهقي.
ولفظ الجامع: «حتى يَدِيْرَ».
صحيح الجامع برقم: (3961)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1927).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الظُّلمُ»:
الظلم في أصل الوضع: وَضْعُ الشيء في غير موضعه، يقال: ظَلَمَهُ يَظْلِمُه ظلمًا ومَظْلَمة. عمدة القاري، للعيني (1/ 215).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
والظُّلامَةُ والظَّليمَةُ والمَظْلِمَةُ: ما تطلبه عند الظالم، وهو اسمُ ما أُخِذَ منك، وتَظَلَّمَني فلان، أي ظَلَمَني مالي، وتَظَلَّمَ منه أي: اشتكى ظُلْمَهُ، وتَظالَمَ القوم، وظَلَّمْتُ فلانًا تَظْليمًا: إذا نسبتُه إلى الظُلْمِ، فانْظَلَمَ، أي: احتمل الظُلْمَ. الصحاح(5/ 1977).
وقال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-:
الظُّلْمُ عند أهل اللّغة وكثير من العلماء: وضع الشيء في غير موضعه المختصّ به، إمَّا بنقصان، أو بزيادة، وإمَّا بعدول عن وقته أو مكانه، ومن هذا يقال: ظَلَمْتُ السِّقَاءَ: إذا تناولتُه في غير وقته، ويُسمَّى ذلك اللَّبن الظَّلِيمَ.المفردات (ص: 537).

«الشِّرْكُ»:
يُقالُ: شَرِكْتُهُ في الأمرِ أَشْرَكُهُ شِرْكَةً، والاسمُ: الشِّرْكُ، وشَارَكْتُهُ إذا صِرْت شَرِيكَهُ، وقدْ أَشْرَكَ باللَّهِ، فهو مُشْرِكٌ: إذا جَعَلَ له شَرِيكًا، والشِّرْكُ: الكُفر. النهاية، لابن الأثير (2/ 466).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
والشرك: اسم مِن أشرك بالله إذا كَفَر به. المصباح المنير(1/ 311).

«يَدِيْن»:
أي: يَقْتَصُّ ويَجْزي، والدِّينُ: الجزاءُ. النهاية لابن الأثير (2/ 149).

«يَدِيْر»:
أَي: يَأْخُذ، يُقَال: دِيْرَ به وعليه، وأُدِير به: أَخذه. التيسير، للمناوي (2/ 124).


شرح الحديث


قوله: «الظُّلمُ ثلاثةٌ»:
قال الزبيدي -رحمه الله-:
نَقَلَ شيخُنَا (محمد بن الطيب الفاسي) عن بعض أئمَّة الاشتقاقِ: أنَّ الظُلمَ في أصلِ اللُّغَةِ: النَّقْصُ، واستُعمِلَ في كلامِ الشِّارِعِ لمعانٍ، منها: الكُفرُ، ومنها: الكبائِرُ. تاج العروس (33/ 33).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الظلم: وضْع الشيء في غير موضعه الشرعي. فتح الباري (5/ 95).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «الظُّلمُ ثلاثةٌ» أصناف. التنوير (7/ 190).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الظلم ثلاثة» من الأنواع، أو الأقسام. التيسير (2/ 124).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
الظلم ثلاثة أنواع:
1. الشرك: فلا أمن، ولا هداية، وهو الظلم الأكبر.
2. ظلم النفس بالمعاصي، كالزنا والخمر.
3. ظلم الناس.
وهذان يُضعفان الأمن، ولا يسلبانه (أي: الأمن الوارد في قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون} الأنعام: 82). الحلل الإبريزية (1/ 21).

قوله: «فَظُلْمٌ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فظلم لا يغفره الله» إلا بالتوبة عنه. التنوير (7/ 190).

قوله: «وظُلمٌ يغفِرُه اللهُ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وظلم يغفره» فضلًا منه إنْ شاء، فهو مقيَّد بالآية (أي: قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء: 48). التنوير (7/ 190).

قوله: «وظُلمٌ لا يَتْرُكُهُ اللَّهُ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وظلم لا يتركه» أي: لا يترك الطلب به، وغُفرانه، وعدمه عائد إلى من هو له، وهذا لف وإجمال، فسَّره وفصَّله (أي: بما بعده). التنوير (7/ 190).

قوله: «فأمَّا الظُّلمُ الذي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ: فالشِّرْكُ، وقال اللَّهُ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} لقمان: 13»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فأما الظلم الذي لا يغفره الله: فالشرك» وبه نصَّ في كتابه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} النساء: 48، كرَّره بهذا اللفظ في موضعين في سورة واحدة، قال الله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لقمان: 13، استدلال تسميته ظلمًا ولعظمته؛ وذلك لأنَّه وضع العبادة في غير موضعها لِمَا عند غير الله. التنوير (7/ 190).
وقال أبو هلال العسكري -رحمه الله-:
أصل الشرك: إضافة الشيء إلى مثله، ومنه قيل: شِرَاكَا النعل؛ لأنَّ كل واحد منها يشبه الآخر، وشِرَاكُ الطريق مُشبَّه بِشِرَاكِ النعل، وأشرك بالله: عَبَدَ معه غيره؛ لأنَّه أضافه إليه، وشبَّهَهُ به. الوجوه والنظائر (ص: 265).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الشرك شركان:
شرك يتعلَّق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.
وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنَّه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
والشرك الأول نوعان:
أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون؛ إذ قال: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} الشعراء: 23؟ وقال لهامان: {فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} القصص: 38، والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مُشرِك معطِّل، وكل مُعطِّل مُشرِك، لكنّ الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقِرًّا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنَّه عطَّل حقَّ التوحيد.
وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدَّس؛ بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
ومن هذا: شركُ طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثمَّ خالق ومخلوق، ولا ها هنا شيئان، بل الحقّ المنزَّه هو عين الخَلق المشبَّه.
ومنه: شركُ الملاحدة القائلين بقِدَم العالم وأبديّته، وأنَّه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يزل ولا يزال، والحوادثُ بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادَها يسمّونها: العقول والنفوس.
ومن هذا: شركُ مَن عطَّل أسماء الربّ تعالى وأوصافه وأفعاله مِن غُلاة الجهمية والقرامطة، فلم يُثبتوا له اسمًا ولا صفةً، بل جعلوا المخلوق أكملَ منه؛ إذ كمالُ الذات بأسمائها وصفاتها.
النوع الثاني: شركُ مَن جعل معه إلهًا آخرَ، ولم يعطِّل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثةٍ، فجعلوا المسيح إلهًا وأمَّه إلهًا، ومن هذا شركُ المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشرِّ إلى الظُّلْمة.
ومن هذا: شركُ القدريَّة القائلين بأنَّ الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنَّها تحدُث بدون مشيئة الله وقُدرته وإرادته؛ ولهذا كانوا أشباهَ المجوس.
ومن هذا: شركُ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربّه {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} البقرة: 258، فهذا جعل نفسه ندًّا لله، يحيي ويميت بزعمه كما يحيي الله ويميت، فأَلْزَمَه إبراهيم أنَّ طردَ قولك أن تقدِرَ على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها.
وليس هذا انتقالًا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزام على طرد الدليل إن كان حقًّا.
ومن هذا: شركُ كثير ممن يشرك بالكواكب العُلْوِيَّات، ويجعلها أربابًا مدبِّرة لأمرِ هذا العالم، كما هو مذهب مُشْركِي الصابئة وغيرهم.
ومن هذا: شرك عُبَّاد الشمس، وعُبّاد النار وغيرهم.
ومن هؤلاء من يزعم أنَّ معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم مَن يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنَّه إذا خصّه بعبادته والتبتّل إليه، والانقطاع إليه أقبل عليه، واعتنى به، ومنهم من يزعم أنَّ معبوده الأدنى يقرّبه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقانيُّ يقرّبه إلى من هو فوقه، حتى تقرِّبه تلك الآلهةُ إلى الله سبحانه؛ فتارة تكثر الوسائط، وتارةً تقِلّ. الداء والدواء (1/ 298-301).
وقال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-:
شِرْكُ الإنسان في الدّين ضربان:
أحدهما: الشِّرْكُ العظيم، وهو: إثبات شريك لله تعالى، يقال: أَشْرَكَ فلان بالله، وذلك أعظم كفر، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} النساء: 48، وقال: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا} النساء: 116، {مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} المائدة: 72، {يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} الممتحنة: 12، وقال: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا} الأنعام: 148.
والثاني: الشِّرْكُ الصّغير، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرّياء والنّفاق المشار إليه بقوله: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} الأعراف: 190. المفردات (ص: 452-452).

قوله: «وأمَّا الظُّلمُ الذي يَغْفِرُهُ اللَّهُ: فَظُلْمُ العبادِ لأنفسِهِمْ فيما بينَهُم وبيْنَ ربِّهِمْ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وأما الظُّلم الذي يغفره الله» لمن شاء فإطلاق السُّنة هنا مقيد بالكتاب، «فظُلم العباد أنفسهم» بإضاعة ما وجب عليها من طاعة مولاها وفاطرها، «فيما بينهم وبين ربهم» مما ليس فيه حق لغيره تعالى. التنوير(7/ 190).
قال المناوي -رحمه الله-:
فهذا (أي: الظلم) لا يَدخل فيه الشرك الأكبر. التيسير (2/ 124).
وقال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-:
والثاني (من أنواع الظلم): ظُلْمٌ بينه وبين نفسه، وإيّاه قصد بقوله: {فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ} فاطر: 32، وقوله: {ظَلَمْتُ نَفْسِي} النمل: 44، {إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} النساء: 64، {فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ} البقرة: 35، أي: من الظَّالِمِينَ أنفسهم، {وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} البقرة: 231. المفردات (ص: 538).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أي: مغفرة هذا الضرْب ممكِنة بدون رضا الخَلْق، فإنْ شاء عذَّب هذا الظالم لنفسه، وإنْ شاء غَفَرَ له. الفتاوى الكبرى (1/ 93-94).

قوله: «وأمَّا الظُّلمُ الذي لا يَتْرُكُهُ اللَّهُ: فَظُلْمُ العبادِ بعضِهِمْ بعضًا»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وأما الظلم الذي لا يتركه الله: فظلم العباد بعضهم بعضًا» فإنَّه لا يتركه، ولا يغفره، ولا يعاقِب عليه حتى يُقَاضي بينهما، أو يعفو من له الحق، أو يعوضه الله من عنده، كما فصَّلته الأحاديث في الباب.التنوير(7/190).
وقال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-:
(الثالث من أنواع الظلم): ظُلْمٌ بينه وبين الناس، وإيّاه قصد بقوله: {وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ} إلى قوله: {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} الشورى: 40، وبقوله: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} الشورى: 42، وبقوله: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا} الإسراء: 33. المفردات (ص: 538).

قوله: «حتَّى يَدِينَ لبعضِهِم مِن بعضٍ» ولفظ الجامع: «حتى يَدِيْرَ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى يَدِيْرَ» يجازي، ويأخذ «لبعضهم من بعض» إنْ لم يعفُ بعضهم عن بعض. التنوير (7/ 190-191).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«حتى يَدِيْرَ» أي: يأخذ، يُقال: دِيْرَ به وعليه، وأدِير به: أخَذه.
«لبعضهم من بعض» وقد تَحُفُّ بعضَ الخلائق عنايةٌ إلهية، فيُرْضِي الله خُصَمَاءَه، عُلم منه ما نُقل عن المفسرين: إنَّ الظلم المطلق هو الكُفْر المطلق. التيسير (2/ 124).
وقال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-:
وكلُّ هذه الثّلاثة (أي: من أنواع الظلم) في الحقيقة ظُلْمٌ للنّفس، فإنَّ الإنسان في أوّل ما يهمّ بالظُّلْمِ فقد ظَلَمَ نفسه، فإذًا الظَّالِمُ أبدًا مبتدئٌ بنفسه في الظُّلمِ؛ ولهذا قال تعالى في غير موضع: {ومَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} النحل: 33، {وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} البقرة: 57، وقوله: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ} الأنعام: 82، فقد قيل: هو الشّرك؛ بدلالة أنَّه لمّا نزلت هذه الآية شقّ ذلك على أصحاب النبيّ -عليه السلام-، وقال لهم: «ألم تروا إلى قوله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لقمان: 13»، وقوله: {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} الكهف: 33، أي: لم تنقص، وقوله: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} الزمر: 47، فإنه يتناول الأنواع الثّلاثة من الظُّلْمِ، فما أحد كان منه ظُلْمٌ ما في الدُّنيا إلَّا ولو حصل له ما في الأرض ومثله معه لكان يفتدي به. المفردات (ص: 538).
وقال المناوي -رحمه الله-:
عُلِمَ من هذا ما نقله الذهبي عن بعض المفسرين: أنَّ الظلم المطلق هو الكفر المطلق {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} البقرة: 254، فلا شفيع لهم غدًا {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} غافر: 18، والظلم المقيَّد قد يختص بظلم العبد نفسه، وظلم بعضهم بعضًا، فالأول من الثاني، مغفور -إن شاء الله-، والثاني تُنصب له موازين العدل، فمَن سَلِمَ من أصناف الظلم فله الأمن التام، ومَن لم يسلم من ظلمه لنفسه فله الأمن، ولا بد أنْ يدخل الجنة. فيض القدير(4/ 295).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قد جاء عن غير واحد من السلف، وروي مرفوعًا: «الظلم ثلاثة دواوين: فدِيوان لا يغفر الله منه شيئًا، وديوان لا يَترك الله منه شيئًا، وديوان لا يعبأ الله به شيئًا، فأما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئًا: فهو الشرك؛ فإنَّ الله لا يغفر أن يُشرك به، وأما الديوان الذي لا يَترك الله منه شيئًا: فهو ظلم العباد بعضهم بعضًا؛ فإن الله لا بد أنْ ينصف المظلوم من الظالم، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا: فهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه». الفتاوى الكبرى (1/ 93).

وللفائدة ينظر:

الظلم سبب العذاب والظلمات.


إبلاغ عن خطأ