السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«ما آمَنَ بي مَن باتَ شَبعانًا وجارُه جائعٌ إِلى جَنبهِ وهو يعلمُ بهِ».


رواه الطبراني في الكبير برقم: (751) واللفظ له، والبزار برقم: (7429)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
وفي رواية للبخاري في الأدب المفرد برقم: (112)، من حديث ابن عباس ـرضي الله عنهماـ: «ليس المؤمنُ الذي يشبعُ وجارُه جائعٌ».
صحيح الجامع برقم: (5382، 5505)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (149).


شرح الحديث


قوله: «ما آمَنَ بي مَن بَاتَ شبعانًا»:
قال ابن سيده -رحمه الله-:
قال ثعلب: في الحديث الذي جاء «ما آمَنَ بي مَن باتَ شبعان...» معنى «ما آمَنَ بي» تشديدٌ أي: ينبغي له أن يُواسيه. المحكم والمحيط الأعظم (10/ 494).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ما آمَنَ بي» المرادُ نفي الإيمان الكامل؛ وذلك لأنه يدلُّ على قسوة قلبه، وكثرة شُحِّه؛ وسقوط مروءته، وعظيم لؤمه، وخبث طويته، قال (الشاعر):
وكلُّكم قد نالَ شبعًا لبطنهِ. . . وشبعُ الفتى لؤمٌ إذا جاعَ صاحبُه. فيض القدير (5/ 407).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ما آمَنَ بي» إيمانًا كاملًا «مَن باتَ شبعان ...» فإن حقَّ الجار أكيدٌ ومواساته لازمةٌ فليس من شأن كاملِ الإيمانِ ذلك. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 324).

قوله: «وجارُه جائعٌ إلى جَنبِه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلى جَنبِه»: وفي ذكر الجَنبِ إشعارٌ بكمال غفلتهِ عن تعهُّد جارِه. مرقاة المفاتيح (8/ 3126).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وجارُه جائعٌ إلى جَنبه»؛ لإخلاله بما يتوجَّه في الشريعة من حقِّ الجِوار وهذا ... من أدلة عِظَم حقِّ الجار على جاره، وأحاديثه واسعة. التنوير (9/ 231).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وجارُه» أي: والحالُ أن جاره «جائعٌ إلى جَنبه»؛ لإخلاله بما توجَّه عليه في الشريعة من حق الجوار، وتهاوُنه في فضيلة الإطعام التي هي من شرائع الإسلام، سيَّما عند حاجته وخصاصته، وألصقُ الجوارِ جوارُ الزوجة والخادم والقريب، وقد كان للمصطفى -صلى الله عليه وسلم- كما في -مسلم- جارٌ فارسيٌّ طيِّبَ المرقِ، فصنع طعامًا ودعاه فقال: «أنا وهذه» يعني عائشة، فلم يأذن لها، فامتنع المصطفى -صلى الله عليه وسلم- من إجابته؛ لِمَا كان بها من الجوع، فلم يستأثر عليها بالأكل، وهذا قضيةُ مكارم الأخلاق، سيَّما مع أهل بيت الرجل، ولذلك قيل: "وشبعُ الفتى لؤمٌ إذا جاعَ جاره". فيض القدير (5/ 360).

قوله: «وهو يعلمُ به»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وهو عالمٌ بحالِ اضطرارهِ، وقلَّة اقتدارهِ. مرقاة المفاتيح (8/ 3126).

قوله: «ليس المؤمنُ الذي يَشبعُ»:
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«ليس المؤمنُ» التعريف فيه للجنس، أي: ليس المؤمنُ الذي عرفته أنه مؤمنٌ كاملٌ «بالذي يشبعُ». الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3194).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ليس المؤمنُ» أي: الكامل «بالذي» الباء زائدة قد تدخل في خبر ليس وفي نسخة صحيحة «الذي يشبعُ». مرقاة المفاتيح(8/ 3126).
وقال العيني -رحمه الله-:
لم يُرِد النبي -عليه السلام- بذلك أي بقوله: «ليس المؤمنُ الذي يبيت شبعان، وجارُه جائعٌ» أنه خرج بتركه ذلك عن الإيمان إلى الكُفر؛ لأن حقيقة الإيمان موجودة فيه لعدم ما يضاده، ولكنه -عليه السلام- أراد بذلك أنه ليس المؤمنُ الكامل في مراتب الإيمان، والإيمان له مراتب، وشُعب كما قال -عليه السلام-: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» فبتركه شُعبة منها لا يخرج عن حقيقة الإيمان، ولكن عن تلك الشُّعبة التي هي من فضائل الإيمان. نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار (1/ 234).

قوله: «وجارُه جائعٌ»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «وجارُه جائعٌ» يكون هذا مقيَّدًا بما يفضُلُ عن نفسه وعن مَن يجب عليه نفقته، وإن آثر على نفسه ورضيَ أهلُ حقوقه فذاك شيءٌ آخر. لمعات التنقيح (8/ 265 - 266)
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وجارُه جائعٌ» لإخلاله بما توجَّه عليه في الشريعة من حقِّ الجوار. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 321)
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
قلت: وفي الحديث دليلٌ واضحٌ على أنه يحرم على الجار الغنيِّ أن يدع جيرانه جائعين، فيجب عليه أن يقدِّم إليهم ما يدفعون به الجوع، وكذلك ما يكتسون به إن كانوا عراةً، ونحو ذلك من الضروريات، ففي الحديث إشارة إلى أن في المال حقًا سوى الزكاة، فلا يظنَّن الأغنياءُ أنهم قد برئت ذمتهم بإخراجهم زكاة أموالهم سنويًّا، بل عليهم حقوقٌ أخرى لظروف وحالات طارئة، من الواجب عليهم القيام بها، وإلا دخلوا في وعيد قوله -تعالى-: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} التوبة : 34-35. سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 280 - 281).

ولمعرفة المزيد من حقوق الجار ينظر:
وصية جبريل المتكررة بالجار.

كمال الإيمان بحب الخير للجار.

أذى الجار ينافي كمال الإيمان.


إبلاغ عن خطأ