«إنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمكة كان يُسَلِّمُ عليَّ قَبل أنْ أُبْعثَ، إنِّي لَأعْرِفُهُ الآن».
رواه مسلم برقم: (2277)، من حديث جابر بنِ سَمُرةَ -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «إنِّي لأعْرِفُ حَجرًا بمكة»:
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
الحَجر الأسود: يقال: هو المراد بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنِّي لأعْرِفُ حَجرًا كانَ يُسَلِّمُ عليَّ». مطالع الأنوار (2/ 381).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«إني لأعرف حجرًا بمكة» قيل: إنه الحجر الأسود، وقيل: غيره. شرح المصابيح (6/ 262).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
أفضل موضع منها (أي: مكة) بعد المسجد: بيت خديجة المشهور الآن بزقاق الحجر المستفيض بين أهل مكة خلفًا عن سلف أنَّ ذلك الحَجَر البارز فيه هو المراد بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إني لأعرفُ حجرًا كان يُسلِّم عليَّ بمكة». تحفة المحتاج (15/ 7).
قوله: «كان يُسلِّمُ عليَّ قَبل أنْ أُبْعَثَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«إني لأعرف حجرًا كان يسلِّم عليَّ قبل أن أُبعث» يعني: أنه كان يسلِّم عليه بالنبوة والرسالة قبل أن يشافهه المَلَكُ بالرسالة. المفهم (19/ 3).
وقال النووي -رحمه الله-:
«إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلِّم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن» فيه معجزة له -صلى الله عليه وسلم-، وفي هذا إثبات التمييز في بعض الجمادات، وهو موافق لقوله تعالى في الحجارة: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} البقرة: 74، وقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} الإسراء: 44، وفي هذه الآية خلاف مشهور، والصحيح أنه يسبِّح حقيقة، ويجعل الله تعالى فيه تمييزًا بحسبه كما ذكرنا، ومنه الحجَر الذي فَرَّ بثوب موسى -صلى الله عليه وسلم-، وكلام الذراع المسمومة، ومشي إحدى الشجرتين إلى الأخرى حين دعاهما النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأشباه ذلك. المنهاج شرح صحيح مسلم (15/ 36، 37).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الصحيح من مذاهب أئمتنا: أنَّ كلام الجمادات راجع إلى أنَّ الله تعالى يخلق فيها أصواتًا مُقَطَّعَةً من غير مخارج، يُفهَم منها ما يُفهَم من الأصوات الخارجة من مخارج الفم؛ وذلك ممكن في نفسه، والقدرة... لا قصور فيها، فقد أخبر بها الصادق، فيجب له التصديق، كيف لا، وقد سَمِعَ مَنْ حَضَرَ تسبيحَ الحصى في كَفِّه، وحنين الجذع إليه، والمسجد قد غصَّ بأهله؟ المفهم (19/ 3).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
إنْ قيل: ما السر أنه كان -صلى الله عليه وسلم- يختصُّ بسماعه دون غيره، وكان أكمل في معجزته أن يسمعه غيره؟
قلتُ: قد سمعه غيره أحيانًا، كما أخرجه الترمذي وحسنه من حديث علي -رضي الله عنه- قال: «كنتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمكة في نواحيها، فما استقبلنا جبلًا ولا حجرًا إلا قال: السلام عليك يا رسول الله»...
فإنْ قيل: فَلِمَ خَصَّ هذه الحجر بالمعرفة؟
قلتُ: لأنها كانت تسلم عليه قبل البعثة بخلاف غيرها، أو لأنها كانت أكثر تسليمًا عليه. التنوير (4/ 223).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
جاء في الرواية الأولى: «قبل أن أُبعث» وفي هذه الرواية: «ليالي بُعِثْتُ» فيستفاد منهما: أنَّ هذا الحجر كان يسلِّم عليه -صلى الله عليه وسلم- قبل البعثة وبعدها، وأما غيره من الحجارة وغيرها فكانت تسلِّم عليه بعد البعثة، والله أعلم. الفتح الرباني (20/ 202).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله- مضعفًا رواية «ليالي بُعِثْتُ»:
قد قَلَبَه بعضَ الضُّعَفاء (سليمان بن معاذ، وشريك، كما في الضعيفة) فقال: «ليالي بُعِثتُ» وقد بَيَّنْتُ ذلك بيانًا شافيًا في بحث أودعته في الضعيفة برقم (6574). السلسلة الصحيحة (6/ 372).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- بعد ذكر اختلافهم في شهادة الأشياء للمؤذن، وشكوى النار:
لا يَخْتَصُّ الإدراكُ والنطقُ ونحوهما بالعقلاء، ولا ينكر ذلك إلا مَن أعمى الله بصيرته. ذخيرة العقبى (8/110).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
«إني لأعرف حجرًا كان يسلِّم عليَّ في مكة» وَسَلَامُهُ عليه عن إرادةٍ يعلمها الله، ونحن لا نعلمها، كما صرَّح تعالى بذلك في قوله -جل وعلا-: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} الإسراء: 44، فَصَرَّح بأننا لا نفقهه، وأمثال ذلك كثيرة في الكتاب والسنة. مذكرة في أصول الفقه (ص: 71).
قوله: «إنِّي لَأَعْرِفُهُ الآن»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«إني لأعرفه الآن» من بين أحجار مكة، أي: أعرف مكانه وصفاته. فتح المنعم (9/ 85).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «إني لأعرفه الآن» تقريرٌ لقوله: «إني لأعرف حجرًا بمكة» واستحضارٌ له في مشاهدته، وكأنه يَسْمَعُ سلامَهُ الآن. الكاشف (12/ 3731).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ذَكَرَ العلماء بسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحواله: أنَّه كان مِنْ لُطْفِ الله بنبيه -صلى الله عليه وسلم- أنْ قدَّم له مقدِّمات، وخصَّه ببشائر وكرامات، درَّجَهُ بذلك في أطوارٍ؛ لينقطع بذلك عن مألوفات الأغمار، ويتأهل على تدريج لقبول ما يُلقى إليه، وَلِتَسهُل مُشَافَهَةُ الملك عليه، فكان -صلى الله عليه وسلم- يرى ضياءً وأنوارًا، وَسَمِع تسليمًا وكلامًا ولا يرى أشخاصًا، فيسمع الحجارة والشجر تناديه، ولا يرى أحدًا يناديه؛ إلى أنْ استوحش من الخلق، ففرَّ إلى الحق؛ فَحُبِّبت إليه الخلوة، فكان سبب هذه الحَبْوة مشافهة الملك. المفهم (19/ 3).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: بيان ما أكرم الله -سبحانه وتعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالمعجزات الظاهرة الدالة على صدق نبوته.
2. ومنها: بيان إثبات التمييز في بعض الجمادات، وهو موافق لقوله تعالى في الحجارة: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللهِ} البقرة: 74، وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} الإسراء: 44...، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (37/ 189-190).
ولمعرفة المزيد من معجزات النبي ﷺ ينظر:
- معجزة بصر النبي ﷺ من خلفه وتنبيهه على إحسان الصلاة.
- إخبار النبي ﷺ بوقوع التباهي بالمساجد قبل قيام الساعة.
- معجزة نبوية في الإخبار باتباع سنن من سبق.