«نهى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أنْ يُجصَّصَ القبرُ، وأنْ يُقْعَدَ عليه، وأنْ يُبنى عليه».
رواه مسلم برقم: (970)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند الترمذي برقم: (1052): «وأن يوطأ»:
وفي رواية عند أبي دواد برقم: (3226)، والنسائي برقم: (2027) «أو أنْ يُكتب عليه».
صحح الزيادات الشيخ الألباني -رحمه الله- في أحكام الجنائز (1/ 204).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«يُجصَّص»:
هو بناؤها بالجصّ، وهي النورة البيضاء، ويقال: تقصيص القبور أيضًا، والجَصّ هي القصة أيضًا. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 158).
«يوطأ»:
الوَطء في الأصل: الدُّوس بالقدم. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (5/ 200).
شرح الحديث
قوله: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُجصَّص القبر»:
قال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
الجصُّ نوع من الحجر، قريب من الجبس، في بعض المناطق أحجار جيرية إذا أُحرقت بالنار ثم دُقَّت، ثم عُجِنَ هذا الْمُنْدَقُّ، كان مثل الجبس أو مثل الإسمنت مع الرمل، هذا هو الجصُّ. شرح بلوغ المرام (121/ 21).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
الجص -بكسر الجيم ثم صاد مشددة-: مادة بيضاء؛ كالنُّورة، تُزَخْرَفُ بها المباني. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (3/ 244).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «أنْ يُجصَّصَ» بالتذكير وتُؤنَّث، «القبور» قيل: لعل ورود النهي لأنه نوع زينة؛ ولذلك رخّص بعضهم التطيين، منهم الحسن البصري. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 1223).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
في رواية لمسلم: «عن تقصيص القبور» والتقصيص بالقاف وصادين مهملتين هو التجصيص، والقَصَّة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة: هي الجصُّ، وفيه: تحريم تجصيص القبور، وأما التطيين فقال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم في تطيين القبور؛ منهم الحسن البصري والشافعي.
وقد روى أبو بكر النجاد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رفع قبره من الأرض شبرًا وطيَّن بطين أحمر من العرصة.
وحكي في البحر عن الهادي والقاسم أنه لا بأس بالتطيين؛ لئلا ينطمس، وقال الإمام يحيى وأبو حنيفة: يكره. نيل الأوطار (4/ 104).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وفي الرواية الأخرى: «نهى عن تقصيص القبور» بقاف وصادين مهملتين، وهو التجصيص، والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد هي الجص، قال في الأزهار: النهي عن تجصيص القبور؛ للكراهة، وهو يتناول البناء بذلك وتجصيص وجهه، والنهي في البناء للكراهة إن كان في ملكه، وللحرمة في المقبرة الْمُسبَّلة، ويجب الهدم وإن كان مسجدًا. الكوكب الوهاج (11/ 256).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» النهي هو: طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة معينة خاصة وهي (لا) المقرونة بالفعل المضارع ...
قوله: «أن يجصص القبر» أي: أن يوضع فيه الجصُّ أو عليه، سواء كان فيه أو عليه فلا يُجَصَّصُ اللحد، ولا يوضع الجصُّ أيضًا على ظاهر القبر؛ لما في ذلك من الغلو في المسألة الأولى، ومن ذريعة الشرك والكفر في المسألة الثانية؛ لأنه إذا جصص القبر ظاهرًا تطاول الناس في هذا وتسابقوا أيهم أحسن شكلًا...، حتى يتباهى الناس في القبور، ثم يؤدي ذلك إلى الشرك؛ لذا وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- كل الحواجز التي تحجز الوصول إليه...
قوله: «نهى» يستفاد منه: تحريم تجصيص القبر، يؤخذ ذلك من النهي، والأصل في النهي التحريم حتى يقوم دليل يصرفه عن التحريم، وأيضًا فإن تجصيصه ذريعة للغلو فيه المفضي إلى عبادة مَن فيه، وما أفضى إليه المحرم أو كان ذريعة له كان محرمًا. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 597-598).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وبظاهر هذا الحديث قال مالك، وكره البناء والجصَّ على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه، ووجه النهي عن البناء والتجصيص في القبور: أن ذلك مباهاة واستعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبه بمن كان يعظِّم القبور ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني وبظاهر هذا النهي ينبغي أن يقال: هو حرام، كما قد قال به بعض أهل العلم. المفهم (2/ 626-627).
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:
وذكر صاحب مسند الفردوس عن الحاكم أنه روي من طريق ابن مسعود مرفوعًا: «لا يزال الميت يسمع الأذان ما لم يطين قبره» وإسناده باطل، فإنه من رواية محمد بن القاسم الطايكاني، وقد رَمَوْهُ بالوضع، قال الترمذي: وقد رخص بعض أهل العلم في تطيين القبور، منهم الحسن البصري والشافعي، وقد روى أبو بكر النجاد من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رفع قبره من الأرض شبرًا، وطُيِّنَ بطين أحمر من العرصة». التلخيص الحبير (2/ 266).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث دليل على الرخصة في تطيين القبر؛ لتخصيصه التجصيص بالنهي، ونهى عمر بن عبد العزيز أن يُبنى على القبر بآجُرّ، وأوصى بذلك، وأوصى الأسود بن يزيد: أن لا تجعلوا على قبري آجُرًّا، وقال إبراهيم: كانوا يكرهون الآجُرَّ في قبورهم. المغني (3/ 439).
وقال السندي -رحمه الله-:
التطيين لا يناسب ما ورد من تسوية القبور المرتفعة، وكذا لا يناسب ما سيجيء من النهي عن البناء الظاهر؛ إذ المراد: النهي عن الارتفاع، والبناء مطلقًا، وإفراد التجصيص لأنه أتم في إحكام البناء، فخُصَّ بالنهي مبالغة. حاشية على سنن ابن ماجه (1/ 473).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
إن كان المقصود من التَّطيين المحافظة على القبر وبقائه مرفوعًا قدْر ما سمح به الشرع، وأن لا تنسفه الرياح ولا تبعثره الأمطار، فهو جائز بدون شك؛ لأنه يحقق غاية مشروعة. أحكام الجنائز» (1/ 205).
قوله: «أو أن يكتب عليه»:
قال ابن القيم -رحمه الله-:
نهى عن الكتابة عليها، كما روى أبو داود والترمذي في سننهما عن جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم-: «نَهَى أنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا».
قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره.
ونهى أن يُزَادَ عليها غير ترابها، كما روى أبو داود من حديث جابر أيضاً: أن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم-: «نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه»، وهؤلاء لا يزيدون عليه سوى التراب الآجُرِّ والأحجار والجص.
ونهى عمر بن عبد العزيز أن يُبْنَى القبر بآجُرٍّ، وأوصى أن لا يفعل ذلك بقبره.
وأوصى الأسود بن يزيد: "أن لا تجعلوا على قبري آجُرًا".
وقال إبراهيم النخعي: "كانوا يكرهون الآجُرَّ على قبورهم".
وأوصى أبو هريرة حين حضرته الوفاة: "أن لا تضربوا على قبري فُسطاطاً".
وكره الإمام أحمد أن يُضرب على القبر فسطاطًا. إغاثة اللهفان (1/ 196)
قوله: «وأن يقعد عليه»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يعني: إذا كان فيه ميت، وكلمة: «عليه» تدل على العلو، وهذا لا يكون إلا بعد الدفن، فالقعود على القبر يعني: بعد دفنه منهي عنه. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 598).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«و» نهى «أن يقعد عليه» بالبناء للمفعول كالذي قبله والذي بعده، قيل: للتغوُّط والحدث، وقيل: للإحداد، وهو أن يلازم القبر ولا يرجع عنه، وقيل: مطلقًا؛ لأن فيه استخفافًا بحق أخيه المسلم وحرمته، كذا قاله بعض علمائنا. الكوكب الوهاج (11/ 257).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
يحتمل وجهين: أحدهما: البناء على القبر بالحجارة، وما يجري مجراها، والآخر: أن يضرب عليه خباء أو نحوه، وكلا الوجهين منهي عنه، أما الأول: فقد ذكرناه، وأما الثاني: فلأنه في معنى الأول؛ لانعدام الفائدة فيه؛ ولأنه من صنيع أهل الجاهلية، وقد روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنه رأى فسطاطًا على قبر عبد الرحمن -وهو عبد الرحمن بن عمر أخوه- فقال: انزعه يا غلام؛ فإنما يظله عمله. الميسر (2/ 396-397).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
اختلف في معناه؛ فمنهم من حمله على ظاهره من الجلوس، ورأى أن القبر يُحْتَرَمُ كما يحترم المسلم المدفون فيه، فيُعامل بالأدب وبالتسليم عليه وبغير ذلك، ومنهم من تأوله على أنه كناية عن إلقاء الحدث في القبور، وهو تأويل مالك.
ولا شك في أن التخلي على القبور وبينها ممنوع؛ إما بهذا الحديث وإما بغيره؛ لحديث الملاعِن الثلاث، فإنه مجلس الزائر للقبر، فهو في معنى التخلي في الظلال والطرق والشجر المثمر وغير ذلك؛ ولأن ذلك استهانة بالميت المسلم وأذى لأوليائه الأحياء -والله أعلم-. المفهم (2/ 627).
وقال العيني -رحمه الله-:
ويروى ذلك (أي: كراهة الجلوس على القبر) عن عبد الله وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي هريرة وجابر -رضي الله عنهم-، وإليه ذهبت الظاهرية. نخب الأفكار (7/ 473).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
حمله الأكثرون على ما يقتضيه الظاهر، وكذلك حديث أبي مرثد الغنوي الذي يتلو هذا الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أن يجلس أحدكم على جمرة.... الحديث» وإنما ورد التهديد في ذلك؛ لما فيه من الاستخفاف بحق أخيه وحرمته، وفي هذا المعنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كسر عظام الميت ككسره حيًّا» وحمله جماعة على الجلوس على القبر لقضاء الحاجة؛ وروي هذا المعنى عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- وهو قوله: إنما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الجلوس على القبر حدث أو غائط أو بول، وروي أيضًا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط، فكأنما جلس على جمرة نار» قيل لهم: النهي عن الجلوس عليه في حديث زيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما- لا ينافي حديث جابر وأبي مرثد -رضي الله عنهما- في النهي عن الجلوس عليه من غير حاجة، فقالوا: رددنا المجمل إلى المفسر، مع أنا وجدنا النقل عن علي -رضي الله عنه- أنه كان يتوسد القبر، وكان ابن عمر-رضي الله عنه- يجلس على القبور، قيل لهم: أما التوسُّد: فغير الجلوس عليه، أما ما نقلتم عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: فلعل النقل لم يبلغه، أو تأوَّل الحديث على ما تأوَّلْتُم هذا إذا صح النقل عنه.
قلتُ: وفي بعض طرق حديث جابر: «وأن يُوطأ عليه» مكان: «وأن يُقعد عليه» وفي (كتاب أبي داود): «وأن يُتكأ عليه» ولكل فئة من الفئتين طريق مستقيم فيما ذهب إليه.
وأرى الأشبه والأمثل في بيان هذه الأحاديث أن يحمل ما فيه التغليظ على الجلوس للحدث؛ فإنه استخفاف بحق المسلم؛ وهو محرم عليه، وما لا تغليظ فيه: فإنه يحمل على الجلوس عليه؛ نهى عنه كرامة للمؤمن. الميسر (2/ 397).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ولا يحل لأحد أن يجلس على قبر. المحلى (3/ 358).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وأما القعود على القبر فظاهره الجلوس، وقد أوله قوم فقالوا: هو القعود عليه للتخلي والحاجة، والأول أصح. كشف المشكل (3/ 86).
وقال المباركفوري -رحمه الله-:
والراجح عندي: هو قول الجمهور: أنه يحرم الجلوس على القبر مطلقًا -والله تعالى أعلم-. مرعاة المفاتيح (5/ 432).
قوله: «وأن يبنى عليه»:
قال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا -رحمهم الله-: ولا فرق في البناء بين أن يبني قُبة أو بيتًا أو غيرهما ثم ينظر فإن كانت مقبرة مُسَبَّلَة حرم عليه ذلك، قال أصحابنا: ويُهْدَم هذا البناء بلا خلاف، قال الشافعي في (الأم): ورأيت من الولاة من يهدم ما بني فيها، قال: ولم أرَ الفقهاء يعيبون عليه ذلك، ولأن في ذلك تضييقًا على الناس، قال أصحابنا: وإن كان القبر في ملكه جاز بناء ما شاء مع الكراهة ولا يهدم عليه. المجموع (5/ 298).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
ثم من المعلوم ما قد ابْتُلِيَ به كثير من هذه الأمة، من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين مُحَرَّم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة. اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 335).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
قيل: المراد: البناء بالحجارة ونحوها، وقيل: أن يضرب الخباء ونحوه، فإن ذلك مكروه منهي عنه. لمعات التنقيح (4/ 163).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فإن هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، غالب -بل كل من يعمرها- هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة، إما على قريب لهم أو على من يحسنون الظن فيه، من فاضل أو عالم أو صوفي أو فقير أو شيخ أو كبير، ويزوره الناس الذين يعرفونه زيارة الأموات، من دون توسل به ولا هتف باسمه، بل يدعون له ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه أو أكثرهم، فيأتي من بعدهم فيجد قبرًا قد شُيِّد عليه البناء، وسرجت عليه الشموع، وفرش بالفراش الفاخر، وأرخيت عليه الستور، وألقيت عليه الأوراد والزهور، فيعتقد أن ذلك لنفع أو لدفع ضر، ويأتيه السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل، وأنزل بفلان الضرر، وبفلان النفع، حتى يغرسوا في جِبِلَّتِهِ كل باطل؛ ولهذا الأمر ثبت في الأحاديث النبوية اللعن على من أسرج على القبور، وكتب عليها وبنى عليها، وأحاديث ذلك واسعة معروفة، فإن ذلك في نفسه منهيٌّ عنه، ثم هو ذريعة إلى مفسدة عظيمة. تطهير الاعتقاد (ص:83).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
السُّنة أن القبر لا يرفع رفعًا كثيرًا من غير فرق بين من كان فاضلًا ومن كان غير فاضل.
والظاهر: أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك، والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير كما قال الإمام يحيى والمهدي في (الغيث) لا يصح؛ لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك، والسكوت لا يكون دليلًا إذا كان في الأمور الظَّنِّيَّة، وتحريم رفع القبور ظَنِّيٌّ، ومن رَفْعِ القبور الداخل تحت الحديث دخولًا أوَّليًّا: القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي -صلى الله عليه وسلم- فاعل ذلك كما سيأتي، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها: اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك؛ فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا تجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف؛ لا عالمًا ولا متعلمًا ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا ملكًا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء المقبورين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكَّأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبْيَنِ الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة، فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين، أيُّ رَزْءٍ للإسلام أشد من الكفر، وأيُّ بلاء لهذا الدين أضرُّ عليه من عبادة غير الله؟ وأيُّ مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟ وأيُّ منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البيِّن واجبًا:
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا *** ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نارًا نفختَ بها أضاءت *** ولكن أنت تنفخ في رمادِ. نيل الأوطار (4/ 102-104).
وقال المباركفوري -رحمه الله-:
يحتمل أن المراد: البناء على نفس القبر ليرتفع عن أن ينال بالوطء، أو المراد: البناء حول القبر مثل أن يتَّخذ حوله متربة أو مسجد ونحو ذلك. مرعاة المفاتيح (5/ 431).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: كراهة تجصيص القبر والبناء عليه وتحريم القعود، والمراد بالقعود: الجلوس عليه؛ هذا مذهب الشافعي وجمهور العلماء، وقال مالك في (الموطأ): المراد بالقعود الجلوس، ومما يوضِّحه الرواية المذكورة بعد هذا: «لا تجلسوا على القبور» وفي الرواية الأخرى: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر» قال أصحابنا: تجصيص القبر مكروه، والقعود عليه حرام، وكذا الاستناد إليه والاتكاء عليه، وأما البناء عليه فإن كان في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مُسَبَّلَة فحرام؛ نص عليه الشافعي والأصحاب. شرح مسلم (7/ 27).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ولم يكن من هديه -صلى الله عليه وسلم- تعلية القبور ولا بناؤها بآجُرٍّ، ولا بحجر ولبن ولا تشييدها، ولا تطيينها، ولا بناء القباب عليها، فكل هذا بدعة مكروهة، مخالفة لهديه -صلى الله عليه وسلم-، وقد بعث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى اليمن، ألا يدع تمثالًا إلا طمسه، ولا قبرًا مشرفًا إلا سواه، فسنته -صلى الله عليه وسلم- تسوية هذه القبور المشرفة كلها، «ونهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يكتب عليه» وكانت قبور أصحابه لا مشرفة، ولا لاطئة، وهكذا كان قبره الكريم، وقبر صاحبيه، فقبره -صلى الله عليه وسلم- مُسَنَّمٌ مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء لا مبنيٌّ ولا مطيَّنٌ، وهكذا كان قبر صاحبيه، وكان يعلم قبر من يريد تعرف قبره بصخرة. زاد المعاد (1/ 504-506).
وقال العيني -رحمه الله-:
وفيه من الأحكام: كراهة تجصيص القبور؛ لأن القبر للبلى لا للبقاء ... وكراهة البناء، وسئل أحمد عن تطيين القبور، فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، ورخص في ذلك الحسن والشافعي، قاله ابن قدامة، وعن مكحول أنه يكره. نخب الأفكار (7/ 471).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث دليل على تحريم الثلاثة المذكورة؛ لأنه الأصل في النهي، وذهب الجمهور إلى أن النهي في البناء والتجصيص للتنزيه، والقعود للتحريم، وهو جمع بين الحقيقة والمجاز، ولا يعرف ما الصارف عن حمل الجميع على الحقيقة التي هي أصل النهي ... والعمل على هذا عند بعض أهل العلم فكرهوا أن يرفع القبر فوق الأرض. سبل السلام (1/ 498).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يُؤخذ من الحديث:
1- النهيُ عن تجصيصِ القبر، والبناءِ عليه، والقعودِ عليه.
2- النهيُ عند الأصوليِّين يقتضي التحريم؛ فيكون التجصيصُ والقعودُ والبناءُ على القبور من المحرَّمات.
3- هذه النواحي الثلاثة تفيد النهيَ عن الجفاء، والنهيَ عن الغلوِّ في القبور، فالجفاء: أن يُهان القبر بالجلوسِ عليه، وأعظمُ من ذلك أن يكون القعودُ للتخلِّي عليه، فالقبورُ محترمةٌ يجب احترامُها احترامًا لسُكَّانها.
والغلو: هو تجصيصُ القبر، وترخيمُه، وتزويقُه، والبناءُ عليه؛ فهذا غلوٌّ يُفضي إلى الفتنةِ بأصحاب القبور.
4- النهيُ عن البناءِ على القبور مستفيضٌ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد روى مسلم من حديثِ جابرِ بنِ عبدِ الله قال: «نهى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُجصص القبر، وأن يُبنى عليه». وروى مسلم عن فضالةَ بنِ عبيد قال: «سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرُ بتسويتِها». وروى مسلم من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالب قال: قال لي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «ولا قبرًا مشرفًا إلَّا سوَّيتَه».
والبناءُ على القبور من أعظمِ وسائل الشرك، والمنعُ منه قطعٌ لتلك الوسائل المفضيةِ إلى أعظم ذنبٍ عُصي الله به: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لقمان: 13. وقال الصحابيُّ للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعلَ لله ندًّا، وهو خلقك».
وأعظمُ البناء تلك القبابُ المشيَّدة على قبورِ الملوك، والزعماء، والعلماء، وكثيرٌ منها في المساجد، مُحادةٌ لله تعالى، ولشرعِه وتوحيدِه؛ فيجبُ إزالتُها ومحوُ آثارِها، ولا يجوزُ إبقاءُ شيءٍ منها... فالواجبُ إزالةُ الأبنية التي على القبور، وأن تُسوَّى بالأرض، فلا تُرفع إلَّا بقدْرِ مسنَّمة؛ ليُعلم أنَّها قبر، فلا تُهان ولا تُنبش، وكذلك تعليتُها. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (3/ 244).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
- تحريم الجلوس على القبور.
- حكم تجصيص القبور والبناء عليها.