السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«إنَّما مَثَلُ صاحِبِ القرآنِ، كمثلِ صاحبِ الإبلِ المُعَقَّلَةِ: إنْ عاهَدَ عليها أَمسكَها، ‌وإنْ ‌أطلقَها ‌ذهبتْ».


رواه البخاري برقم: (5031) واللفظ له، ومسلم برقم: (789)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«المُعَقَّلَةِ»:
المُعقَّلة: المشدودة بالعُقُل (بضمتين ويجوز سكون القاف) وهو جمع: عِقَال، وهو الحبل التي تُشدُّ به. الإفصاح، لابن هبيرة (4/ 150).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«المعَقَّلَة» هي: الإبل التي شُدَّتْ بالعقال؛ لئلا تهرب، والعقال: حبيل صغير يشدُّ به ساعد البعير إلى فخذهُ مَلويًا. جامع الأصول (2/ 448).

«عاهَدَ»:
التعاهد والتعهُّد: المراجعة والمعاودة. جامع الأصول، لابن الأثير (2/ 448).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
التعاهد والتعهُّد: الاحتفاظ بالشيء، والملازمة له. مشارق الأنوار (2/ 104).


شرح الحديث


قوله: «إنَّما مَثَلُ صاحِبِ القرآنِ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
صاحب القرآن: هو الحافظ له، المشتغل به، الملازم لتلاوته، ولفظ الصحبة مستعمل في أصل اللغة على إِلْفِ الشيء وملازمته، ومنه: أصحاب الجنة، وأصحاب النار، وأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-. المفهم (2/ 420).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنَّما مَثَلُ...» أي: صفته الغريبة الشأن، العجيبة البرهان. مرقاة المفاتيح (4/ 1496).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إنما مثل صاحب القرآن» أي: مع القرآن، والمراد بالصاحب: الذي أَلِفَهُ...، أي: أَلِفَ تلاوته، وهو أعم من أنْ يألفها نظرًا من المصحف، أو عن ظهر قلب، فإنَّ الذي يداوم على ذلك يذل له لسانه، ويسهل عليه قراءته، فإذا هجره ثقُلَت عليه القراءة، وشقَّت عليه.
وقوله: «إنما» يقتضي الحصر على الراجح، لكنه حصر مخصوص بالنسبة إلى الحفظ والنسيان بالتلاوة والترك. فتح الباري (9/ 79).
وقال العراقي -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّ المراد بصاحب القرآن: حافظه، ويدل لذلك الزيادة التي أخرجها مسلم وغيره من حديث موسى بن عقبة: «وإذا لم يقم به نسيه» ولولا هذه الزيادة لأمكن دخول تلك الصورة في الحديث بأنْ يقال: إن غير الحافظ الذي أَلِفَ التلاوة في المصحف ما دام مستمِرًّا على ذلك يذل لسانه به، ويسهل عليه قراءته، فإذا هجر ذلك ثقل عليه، وصار في القراءة عليه مشقة، وقد صرح أبو العباس القرطبي باعتبار الحفظ في ذلك، فقال: وصاحب القرآن هو الحافظ له المشتغل به، الملازم لتلاوته. طرح التثريب (3/ 101).

قوله: «كمَثَلِ صاحبِ الإبلِ المُعَقَّلَةِ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «كمثل صاحب الإبل المعَقَّلَة» أي: مع الإبل المعَقَّلَة...، شبَّه درس القرآن، واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يُخْشَى منه الشّراد، فما زال التعاهد موجودًا، فالحفظ موجود، كما أنَّ البعير ما دام مشدودًا بالعقال فهو محفوظ، وخص الإبل بالذكر؛ لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورًا، وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة. فتح الباري (9/ 79).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
«كَمَثَلِ صاحب الإبل الْمُعَقَّلَة»...والمعنى: أنَّ القرآن كالإبل المعَقَّلَة...، وهو يُعْقَل، أي: يُرْبَط رجله من الحبال. المهيأ (1/354).
وقال العراقي -رحمه الله-:
«الْمُعَقَّلة»... شبَّهَ درسَ القُرآن، واستمرارَ تلاوتهِ بِالعِقالِ الذي يَمنعُ البَعيرَ مِن الشِّرادِ، فما دامَ الدَّرسُ موجودًا فالحفظُ مستمرٌّ، وما دامَ العِقالُ موثوقًا فالبعيرُ محفوظٌ؛ وخَصَّ الإبلَ بالذِّكرِ لأنَّها أشدُّ الحيواناتِ الإِنسيَّةِ شِرادًا ونُفورًا، وتَحصيلُها بعدَ نُفورِها أشقُّ وأصعَبُ مِن تَحصيلِ غيرِها بعدَ نُفورِهِ؛ ولهذا قالَ النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ لهذه الإبلِ أوابدَ كأوابدِ الوحشِ»، وقالَ فيما رُوي عنه: «إنَّ على ذُروةِ سَنامِ كُلِّ بعيرٍ شيطان»...
إنْ قُلتَ: مُقتضى الحديثِ على القولِ بدلالةِ «إنما» على الحصرِ أنَّهُ لا مِثلَ لصاحبِ القُرآنِ سوى الْمَثلِ المذكورِ في هذا الحديثِ، مع أنَّه -عليه الصلاة والسلام- قد ضَرَبَ له أمثالًا أُخرى، فمِنها قولُه -عليه الصلاة والسلام-: «مَثلُ المؤمنِ الذي يقرأُ القُرآنَ مثلُ الأُتْرُجَّةِ، ريحُها طيبٌ، وطعمُها طيبٌ».
قلتُ: الْمُرادُ حصرُ مَثَلِه في هذا بالنِّسبةِ إلى أمرٍ مَخصوصٍ، وهو دوامُ حفظِهِ بالدَّرسِ ونسيانُهُ بالتركِ، فهو في حفظِهِ بالدَّرسِ كحافظِ البعيرِ بالعِقالِ، وفي نسيانِهِ بالتركِ كمُضيعِ البعيرِ بعدمِ العِقالِ، وأمَّا بالنِّسبةِ إلى أمورٍ أُخرى فلهُ أمثِلةٌ أُخرى، والحصرُ وإنْ كانَ ظاهرُهُ العُمومَ، فهو حصرٌ مَخصوصٌ، ولهُ نظائرُ معروفةٌ -واللهُ أعلم-. طرح التثريب (3/ 101-104).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فالعقل والإمساك والضبط والحفظ ونحو ذلك: ضد الإرسال والإطلاق والإهمال والتسييب ونحو ذلك، وكلاهما يكون بالجسم الظاهر للجسم الظاهر ويكون بالقلب الباطن للعلم الباطن؛ فهو ضبط العلم وإمساكه، وذلك مستَلْزِم لاتِّباعه؛ فلهذا صار لفظ العقل يطلق على العمل بالعلم. بغية المرتاد (ص: 250).

قوله: «إنْ عاهَدَ عليها أَمسكَها»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنْ عاهد» أي: دوام وتفقد وحافظ صاحبها «عليها أمسكها» أي: بالعِقال ونحوه. مرقاة المفاتيح (4/ 1496).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«إنْ عاهد عليها» أي: داوم على حفظ تلك الإبل. المفاتيح (3/ 97).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إنْ عاهد عليها أمسكها» أي: استمرَّ إمساكه لها، وفي رواية أيوب عن نافع عند مسلم: «فإن عقلها حفظها». فتح الباري (9/ 79).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«إنْ عاهد عليها أمسكها، وإنْ أطلقها ذهبت» هذه تتمة أوصاف صاحب الإبل، ويشبهه فيها صاحب القرآن، والزيادة في الرواية الثالثة توضح ذلك، وهي: «وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه» وتعاهُد الشيء: تجديد العهد به، وتعاهد القرآن: ملازمة تلاوته، ومعنى «أمسكها» استمر في إمساكها. فتح المنعم (3/ 590).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله- أيضًا:
والتشبيه في الحديث تشبيه مركب بتشبيه القرآن بالإبل، وقارئه بصاحب الإبل، وتشبيه المذاكرة والتلاوة بمداومة العقل، والحفظ بالإمساك، والنسيان بالإطلاق، ويصح أن يكون تشبيه تمثيل، أي: تشبيه هيئة صاحب القرآن مع القرآن من حيث التعاهد أو عدمه بهيئة صاحب الإبل مع الإبل من هذه الحيثية؛ بجامع الإمساك عند التعاهد والانفلات عند الإهمال. المنهل الحديث (4/ 14).

قوله: «‌وإنْ ‌أطلقَها ‌ذهبتْ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «‌وإنْ ‌أطلقها ‌ذهبت» أي: انفلتت، وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عند مسلم: «إنْ تعاهدها صاحبها فعقلها أمسكها، وإنْ أطلق عقلها ذهبت» وفي رواية موسى بن عقبة عن نافع: «إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه». فتح الباري (9/ 80).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وإنْ أطلقها» أي: أطلق عقالها وفكَّها «ذهبت» وانفلتت وشرَدَتْ ولا يجدها...
قال الأبي: فالتشبيه إنما هو بالإبل النافرة التي لا تثبت معقلة، وإلا فالأكثر في المعقلة أنها تثبت ولا تنفر. ا. هـ. الكوكب الوهاج (10/ 109).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ذهبت» أسند الذهاب إلى الإبل، والإمساك إلى صاحب الإبل، فيلزم بحكم التشبيه حرمانه في القرآن، ولا يخفى وجهه، فتأمل. لمعات التنقيح (4/ 584).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
«وإنْ أطْلَقَهَا» أي: إنْ حل وثاقها من رجلها وأرسلها صاحبها «ذهبَتْ» أي: على رأسها، وفات له منافعها، وفيه تشبيه المعقول بالمحسوس، شبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صاحب القرآن بصاحب الإِبل، فإنَّ صاحب الإِبل إنْ راعى حقها ومشربها ومَبَارِكَها وغيرها انتفع منها، وإلا فلا. المهيأ (1/ 354).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«‌وإنْ ‌أطلقها ‌ذهبت» أي: انفلتت؛ كذلك حافظ القرآن مهما داوم على دراسته حفظه، وإنْ أهمله ذهب عنه حفظه، وشبهه بالإبل؛ لأنها عند العرب أقرب شيء إلى الإذهاب. التنوير (4/ 198).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في هذا الحديث: التعاهد للقرآن، ودرسه، والقيام به.
وفيه: الإخبار أنه يذهب عن صاحبه وينساه، إن لم يتعاهد عليه ويقرأه، ويدمن تلاوته.
وقد جاء عنه -صلى الله عليه وسلم- وعيد شديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه، كل ذلك حض منه على حفظه والقيام به...
وكان الصحابة -رضي الله عنهم- وهم الذين خوطبوا بهذا الخطاب، لم يكن منهم مَن يحفظ القرآن كله ويكمله على عهد رسول -صلى الله عليه وسلم- إلا قليل، منهم: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد الأنصاري، وعبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وكلهم كان يقف على معانيه، ومعاني ما يحفظ منه، ويعرف تأويله، ويحفظ أحكامه، وربما عرف العارف منهم أحكامًا من القرآن كثيرة، وهو لم يحفظ سورها.
قال حذيفة بن اليمان: تعلمنا الإيمان قبل أنْ نتعلم القرآن، وسيأتي قوم في آخر الزمان يتعلمون القرآن قبل الإيمان...
وفي هذا الحديث: دليل على أنَّ مَن لم يتعاهد علمه، ذهب عنه، أيّ مَن كان؛ لأن علمهم كان ذلك الوقت القرآن لا غير، وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يتعاهد، فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة؟
وخير العلوم ما ضُبِطَ أصله، واستُذْكِرَ فرعه، وقاد إلى الله تعالى، ودل على ما يرضاه. التمهيد (9/ 38-41).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: الحث على تعاهد القرآن بالتلاوة والدرس والتحذير من تعريضه للنسيان بإهمال تلاوته...، وقد ذكر صاحب العدة، وهو أبو المكارم الروياني من أصحابنا (الشافعية) أنَّ نسيان القرآن من الكبائر...
وفيه: استحباب ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد. طرح التثريب (3/ 102-104).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائد الحديثين:
منها: الحث على محافظة القرآن بدوام دراسته، وتكرار تلاوته، والتحذير من تعريضه للنسيان...
ومنها: ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد، وتقريبه إلى الأذهان.
ومنها: بيان صعوبة القرآن على المتساهل في مراجعته، ولا ينافي هذا قوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} القمر: 17؛ لأن تيسيره بالنسبة لمن أراد حفظه، واجتهد فيه، وصعوبته بالنسبة لمن لم يتعاهده، ولم يجهد نفسه فيه. ذخيرة العقبى (12/ 235-236).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:
ـ ضربُ الأمثالِ لإيضاحِ المقاصد، وتشبيهُ المعقولِ بالمحسوس؛ لزيادةِ التمكُّن في النفس.
ـ الإشارةُ إلى صعوبةِ حفظِ القرآن، وصعوبةِ استمرارِ إمساكِه، ممَّا يُوحي بالمشقَّةِ المؤدِّية إلى زيادةِ الأجر. المنهل الحديث (4/ 15).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث:
دلَّ هذا الحديثُ على ما يأتي:
أوَّلًا: الحثُّ الشديدُ، والترغيبُ الأكيدُ لحَمَلةِ القرآن وحفَّاظِه أن يَعنوا بتعهُّده وتكراره، وكثرةِ قراءته، وترديدِ تلاوتِه محافظةً عليه، وحذرًا من ضياعه؛ لأنَّ صاحبَ القرآن كما في الحديث كصاحبِ الإبلِ المربوطة، إنْ حافظَ عليها وأبقاها في رباطِها بقيت عنده، وإلَّا هربت منه.
ثانيًا: أنَّ القرآنَ إذا نُسي صَعُبَ استرجاعُه. منار القاري (5/ 84).


إبلاغ عن خطأ