السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«أنَّ امرأةً سوداءَ كانتْ ‌تَقُمُّ المسجدَ -أو شابًّا- ففقَدَها رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فسألَ عنها -أو عنه- فقالوا: ماتَ، قالَ: أفلا كنتم آذَنْتُمُونِي؟ قالَ: فكأنّهم صغَّرُوا أمرَها -أو أمرَهُ- فقالَ: دلوني على قبرِهِ فدلُّوهُ، فصلى عليها، ثم قالَ: «إنَّ هذِهِ القبورَ مملوءةٌ ظلمةً على أهلِهَا، وإنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- ينوِّرُها لهم بصلاتي عليهم».


رواه البخاري برقم: (458)، ومسلم برقم: (956) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«تَقُمُّ المسجد»:
بضم القاف، وتشديد الميم، أي: تكنسه وتطهره من القُمَامة. مرقاة المفاتيح، للقاري (3/ 1200).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
القُمامة: الكُناسة. غريب الحديث(2/ 265).

«آذَنْتُمُونِي»:
بمد الهمزة، أي: أعلمتموني. إرشاد الساري، للقسطلاني (2/ 423).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ امرأةً سوداءَ كانتْ ‌تَقُمُّ المسجدَ -أو شابًّا-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أنَّ ‌امرأة» بفتح «أنَّ» وقيل: بكسرها «‌سوداء، كانت تَقُمّ ‌المسجد»... أي: تكنسه وتطهره من القمامة «أو شاب» أي: كان يقمّ، ورفعه على أنه عطف على محل اسم «أنَّ» إن كان أنَّ مرويًّا، وإلا فعلى المجموع. مرقاة المفاتيح (3/ 1200).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«أنَّ امرأة سوداء كانت تقمّ المسجد أو شابًّا»، وأكثر الروايات على أنها امرأة سوداء، يعني: ليست من نساء العرب «كانت تقمّ المسجد» يعني: تنظفه وتزيل القمامة. شرح رياض الصالحين (3/ 60).
وقال عبد الحق الإشبيلي -رحمه الله-:
الصَّحِيحُ: أنهَا كانتْ امرأة. الجمع بين الصحيحين (2/ 24).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أنَّ رجلًا أسود أو ‌امرأة ‌سوداء» الشك فيه من ثابت (البُنَانِيِّ) لأنه رواه عنه جماعة هكذا، أو من أبي رافع، وسيأتي بعد باب من وجه آخر عن حماد بهذا الإسناد، قال: ولا أراه إلا ‌امرأة، ورواه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة فقال: «‌امرأة ‌سوداء» ولم يشك، ورواه البيهقي بإسناد حسن من حديث ابن بريدة عن أبيه فسماها أم محجن، وأفاد أن الذي أجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سؤاله عنها أبو بكر الصديق، وذكر ابن منده في الصحابة: خرقاء ‌امرأة ‌سوداء كانت تَقُمّ ‌المسجد، ووقع ذكرها في حديث حماد بن زيد عن ثابت عن أنس، وذكرها ابن حبان في الصحابة بذلك بدون ذكر السند، فإن كان محفوظًا فهذا اسمها، وكنيتها أم محجن، قوله: «كان يقُمّ ‌المسجد» بقاف مضمومة، أي: يجمع القمامة وهي الكناسة. فتح الباري (1/ 553).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«كان يقُمُّ ‌المسجد» ذكَّر الضمير في «كان» باعتبار الشخص. الكوثر الجاري (2/ 141).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«كان يَقُمّ»: بضم القاف، أي: يجمع القمامة وهي الكناسة، وفي طريق العلاء: «كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد» وفي حديث أبي بريدة: «كانت مولعة بلقط القذى من المسجد» والقذى: الشيء اليسير يسقط في العين أو الشراب أو غيره. التوشيح (2/ 531).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه: الحضّ على كنس المساجد وتنظيفها؛ لأنه -عليه السلام- إنما خصه بالصلاة عليه بعد دفنه لأجل ذلك، وقد روي عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه كنس المسجد، ذكر ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن يعقوب بن زيد: «أن الرسول كان يتبع غبار المسجد بجريدة» وعن وكيع، قال: حدثنا كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب: «أن عمر أتى مسجد قباء على فرس له، فصلى فيه، ثم قال: يا يرفأ، ائتني بجريدة، فأتاه بها، فاحتجز عمر بثوبه، ثم كنسه». شرح صحيح البخاري (2/ 107).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: ما يحث على تنظيف المساجد وكنسها، وإخراج ما يؤذي منها حتى ما يقذي العين. الإفصاح (7/ 188).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فيه: دليل على أن قَمَّ ‌المسجد حسن مندوب إليه؛ فإن هذا الذي كان يقمّ ‌المسجد في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن حاله يخفى عليه، والقَمّ: هو إخراج القمامة، وهي الزبالة، وقد روي من وجوه أخر أنها كانت ‌امرأة، من غير شك... وقد روي أن هذه المرأة يقال لها: أم محجن. فتح الباري (3/ 350- 351).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
فيه: خدمة النساء للمساجد، ما لم توجد خلوة مع أحد من المصلين، وليس لها عمل أهم منه، فهي تقمّ المسجد. شرح بلوغ المرام (117/ 21).

قوله: «ففقَدَها رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فسألَ عنها -أو عنه- فقالوا: ماتَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ففقدها» يقال: فقدْتُه فقدًا، من باب ضرب، وفقدانًا: إذا عدمته، فهو مفقود، وفقيد، وافتقدته مثله، وتفقدْتُه: طلبتُه عند غيبته، «رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فسأل عنها» أي: عن حال تلك المرأة السوداء، ومفعول «سأل» محذوف، أي: الناس «أو عنه» أي: عن حال الشاب، فـ"أو" للشك من الراوي «فقالوا» أي: الصحابة الحاضرون لديه -صلى الله عليه وسلم- «مات». البحر المحيط الثجاج (18/ 473-474).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فقدها» أي: لم يرها حاضرة في ‌المسجد، هذا من قبيل اكتفاء ذكر حال المرأة، واكتفى به عن ذكر حال الرجل، كما جاء في رواية: «أو شاب»، وقد يوجد في بعض النسخ: «أو فقده» على سبيل الشك، ويلائمه قوله: «فسأل عنها أو عنه». لمعات التنقيح (4/ 137).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ففقدها» أي: المرأة أو النسمة ليعمّ كلًّا منهما «رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسأل عنها، أو» شكٌّ من الراوي مرتب على الشك قبله، أي: وقال «عنه» أي: عن حال ذلك الإنسان، ومفعول «سأل» محذوف، أي: سأل الناس «فقالوا: مات» أي: ذلك الشخص. دليل الفالحين (3/ 61-62).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه: السؤال عن الخادم والصديق إذا غاب وافتقاده. شرح صحيح البخاري (2/ 107).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
في حديث السوداء هذا: ما كان عليه -عليه السلام- من تفقد أحوال ضعفاء المسلمين، وما جُبِلَ عليه من التواضع والرأفة والرحمة بأمته. إكمال المعلم (3/ 420-421).

قوله: «قالَ: أفلا كنتم آذَنْتُمُونِي؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أفلا» بالاستفهام التوبيخي، «آذنتموني؟» من الإيذان؛ أي: هلا أعلمتموني وأخبرتموني بموتها حين ماتت؛ لأصلي عليها؟ مرشد ذوي الحجا والحاجة (9/ 225).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أفلا كنتم آذنتموني؟» أي: أعلمتموني، والاستفهام إنكاري توبيخي، أي: ما كان ينبغي أن لا تعلموني، أي: كان ينبغي أن تعلموني. فتح المنعم (4/ 242).

قوله: «قالَ: فكأنَّهم صغَّرُوا أمرَها -أو أمرَهُ-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌فكأنهم» أي: المخاطبين «صغّروا» أي: حقَّروا «أمرها» أو أمره، أي: وعظَّموا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتكليفه للصلاة عليه. مرقاة المفاتيح (3/ 1200).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قال: «‌فكأنهم ‌صغَّروا ‌أمرها» يعني: رأوا أمرها صغيرًا بحيث لا تحتاج إلى أن يُخْبَرَ عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي سياق آخر: أنه «كانت في ليلة ظلماء، فخافوا أن يشقوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أخبروه» وعلى هذا تكون العلة مركبة من شيئين:
أحدهما: أنهم رأوا أنها امرأة صغيرة ليست ذات أهمية، بحيث يخبر بها النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والثاني: أنها كانت ظلمة، فخافوا أن يكون ذلك مشقة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فتكون العلة إذن مركبة من شيئين: تصغير أمر المرأة، وخوف المشقة على النبي -صلى الله عليه وسلم-. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 543).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
(فيه) التنبيه على أنه لا ينبغي احتقار مسلم، ولا تصغير أمره. التوضيح (5/ 581).

قوله: فقالَ: «دلوني على قبرِهِ -أو قبرها-» فدلُّوهُ، فصلى -عليه أو- عليها:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: دلوني» بضم الدال «على قبره، فدلوه» فأتى قبره «فصلى عليه» فيه حجة على المالكية في رواية أشهب وسحنون أنه لا يصلى عليه لفوات ذلك، هذا إذا لم يُصلَّ عليه، وأما مَن صُلِّي عليه فليس لِمَن فاتته الصلاة عليه أن يصلي عليه. شرح سنن أبي داود (13/ 497).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«فصلى عليه أو عليهما» دلّ على تكرار الصلاة على الميت، وعلى الصلاة عليه بعد الدّفن، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. الكوثر الجاري (2/ 141).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى على قبر، وبهذا قال ابن عمر وأبو موسى الأشعري وعائشة، وابن سيرين والأوزاعي والشافعي وأحمد.
وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه أمر قرظة أن يصلي على جنازة قد صلى عليها مرة.
وقال (أبو حنيفة) النعمان: إن دفن قبل أن يصلى عليه صُلي على القبر، وبه قال ابن الحسن، وقال النخعي ومالك و(أبو حنيفة) النعمان: لا تعاد الصلاة على الميت. الإشراف (2/ 352).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه: بيان جواز الصلاة على القبر لمن لم يلحق الصلاة على الميت قبل الدفن. معالم السنن (1/ 315).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه: المكافأة بالدعاء والترحم على مَن أوقف نفسه على نفع المسلمين ومصالحهم، وفيه: الرغبة في شهود جنائز الصالحين، قال ابن القصار: وفي صلاة الرسول على قبر السوداء بعد دفنها دليل على جواز الصلاة في المقبرة. شرح صحيح البخاري (2/ 107-108).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
فيه: الصلاة على القبر لمن لم يُصلِّ على الجنازة، وهذا عند كل مَن أجازه ورآه، وإنما هو بِقُرْب ذلك (أي: قُرْب دفن الميت ولم يمض عليه زمنٌ طويلٌ) على ما جاءت به الآثار عن السلف -رحمهم الله- في مثل ذلك. الاستذكار (3/ 33).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
مَن صلى على قبر، أو على جنازة قد صُلِّيَ عليها، فمباح له ذلك؛ لأنه قد فعل خيرًا لم يحظره الله ولا رسوله، ولا اتفق الجميع على المنع منه، وقد قال الله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} الحج: 77، وقد صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على قبر، ولم يأتِ عنه نسخُهُ، ولا اتفق الجميع على المنع منه، فمَن فعل فغير حرج ولا مُعَنَّفٍ، بل هو في حلٍّ وسعة وأجر جزيل -إن شاء الله-، إلا أنه ما قدُمَ عهده فمكروه الصلاة عليه؛ لأنه لم يأتِ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه أنهم صلوا على القبر إلا بحدثان ذلك، وأكثر ما روي فيه شهر، وقد أجمع العلماء أنه لا يصلى على ما قدم من القبور، وما أجمعوا عليه فحجة، ونحن نتَّبِعُ ولا نبتدع، والحمد لله. التمهيد (4/ 249-250).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
وليس ما ذكرنا من الآثار عن الصحابة والتابعين ما يرُدُّ قول مالك: إنَّ الصلاة على القبر جاء وليس عليه العمل؛ لأنها كلها آثار بصْرِية وكوفِيَّة، وليس منها شيء مَدَنِيٌّ، أعني: عن الصحابة ومن بعدهم -رضي الله عنهم-.
ومالك -رحمه الله- إنَّما حكى أنه ليس عليه العمل عندهم بالمدينة في عصره وعصر شيوخه، وهو كما قال، ما وجدنا عن مَدَنِيٌّ ما يَرُدُّ حكايته هذه، والله تعالى قد نزَّهَهُ عن التهمة والكذب، وحباه بالأمانة والصدق. التمهيد (6/ 278).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما جاء من ذلك لم يكن على وجه الصلاة، وإنما كان دعاء واستغفارًا فحسب؛ ولذا لم تذكر التكبيرات في بعض تلك الروايات، وما ذكرت فيه التكبيرات من الروايات لم تصح، كما يروى من صلاته -صلى اللَّه عليه وسلم- على شهداء أحد بعد ثمان سنين، وكان ذلك بطريق التوديع لا الصلاة، أو كان ذلك من خصائصه -صلى اللَّه عليه وسلم-، حتى ذهب بعض العلماء أن الصلاة على القبر مطلقًا من خصائص النبوة، كما يفهم من قوله: «إن اللَّه يُنَوِّرها لهم بصلاتي عليهم». لمعات التنقيح (4/ 138).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
المدة التي إليها يُصلى على القبر، كان أحمد بن حنبل يقول: يصلى عليه إلى شهر، وقال إسحاق (ابن راهويه): يصلى عليه إلى شهر للغائب من سفر، وإلا ثلاثة للحاضر، وقال (أبو حنيفة) النعمان: إذا نُسي أن يُصَلَّىْ عليه صُلِّيَ عليه ما بينهم وبين ثلاث، وقد روينا عن عائشة أنها قدمت بعد موت أخيها بشهر، فصلت على قبره. الإشراف (2/ 352-353).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
أمَّا أمر تحديد الصلاة بشهر، أو ثلاثة أيام فخطأ لا يشكل؛ لأنَّه تحديد بلا دليل، ولا فرق بين من حدَّ بهذا، أو من حدَّ بغير ذلك. المحلى (3/ 367).

قوله: «ثم قالَ: إنَّ هذِهِ القبورَ مملوءةٌ ظلمةً على أهلِهَا»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«ثم قال» أي: النبي: «إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها» لعدم المنافذ التي يدخل منها الضوء إليها، فلا ينيرها إلا الأعمال الصالحة أو الشفاعات المقبولة الراجحة. دليل الفالحين (3/ 62).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة» يعني: القبور ممتلئةٌ من الظلمة، وينوِّرها الصلاة عليها، والدعاء، والعمل الصالح التي تكون للميت. المفاتيح (2/ 435).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أمَّا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً» إلى آخره، فكالأسلوب الحكيم، يعني: ليس النظر في الصلاة على الميت إلى حقارته، ورفعة شأنه، بل هي بمنزلة الشفاعة له؛ لينور قبره، ويخفف من عذابه، وعليه الدعاء السابق، فليتأمل. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1395).
وقال الخطيب البغدادي -رحمه الله-:
وفي المتن كلام أُدْرِجَ في حديث أبي هريرة، وليس منه وهو قوله: (إن هذه القبور مملؤة على أهلها ظلمة، وإن الله ينورها بصلاتي عليها، أو عليهم) كان ثابت يرسل هذا الكلام عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يسنده بين ذلك عارم بن الفضل، وعفان بن مسلم، ومحمد بن عبيد بن حساب جميعاً، عن حماد. الفصل للوصل المدرج (2/ 636).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
زاد مسلم عن أبي كامل الجحدري عن حماد بهذا الإسناد في آخره: «ثم قال: إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنَّ الله ينورها لهم بصلاتي عليهم» وإنَّما لم يخرج البخاري هذه الزيادة؛ لأنها مدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسيل ثابت (البُنَانِيِّ) بيَّن ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد، وقد أوضحتُ ذلك بدلائله في كتاب: بيان المدرج. فتح الباري (1/ 553).
وقال الشوكاني –رحمه الله-:
قال أحمد بن حنبل: من مراسيل ثابت. نيل الأوطار (4/ 91).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
الذي يغلب على القلب: أنْ تكون هذه الزيادة في غير رواية أبي رافع عن أبي هريرة، فإمَّا أنْ تكون عن ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلة، كما رواه أحمد بن عبدة، ومن تابعه، أو عن ثابت عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما رواه خالد بن خداش، وقد رواه غير حماد عن ثابت عن أبي رافع، فلم يذكرها. السنن الكبرى (4/ 78).

قوله: «وإنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- ينوِّرُها لهم بصلاتي عليهم»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«وإنَّ الله ينورها لهم» أي: يدخل النور لهم فيها «بصلاتي» بسبب صلاتي عليهم. دليل الفالحين (3/ 62).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
«... وإنَّ الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم» فادَّعى قومٌ أنَّ هذا الكلام منه -عليه السلام- دليل على أنَّه خصوص له؟
وليس كما قالوا، وإنَّما في هذا الكلام بركة صلاته -عليه السلام- وفضيلتها على صلاة غيره فقط، وليس فيه نهي غيره عن الصلاة على القبر أصلًا، بل قد قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الأحزاب: 21، ومما يدل على بطلان دعوى الخصوص ها هنا: ما رويناه بالسند المذكور إلى مسلم: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا محمد بن إدريس عن الشيباني هو أبو إسحاق، عن الشعبي عمن حدثه قال: «انتهينا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى قبر رطب، فصلى عليه، وصفوا خلفه، وكبَّر أربعًا» قال الشيباني: قلتُ لعامر الشعبي: مَن حدَّثك؟ قال: الثقة، مَن شهده، ابن عباس، فهذا أبطل الخصوص؛ لأنَّ أصحابه -عليه السلام وعليهم رضوان الله- صلوا معه على القبر، فبطلت دعوى الخصوص. المحلى (3/ 364-365).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «بصلاتي عليهم» اعلم أنَّ صلاة النبي -عليه السلام- على القبور، ودعاءَه لهم تكون نورًا، وكذلك صلاة غيره تكون مفيدةً للميت، وتكون نورًا له أيضًا؛ لأن الصلاة مِن شَرْعِ النبيِّ -عليه السلام-، وما هو شرعُ النبي -عليه السلام- لا شك أنْ يكون رحمةً ونورًا للناس. المفاتيح (2/ 436).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وإنَّ الله ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم» وبهذا ذهب الشافعي إلى جواز تكرار الصلاة على الميت، قلنا: صلاته -صلى الله عليه وسلم- كانت لتنوير القبر؛ وذا لا يوجد في صلاة غيره، فلا يكون التكرار مشروعًا فيها؛ لأن الفرض منها يؤدَّى بمرَّة. شرح المصابيح (2/ 354).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
فلو شئتَ ادعيتَ الخُصوصية، وتمسَّكْتَ بما عند مسلم: «... وإنَّ اللَّهَ يُنوِّرُهَا لهم بِصَلاتِي عليهم» بالمعنى، وهذه الخاصِّية لم تكن إلا لصلاتِهِ -صلى الله عليه وسلّم- فلا تَقاس عليها صلواتُ الآخَرِين. فيض الباري (3/ 44).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وإنَّ الله ينورها لهم بصلاتي عليهم»، «وينورها» أي: يجعل فيها نورًا، «بصلاتي عليهم» أي: بدعائي لهم، وليست الصلاة عليهم؛ لأنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما صلى على قبر واحد لا على القبور كلها، فتحمل الصلاة هنا على الدعاء، كما حملنا الصلاة على الأموات على الدعاء في صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- على شهداء أُحُد في آخر حياته. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 544).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فيه: أنَّ صلاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الميت تنوّر له؛ فمَن له بصلاة الرسول؟! قال الله تعالى: {إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} التوبة: 103.
وفيه: أنَّ الصلاة على الميت شفاعة في حقِّه، وكلما كان الشفيع وجيهًا، كانت شفاعته أسرع قبولًا، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الوجيه في الدنيا والآخرة، المقبول الشفاعة في الجمع كلهم، فما الظن بواحدٍ يصلي عليه ويشفع فيه في صلاته؛ لأنه شرع لأمته لفظ الشفاعة في الصلاة على الجنازة، فلم يكن ليُخِلّ به، ولم يكن ليشفع إلا وتشفَّع -والله تعالى يوفقهم للصواب-. الإفصاح (7/ 188).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في الحديث: فضل تنظيف المسجد.
والسؤال عن الخادم والصديق إذا غاب.
وفيه: المكافأة بالدعاء.
والترغيب في شهود جنائز أهل الخير.
وندب الصلاة على الميت الحاضر عند قبره لمن لم يصل عليه.
والإعلام بالموت. فتح الباري (1/ 553).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان جواز الصلاة على القبر...
ومنها: بيان فضل تنظيف المسجد...
ومنها: أنَّ فيه المكافأة بالدعاء، والترحم على مَن وقف نفسه على نفع المسلمين ومصالحهم.
ومنها: أنَّ فيه الترغيب في شهود جنائز الصالحين.
ومنها: مشروعية الصلاة على الميت الحاضر عند قبره لمن لم يصلِّ عليه.
ومنها: ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من كمال الأخلاق، وكمال الرأفة بأمته، حيث كان يعتني بالضعفاء والمساكين أشد عناية، فيسأل عن أحوالهم، ويعود مرضاهم، ويصلي على موتاهم، ويشيع جنائزهم، فكان -صلى الله عليه وسلم- في الذروة العليا من مكارم الأخلاق، كما وصفه الله -سبحانه وتعالى- بذلك، حيث قال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم: 48.
ومنها: بيان ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من حسن الأدب معه -صلى الله عليه وسلم-، فلا يجترؤون على أن يوقظوه إذا نام، حتى يكون هو المستيقظ.
ومنها: مشروعية الإعلام بموت الإنسان حتى يجتمع المسلمون، فيصلوا عليه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أفلا كنتم آذنتموني؟».
ومنها: أنَّ فيه الرَّدَّ لقول مَن كره الإذن بالجنازة، فاستحب أن لا يؤذن به أحد، ولا يشعر بجنازته جار، ولا غيره.
ومنها: مشروعية تكرار الصلاة على الميت، ولو صلي عليه، فإن هذه المرأة، كانوا قد صلوا عليها قبل الدفن، ثم صلوا عليها مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الدفن.
ومنها: مشروعية الصف في الصلاة على الجنازة.
ومنها: بيان أنَّ صلاته -صلى الله عليه وسلم- على أمته رحمة لهم، ونور يزيل ظلمة القبر عنهم...
ومنها: أنه استدل به على رد التفصيل بين مَن صلى عليه فلا يصلى عليه، بأن القصة وردت فيمَن صُلِّيَ عليه، وأُجِيْب بأنَّ ذلك خصوصية له -صلى الله عليه وسلم-، وفيه: أنه لا دليل على الخصوصية، فتبصَّر. البحر المحيط الثجاج (18/ 478-479).

وللمزيد من الفائدة ينظر:
حكم الصلاة على الجنازة بين القبور.


إبلاغ عن خطأ