الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«من اقْتَنَى كلبًا إلا كلب صَيْد أو مَاشِيَة، نَقَص من أَجْرِه كل ‌يوم ‌قِيْراطَان».


رواه البخاري برقم: (5481)، ومسلم برقم: (1574) واللفظ له، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
ولفظ البخاري: «‌مَنِ ‌اقْتَنَى ‌كلبًا ‌إِلَّا ‌كلبَ ضَارٍ لِصَيْدٍ أو كلبَ ماشِيةٍ...».
وعند مسلم برقم: (1574): «مَن اقتنى كلبًا ‌إلا ‌كلب ‌ضارية...».
وفي رواية عند البخاري برقم: (3324)، ومسلم برقم: (1575)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «مَن أَمسكَ كلبًا، فإنه يَنقصُ من ‌عملِه ‌كُلَّ ‌يوم ‌قيراطٌّ ‌إلا ‌كلبَ ‌حرثٍ أو ماشية».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«اقْتَنَى»:
اقْتَنَى الشيء تَقْتَنِيْه اقتنَاءً من القُنْيِة: إذا تَملَّكهُ لنفسه ليبقى لا للتجارة. الشافي، لابن الأثير (5/ 422).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
القُنية: ما اقتُنِيَ من شَاة أو ناقة. الفائق (3/ 229).

«ضارٍ»:
أي: كلبًا مُعوَّدًا بالصيد. يُقال: ضَرِيَ الكلبُ وأَضْراه صاحبُه، أي: عوَّده وأَغراه به، ويُجمع على ضَوارٍ. والمواشي الضَّارية. النهاية، لابن الأثير (3/ 86).

«ماشية»:
جمعها: المواشي، وهي اسم يقع على الإبل والبقر والغنم، وأكثر ما يُستعمل في الغنم. النهاية، لابن الأثير (4/ 335).

«‌قِيْراطَان»:
القِيراط: جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عُشْرِهِ في أكثر البلاد.
وأهل الشام يجعلونه جزءًا من أربعة وعشرين، والياء فيه بدل من الرَّاء، فإن أصله: قِراط. النهاية، لابن الأثير (4/ 42).


شرح الحديث


 قوله: «من اقْتَنَى كلبًا»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
يقال: اقتنى الشيء: إذا اتخذه للادِّخَار، ويشمل سائر أنواع الكلاب «إلا كلب صيد». كشف اللثام (7/ 6).

قوله: «إلا كلب صيد»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
«إلا» هنا بمعنى: غير، صفة «لكلب» لا استثناء لتعذُّره، ويجوز أن تنزل النكرة منزلة المعرفة، فيكون استثناء لا صفة، كأنه قيل: من اقتنى الكلب. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2815).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
إلا كلب صيد للصائد به. إكمال المعلم بفوائد مسلم (5/ 242).
وقال النجمي -رحمه الله-:
«إلا كلب صيد» المقصود به: الكلب الْمُعلم الذي يُصَطاد به. تأسيس الأحكام (5/ 161).

‌قوله: «إلا ‌كلب ضَارٍ» وفي رواية: «‌إلا ‌كلب ‌ضَارية»:
قال زكريَّا الأنصاري -رحمه الله-:
«إلَّا ‌كلبًا ‌ضارٍ» بنصب (‌كلب) وإضافتِه إلى (‌ضارٍ) إضافةً بيانيَّة، من بابِ إضافةِ الموصوفِ إلى صفتِه. منحة الباري (8/ 584).
وقال النووي -رحمه الله-:
الضَّاري هو المعلَّمُ الصيدَ المعتادُ له، يُقال منه: ضَرِيَ الكلبُ يَضرَى كشرِيَ يشرَى ضَرًى وضراوةً، وأَضْراه صاحبُه، أي عوَّده ذلك. وقد ضَرِيَ بالصيد إذا لَهِج به. المنهاج شرح صحيح مسلم(10/ 238).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قولُه (ضارية) أي معتادةٌ بالصيد، يعني: مُعلَّمة. يُقال: ضَرِيَ الكلبُ بالصيد ضراوةً، أي تعوَّد. فإن قلتَ: حقُّ اللفظ أن يُقال ‌ضارٍ مثل قاضٍ، بدون التأنيث وبدون التحتانية، قلتُ: (ضارية) صفةٌ للجماعة الصائدين أصحابِ الكلاب المعتادة للصيد، فسمُّوا به استعارةً، أو هو من باب التناسب للفظ (ماشية) نحو: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ. الكواكب الدراري(20/ 82).

قوله: «أو ماشية»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الماشية: الغنم، وكلبها الذي جرت به: أن يكون يتبع الغنم ليحفظها ويحرسها. الشافي في شرح مسند الشافعي (5/ 422).
وقال العيني -رحمه الله-:
والماشية: اسم يقع على الإبل والبقر والغنم، وأكثر ما يستعمل في الغنم، ويجمع على مواشي. عمدة القاري (12/ 158).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وجمع الماشية مَوَاشٍ، والمراد هنا: الإبل والبقر أو الغنم، والأكثر استعمالها في الغنم. طرح التثريب (6/ 27).
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «أو ماشية» أو للتنويع لا للترديد، واستثنى الكلب الذي فيه منفعة ومصلحة ترجيحًا للمصلحة الراجحة على المفسدة. الكواكب الدراري(10/ 149).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
كلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها، لا الذي يحفظها في الدار من السُّرَّاق. المفهم (4/ 450).

قوله: «نَقَص من أَجْرِه»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: من أجر عمله الماضي، فيكون الحديث محمولًا على التهديد؛ لأن حَبْطَ الحسنة بالسيئة ليس مذهب أهل السنة.
وقيل: من أجر عمله المستقبل حين يوجد، وهذا أقرب؛ لأن الله تعالى إذا نقص من مزيد فضله في ثواب عمله، ولا يُكتب كاملًا، لا يكون حَبْطًا. شرح المصابيح (4/ 506).
وقال النووي -رحمه الله-:
المراد: نقص جزء من أجر عمله. شرح صحيح مسلم (10/ 239).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
المراد بالنقص: أن الإثم الحاصل باتخاذ الكلب يوازن قدر قيراط أو قيراطين من أجر متخذه، فينقص من ثواب عمل المتخذ قدر ما يترتب عليه من الإثم باتخاذه، وهو قيراطان. كشف اللثام (7/ 8).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
اختُلِفَ في معنى قوله: «نقص من عمله كل يوم قيراطان» وأقرب ما قيل في ذلك قولان:
أحدهما: أن جميع ما عمله من عمل ينقص لمن اتخذ ما نُهِي عنه من الكلاب بإزاء كل يوم يمسكه فيه جزآن من أجزاء ذلك العمل.
وقيل: من عمل ذلك اليوم الذي يمسكه فيه، وذلك لترويع الكلب للمسلمين، وتَشْوِيْشِه عليهم بنُبَاحه، ومنع الملائكة من دخول البيت، ولنجاسته على ما يراه الشافعي.
الثاني: أن يُحبط من عمله كله عملان، أو من عمل يوم إمساكه؛ عقوبة له على ما اقتحم من النهي -والله تعالى أعلم-. المفهم (4/ 451-452).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
يحتمل: أن يُراد به (يعني: النقص) هذا المعنى أيضًا بعينه، وهو نصف سدس أجر عمله ذلك اليوم، ويكون صغر هذا القيراط وكبره بحسب قِلَّة عمله وكثرته، فإذا كانت له أربعة وعشرون ألف حسنة مثلًا نقص منها كل يوم ألفا حسنة، وعلى هذا الحساب -والله أعلم- بمراد رسوله، وهذا مبلغ الجهد في فهم هذا الحديث. بدائع الفوائد (3/ 138).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ووجه قوله -عليه السلام- في هذا الحديث من نقصان الأجر محمول عندي -والله أعلم- على أن المعاني المتعبد بها في الكلاب من غسل الإناء سبعًا إذا ولغت فيه لا يكاد يُقام بها، ولا يكاد يُتَحَفَّظ منها؛ لأن متخذها لا يسلم من ولوغها في إنائه، ولا يكاد يؤدي حق الله في عبادة الغسلات من ذلك الولُوغ فيدخل عليه الإثم والعصيان، فيكون ذلك نقصًا في أجره بدخول السيئات عليه.
وقد يكون ذلك من أجل أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ونحو ذلك وقد يكون ذلك بذهاب أَجرهِ في إحسانه إلى الكلاب؛ لأن معلومًا، أن في الإحسان إلى كل ذي كبد رطبة أجرًا، لكن الإحسان إلى الكلب ينقص الأجر فيه، أو يبلغه ما يلحق مقتنيه ومتخذه من السيئات بترك أدبه لتلك العبادات في التحفظ من ولُوْغِه والتهاون بالغسلات منه، ونحو ذلك مثل ترويع المسلم وشبهه -والله أعلم- بما أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قوله ذلك. التمهيد (14/ 222).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وجوَّز ابن عبد البر أن يكون القيراط الذي ينقص أجر إحسانه إليه؛ لأنه من جملة ذوات الأكباد الرطبة أو الحرَّى، ولا يخفى بُعْدُه. فتح الباري (5/ 7).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
معنى «نقص من أجره»: قيل: إنه يحتمل بـ: القيراطان جزءًا ما في نوعين من كلاب:
أحدهما: أشد أذى من الآخر لهم، وبسبب التَّرْوِيع (التخويف) للمسلمين، والأذى لهم يكتسب من الإثم ما ينقص من أجر عمله هذا...
وقيل: ينقص مما مضى من عمله.
وقيل: من مستقبله؛ لاتخاذه ما نُهِيَ عنه وعصيانه في ذلك.
وقيل: بل من امتناع دخول الملائكة بيته بسببه.
وقيل: بل لما يلحق من ترويع الكلاب ومراقبة أحكام اتخاذه من غسل الإناء من ولوغها، ومن نجاستها عند من يراها نجسة في الاتجار للتملك منه، ولا يرعى ذلك، فيدخل عليه الإثم من أجله، فيدخل عليه في هذه الوجوه من السيئات ما ينقص من أجره في يومه، فيحتسب أجره في إحسانه إليه؛ لما جاء من أن «في كل ذي كبد رطبة أجر»، فقد يمحو أجره في ذلك، أو ينقصه ما يلحق مقتنيه من السيئات بترك أدائه العبادات فيه، ولمراعاة أحكامه، أو لترويع غيره.
وقيل: يختص هذا النقص من البِر ما يطابق الإثم، وهو أجره من تغيير المنكر كل مرة، فينقص منه ذلك القدر لموافقته في اتخاذ الكلب مثله، والله أعلم بما أراد رسوله. إكمال المعلم (5/ 245).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «نقص من أجره كل يوم قيراط» أما نقصان الأجر، فإن ذلك لما يقع من التفريط في غسل الإناء من ولوغ الكلب، وما يدخل على صاحبه من الإثم من ترويع الناس وإذايتهم.
وإنما يكون النقص من أجر قد تقدم لا من مستقبل، فإذا رآه صاحبه يؤذي الناس ولا يطرده، فهذا هو الذي ينقص من عمله وأجره قيراط. المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 527).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وسببه (أي: النقصان) أنه خالف رسول الله، فإنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن اقتناء الكلب؛ لأن الكلب نجس، ولم يكن أهل الجاهلية يحترزون عن الكلب، وكأن ثيابهم وفراشهم وأوانيهم تتنجس باتصالها بالكلب، فعظّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إثم من خالط الكلب وحفظه في بيته كَيْلَا يُنجِّس ثياب المسلمين وأوانيهم وفراشهم بالكلب. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 479).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الاختلاف المذكور في تعيين نوع العمل الذي نقص منه القيراط، أو القيراطان، مما لا فائدة فيه.
قال بعض المحققين: لا سبيل إلى تعيين هذا بالقياس، فإن مثله يتوقف على السماع، ولم يوجد، فلسنا بحاجة إلى تعيين ذلك، ومقصود الشارع: أن اقتناء الكلب بدون حاجة يُنْقِصُ من عمل الشخص قيراطين كل يوم، فيجب أن يحذر منه، وليس عندنا ما نتحقق به قدر القيراطين، ولا تعيين أعمال ينقص منها ذلك القدر، فلا حاجة إلى الخوض في أمثال هذه المباحث، قال: ويعجبني قول الأُبِّي -رحمه الله-: والله أعلم بمراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وذِكْرُ القيراط هنا تقدير لمقدارٍ -الله أعلم به-، والمراد به: نقص جزء ما، انتهى، وهو بحث مهم جدًّا -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (27/ 489).

قوله: «كل ‌يوم ‌قِيْراطَان»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وذكر القيراط هنا تقرير لمقدارٍ -الله أعلم به-، والمراد: نقص جزء ما. إكمال المعلم (5/ 246).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واختلفوا في اختلاف الروايتين في القيراطين والقيراط؛ فقيل: الحكم الزائد لكونه حفظ ما لم يحفظه الآخر، أو أنه -صلى الله عليه وسلم- أخبر أولًا بنقص قيراط واحد، فسمعه الراوي الأول، ثم أخبر ثانيًا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد في التنفير من ذلك، فسمعه الراوي الثاني.
وقيل: ينزل على حالين، فنقصان القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذها، ونقص القيراط باعتبار قِلَّته.
وقيل: يختصُّ نقص القيراطين بمن اتخذها بالمدينة الشريفة خاصة، والقيراط بما عداها.
وقيل: يلتحق بالمدينة في ذلك سائر المدن والقرى، ويختص القيراط بأهل البوادي، وهو يلتفت إلى معنى كثرة التأذِّي وقلَّته، وكذا من قال يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب، ففيما لابسه آدمي قيراطان وفيما دونه قيراط. فتح الباري (5/ 7).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
القيراط: جزء من اثني عشر جزءًا من الدرهم، وجزء من عشرين جزءًا من الدينار، فإن جعلت بالنقص من قراريط الدرهم فهو سدس العمل، وإن جعلته من قراريط الدينار فهو عشر العمل، والمراد بنقص العمل: نقص الأجر والثواب عليه. الشافي في شرح مسند الشافعي (5/ 422).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
القيراط في الأصل: نصف دَانِق (هو سدس الدينار والدرهم)، والمراد ها هنا: مقدار معلوم عند الله، أي: نقص جزئين من أجزاء عمله. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (20/ 82).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واختلف في القيراطين المذكورين هنا هل هما كالقيراطين المذكورين في الصلاة على الجنازة واتباعها؟
فقيل: بالتسوية، وقيل: اللذان في الجنازة من باب الفضل، واللذان هنا من باب العقوبة، وباب الفضل أوسع من غيره. فتح الباري (5/ 7).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
عندي أن القول الثاني هو الأشبه، فتأمله -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (27/ 490).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
اعلم أن الكلاب في أصل الشرع ممنوعة الاقتناء؛ ولهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتلها أولًا كلها، ثم نسخ ذلك، ونهى عن قتلها إلا الأسود البهيم، ثم استقرَّ الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب التي لا ضرر فيها، سواء الأسود وغيره. العدة في شرح العمدة (3/ 1623).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اقتناء الكلب للحرث والماشية والصيد مباح بدليل الكتاب والسنة. شرح صحيح البخاري (6/ 459).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
واتفقوا على أنه يحرم اقتناء الكلاب لغير حاجة كأن يقتني كلبًا إعجابًا بصورته، أو للمفاخرة به، فهذا حرام بلا خلاف، وأما الحاجة التي يجوز الاقتناء لها فقد بُيِّنَتْ في حديث الباب ونحوه، وهي الصيد، وحراسة الماشية، والزرع. المنهل العذب المورود (1/ 262).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وهذا يدلُّ على أنَّ اتخاذَ الكلابِ من كبائرِ الذنوب، إلَّا ما استُثني: الصيدُ، والحَرْثُ، والماشيةُ. شرح رياض الصالحين (6/ 429).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفي معنى هذا الحديث تدخل عندي إباحة اقتناء الكلاب للمنافع كلها، ودفع المضار إذا احتاج الإنسان إلى ذلك، إلا أنه مكروه اقتناؤها في غير الوجوه المذكورة في هذه الآثار لنقصان أجر مقتنيها -والله أعلم-.
وقد أجاز مالك وغيره من الفقهاء اقتناء الكلاب للزرع والصيد والماشية، ولم يُجِز ابن عمر اقتناءه للزرع، ووقف عندما سمع، وزيادة من زاد في هذا الحديث الحرث والزرع مقبولة، فلا بأس باقتناء الكلاب للزرع والكرم (أي: العنب)، وإنها داخلة في معنى الحرث، وكذلك ما كان مثل ذلك، كما يقتنى للصيد والماشية وما أشبه ذلك، وإنما كره من ذلك اقتناؤها لغير منفعة وحاجة وَكِيْدَة، فيكون حينئذٍ فيه تَرْوِيْع الناس، وامتناع دخول الملائكة في البيت والموضع الذي فيه الكلب، فمن ها هنا -والله أعلم- كُرِهَ اتخاذها، وأما اتخاذها للمنافع فما أظن شيئًا من ذلك مكروهًا؛ لأن الناس يستعملون اتخاذها للمنافع ودفع المضرة قرنًا بعد قرن، في كل مِصْر وبادية فيما بلغنا -والله أعلم-، وبالأمصار علماء ينكرون المنكر، ويأمرون بالمعروف، ويسمع السلطان منهم، فما بلغنا عنهم تغيير ذلك إلا عند أذى يحدث من عَقْر الكلب ونحوه، وإن كنت ما أحب لأحد أن يَتَّخِذ كلبًا ولا يَقْتَنِيَه إلا لصيد أو ماشية في بادية، أو ما يجري مجرى البادية من المواضع المخوف فيها الطرق والسرق، فيجوز حينئذٍ اتخاذ الكلاب فيها للزرع وغيره؛ لما يخشى من عَادِيَة الوحش وغيره -والله أعلم-.
وقد سئل هشام بن عروة عن الكلب يُتَّخَذ للدار، فقال: لا بأس به، إذا كانت الدار مخوفة. التمهيد (14/ 219-220).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وقد يستدل بإطلاق لفظ الكلب على أن الأسود كغيره في الرخصة، وبه قال مالك، والشافعي، وجماهير العلماء، قالوا: لأنه غير خارج عن جنس الكلاب، ولو ولغ في إناء وغيره، وجب غسله؛ كما يغسل من ولوغ غيره من الكلاب كالأبيض وغيره.
وقال أحمد، وبعض أصحاب الشافعي: لا يحل صيده، ولا يحل أكله إذا قتله؛ لأنه شيطان، وإنما أُحِلَّ صيد الكلب -والله أعلم-. العدة في شرح العمدة (3/ 1626).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ولا يحل إمساك كلب أسود بهيم أو ذي نقطتين لا لصيد ولا لغيره، ولا يحل تعليمه، ولا أكل ما قتل من الصيد أصلًا، إلا أن تدرك ذكاته؛ ولا اتخاذ كلب سوى ذلك أصلًا إلا لزرع، أو ماشية، أو صيد، أو ضرورة خوف. المحلى بالآثار (6/ 174).
وقال المازري -رحمه الله-:
وقد اختلف الناس في اتخاذها لحراسة الدُّوْرِ، هل يجوز ذلك قياسًا على ما وقع في الحديث من إجازة اتخاذها لحراسة الزرع والضرع، أم لا يجوز ذلك؟
وقد اعتل بعض أصحابنا (المالكية) للنهي عن اتخاذها لحراسة الديار بأن في ذلك مضرة وترويعًا للناس، وهي إنما تُتَّخَذُ حراسة من السارق، وقد تؤذي إذا كانت في الديار من ليس بسارق ومن لم يسرق بعد.
وفي الحديث: «أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب» وهذا المعنى هو الْمُفرِّق بين اتخاذها في الديار واتخاذها لما ذُكِرَ في الحديث. المعلم بفوائد مسلم (2/ 293).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
لا يجوز وضع الكلاب في البيوت للحراسة، كما قال بعضهم: إن كلب الحراسة يقاس على كلب الحرث. شرح سنن النسائي (18/ 18).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الأصح عند الشافعية: إباحة اتخاذ الكلاب لحفظ الدرب (أي: الطريق) إلحاقًا للمنصوص بما في معناه كما أشار إليه ابن عبد البر. فتح الباري (5/ 7).
وقال الشيخُ عبدُ العزيز الراجحي -حفظه الله-:
وأمَّا الكلبُ البوليسي فقد يُقال: بجوازِ اقتنائِه لما فيه من المصلحة، أخذًا من قواعدِ الشريعة العامَّة. وقد يُقال: بجواز اقتنائِه بالقياس على هذه الأمورِ الثلاثة من بابِ الأولى؛ لأنَّ في اقتنائِه مصلحةَ معرفةِ السارق، ومعرفةِ الشيءِ المُشتبَه، ونحو ذلك.
وهناك أمرٌ آخر، وهو: أنَّ كلبَ الصيد، والغنم، والماشية، يُقتنَى ولا يُباع؛ لقولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «ثمنُ الكلبِ خبيث»، ولكن يجوزُ إهداؤه. شرح سنن النسائي(4/ 21).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في قوله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث: «نقص من عمله، أو من أجره» يريد: من أجر عمله كل يوم قيراطان؛ دليل على أن اتخاذها ليس بمحرم؛ لأن ما كان محرمًا اتخاذه لم يجز اتخاذه ولا اقتناؤه على حال نقص من الأجر، أو لم ينقص، وليس هذا سبيل النهي عن المحرمات أن يقال فيها: من فعل كذا، ولكن هذا اللفظ يدل -والله أعلم- على كراهية لا على تحريم. التمهيد (14/ 221-222).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا لابن عبد البر:
وما ادَّعاه من عدم التحريم، واستند له بما ذكره ليس بلازم، بل يحتمل: أن تكون العقوبة تقع بعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط مما كان يعمله من الخير لو لم يتخذ الكلب.
ويحتمل: أن يكون الاتخاذ حرامًا، والمراد بالنقص: أن الإثم الحاصل باتخاذه يوازي قدر قيراط أو قيراطين من أجر، فينقص من ثواب عمل المتخذ قدر ما يترتب عليه من الإثم باتخاذه وهو قيراط أو قيراطان. فتح الباري (5/ 6).
وقال المازري -رحمه الله-:
وكذلك أيضًا تنازع العلماء في كلب الصيد إذا اتخذه من ليس بصائد، هل يجوز أخذًا بظاهر هذا الحديث، أو يُنْهَىْ عن ذلك، ويكون معنى الحديث إلا كلب صيد للصائد به؟ المعلم بفوائد مسلم (2/ 293-294).
وقال العراقي -رحمه الله-:
استُدِلَّ به على جواز اقتناء كلب الصيد ونحوه، وإن لم يرد الاصطياد به في الحال ولا فيما بعد؛ لأنه صدق أنه اقتنى كلب صيد، وقد حكى بعض أصحابنا (الشافعية) فيه وجهين؛ لكن الأصح تحريمه، وظاهر كلام الجمهور: القطع به؛ لأنه اقتناه لغير حاجة، فأشبه غيره من الكلاب، ومعنى الحديث: إلا كلبًا يصطاد به...، فلو اقتنى كلبًا لا يحسن الصيد، لكن يقصد تعليمه ذلك، فإن كان كبيرًا جاز، وإن كان جروًا يُرَبَّى ثم يُعَلَّم ففيه لأصحابنا وجهان: أصحهما: الجواز أيضًا، واستُدِلَّ له بالحديث؛ لأن هذا كلب صيد في المآل، ولو منع من ذلك لتعذَّر اتخاذ كلاب الصيد، فإنه لا يتأتى تعليمها إلا مع اقتنائها. طرح التثريب (6/ 28-29).
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن عبد البر: في ‌هذا ‌الحديث ‌إباحة ‌اتخاذ ‌الكلاب ‌للصيد ‌والماشية، وكذلك الزرع لأنها زيادة حافظ، وكراهة اتخاذها لغير ذلك، إلا أنه يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذكر اتخاذها لجلب المنافع ودفع المضار قياسًا، فتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة لما فيه من ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة للبيت الذي هم فيه. فتح الباري (5 /6)
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
واستُدِلَّ به على طهارة الكلب الجائز اتخاذه؛ لأن في ملابسته مع الاحتراز عنه مشقة شديدة؛ فالإذن في اتخاذه إذن في مُكَمِّلات مقصوده، كما أن المنع من لوازمه مناسب للمنع منه، وهو استدلال قوي لا يعارضه إلا عموم الخبر الوارد في الأمر من غسل ما ولغ فيه الكلب من غير تفصيل، وتخصيص العموم غير مستنكر إذا سوَّغه الدليل. فتح الباري (5/ 7).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
السِّر في ذلك: أنه يشبه الشيطان بِجِبِلَّتِه؛ لأن ديدنه لعب وغضب، واطِّراح في النجاسات، وإيذاء للناس، ويقبل الإلهام من الشياطين، فرأى منهم صدودًا وتهاونًا، ولم يكن سبيل إلى النهي عنه بالكلية لضرورة الزرع والماشية والحراسة والصيد، فعالج ذلك باشتراط أتم الطهارات وأوكدها، وما فيها بعض الحرج؛ ليكون بمنزلة الكفارة في الردع والمنع، واستشعر بعض حملة الملَّة بأن ذلك ليس بتشريع بل نوع تأكيد، واختار بعضهم رعاية ظاهر الحديث والاحتياط أفضل. حجة الله البالغة (1/ 314).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: بيانُ شُؤمِ اقتناءِ الكلبِ غيرِ المأذون.
ومنها: جوازُ اتخاذِ الكلبِ لحفظِ الماشية، وللصيد.
ومنها: أنَّ من اتخذ كلبًا لم يأذن به الشارعُ، ممَّا سبق آنفًا، فقد جنى على نفسه؛ حيث يذهبُ عليه كلَّ يومٍ قيراطان من عمله الصالح، فما أعظمه من خسارة! ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله.
ومنها: أنَّ الأصحَّ عن الشافعية إباحةُ اتخاذِ الكلاب؛ لحفظ الدَّرب، إلحاقًا للمنصوص بما في معناه، كما أشار إليه ابنُ عبد البر.
ومنها: أنَّهم اتفقوا على أنَّ المأذون في اتخاذه، ما لم يحصل الاتفاق على قتله، وهو الكلبُ العقور. وأمَّا غيرُ العقور، فقد اختلف: هل يجوز قتله مطلقًا، أم لا؟
ومنها: أنَّه استُدلَّ به على جواز تربيةِ الجَرو الصغير؛ لأجل المنفعة التي يَؤول أمرُه إليها إذا كَبِر، ويكون القصد لذلك قائمًا مقام وجود المنفعة به، كما يجوز بيعُ ما لم يُنتفع به في الحال؛ لكونه يُنتفع به في المآل.
ومنها: أنَّه استُدلَّ به على طهارة الكلبِ الجائز اتخاذه؛ لأن في مُلابسته مع الاحتراز عنه مشقَّة شديدة، فالإذنُ في اتخاذه إذنٌ في مكمِّلات مقصوده، كما أنَّ المنع من لوازمه مناسبٌ للمنع منه.
ومنها: أنَّ فيه بيانَ لطفِ الله تعالى بخلقه، في إباحة ما لهم به نفع.
ومنها: أنَّه -صلى الله عليه وسلم- بيَّن لأمته كلَّ ما يحتاجون إليه، من أمور معاشهم ومعادهم.
ومنها: أنَّ فيه ترجيحَ المصلحة الراجحة على المفسدة؛ لوقوع استثناء ما يُنتفع به، ممَّا حُرِّم اتخاذه. البحر المحيط الثجاج (27/ 486-487).

وللمزيد من الفائدة ينظر:
فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم اتخاذ الكلب لحراسة البيوت.

 - وهل يجوز بيع وشراء الكلب الخاص بالحراسة؟


إبلاغ عن خطأ