«أن الله -عز وجلَّ- قال: أنا عند ظنِّ عبدي بي، إن ظنَّ بي خيرًا فلهُ، وإن ظنَّ شرًّا فلهُ».
رواه أحمد برقم: (9076)، وابن حبان برقم: (639)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4315)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1663).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«ظنِّ»:
الظاء والنون أصيل صحيح يدل على معنيين مختلفين: يقين، وشك. مقاييس اللغة، ابن فارس (3/ 462).
شرح الحديث
قوله: «أن الله -عز وجلَّ- قال: أنا عند ظنِّ عبدي بي»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي» معناه: أُعامل العبد على حسن ظنه بي، وأفعل به ما يتوقعه مني.
والمراد: الحث على حسن الظن بالله، وتغليب الرجاء على الخوف، والظن هنا بمعنى: اليقين والاعتقاد، لا بمعنى: الشك. شرح المصابيح (3/ 84).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقوله: «أنا عند ظن عبدي بي» لا يتوجه إلا إلى المؤمنين خاصة أي: أنا عند ظن عبدي المؤمن بي، وفي القرآن آيات تشهد أن عباده المؤمنين وإن أسرفوا على أنفسهم أنه عند ظنهم به من المغفرة والرحمة، وإن أبطأت حينًا وتراخت وقتًا لإنفاذ ما حتم به، على من سبق عليه إنفاذ الوعيد تحلَّة القسم؛ لأنه قد كان له أن يعذب واحد أبدًا كإبليس، فهو عند ظن عبده، وإن عاقبه بُرهة فإن كان ظنه به ألا يعذبه بُرهة، ولا تحلة فإنه كذلك يجده كما ظن إن شاء الله فهو أهل التقوى وأهل المغفرة. شرح صحيح البخاري (10/ 500- 501).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «أنا عند ظن عبدي بي» قيل: معناه: بالغفران له إذا استغفرني، والقبول إذا أناب إلي، والإجابة إذا دعاني، والكفاية إذا استكفاني؛ لأن هذه الصفات لا تظهر من العبد إلا إذا أحسن ظنه بالله وقوي يقينه.
قال القابسي: يحتمل أن يكون تحذيرًا مما يجري في نفس العبد، مثل قوله: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} البقرة: 284، وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} البقرة: 235 وقال الخطابي في قوله: «لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله» يعني: في حسن عمله، فمَن حَسُنَ عمله حَسُنَ ظنه، ومن ساء عمله ساء ظنُّه، وقد يكون من الرجاء وتأميل العفو. إكمال المعلم (8/ 172).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي» قيل: معناه: ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن قبول الأعمال عند فعلها على شروطها؛ تمسكًا بصادق وعده وجزيل فضله.
قلت: ويؤيده قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة». وكذلك ينبغي للتائب والمستغفر، وللعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك، موقنًا أن الله تعالى يقبل عمله، ويغفر ذنبه فإن الله تعالى قد وعد بقبول التوبة الصادقة، والأعمال الصالحة، فأما لو عمل هذه الأعمال، وهو يعتقد أو يظن أن الله تعالى لا يقبلها، وأنها لا تنفعه، فذلك هو القنوط من رحمة الله، واليأس من رَوح الله، وهو من أعظم الكبائر، ومَن مات على ذلك وصل إلى ما ظن منه، كما قد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء».
فأما ظن المغفرة والرحمة مع الإصرار على المعصية، فذلك محض الجهل والغرة، وهو يجر إلى مذهب المرجئة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «الكيِّس مَن دان نفسه وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجز من أَتْبَعَ نفسه هواها، وتمنى على الله».
والظن: تغليب أحد المجوزين بسببٍ يقتضي التغليب، فلو خلا عن السبب المغلب لم يكن ظنًّا بل غرة وتمنِّيًا. وقد تقدم في الجنائز الكلام على قوله: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله». المفهم (7/ 5- 6).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وقوله: «أنا عند ظن عبدي بي»، يعني: أنه إن تباعد ظنه فبلغ أقصى مبلغ من الأماني العريضة والآمال الطويلة فإني عند ظنه، كما أنه إن جهلني عبدي فظن فيَّ ظنًا ضعيفًا فأمَّلني أملًا صغيرًا، فلم يتَّسع أملُه لسوء ظنه بجودي، كان الحد الذي انتهى إليه قصور نفسه، هو الذي حبسه عن النيل لما أدركه أهل حسن الظن. الإفصاح (6/ 47).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي»… الحديث. الظن: ما كان كالواسطة بين اليقين والشك، استُعمل تارة بمعنى اليقين، وذلك إذا قويت أمارته؛ وتارة بمعنى الشك إذا ضعفت أماراته؛ وبمعناهما ورد التنزيل؛ قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} البقرة: 46 أي: يوقنون، وقال جل جلاله: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ} القصص: 39 أي: توهموا، وكذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} التوبة: 118، وقوله: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} آل عمران: 154.
فالأول من اليقين، والثاني من الشك. الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 521- 522).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -عز وجل-: «أنا عند ظن عبدي بي»... وقيل: المراد به الرجاء وتأميل العفو، وهذا أصح. شرح صحيح مسلم (17/ 2)
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
قوله -سبحانه وتعالى-: «أنا عند ظن عبدي بي» قال العلماء: معنى حسن الظن بالله تعالى: أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفًا راجيًا ويكونان سواء.
وقيل: يكون الخوف أرجح فإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء أو محَّضَه؛ لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى والإذعان له. شرح صحيح مسلم (17/ 210).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يقول الله -تعالى-: أنا عند ظن عبدي بي» أي: قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامل به. فتح الباري (13/ 386).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
فقوله: «أنا عند ظني عبدي بي» الحديث، فمعنى الحديث: أنا محقِّق له ما يظنه بي من الخير ويرجوه عندي من الفضل، وإذا حقق الله -سبحانه وتعالى- لعبده ذلك المرجو له من الفضل حصل له البِشْر والطمأنينة، اهـ. قاله في حادي القلوب. فتح القريب المجيب (13/ 304).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله في الحديث: «قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظنَّ خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله» الحديث، وفي الصحيح: «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء».
الظن في الشرع ينقسم إلى: واجب، ومندوب، وحرام، ومباح:
فالواجب: حُسن الظن بالله تعالى، والحرام سُوء الظن به -سبحانه وتعالى-، قال الله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} فصلت: 23 الآية، وكذلك كل مَن ظاهره العدالة من المسلمين، وعلى هذا حُمل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث»، أي: الظن بالمسلم من غير سبب.
والمندوب: حُسن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين.
والمباح: هو الجائز كقول الصدِّيق لعائشة: «إنما هما أخواك وأختاك» فاستجاز الظن لما وقع في قلبه أن الذي في بطن امرأته أنثى، ومن هذا القسم: الظن بمن اشتهر بين الناس بمخالطة الذنب، والمجاهرة بالخبائث، فلا يحرم سُوء الظن به؛ لأنه قد دل على نفسه، فمن ستر على نفسه لم يُظن به إلا خيرًا، ومَن دخل مداخل السوء، ومَن هَتَك نفسه ظنَنَّا به السوء، ومن الظن الجائز بإجماع المسلمين: ما يحصل بظن الشاهدين من التقويم وأرش الجنايات والبينات عند الحكام، وما يحصل بخبر الواحد في الأحكام بالإجماع، ويجب العمل به قطعًا. فتح القريب المجيب (13/ 311- 312).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي» فيه ترغيب من الله -عز وجل- لعباده بتحسين ظنونهم، وأنه يعاملهم على حسبها، فمن ظن به خيرًا أفاض عليه جزيل خيراته، وأسبل عليه جميل تفضُّلاته، ونثر عليه محاسن كراماته وسوابغ عطيَّاته، ومن لم يكن في ظنه هكذا لم يكن الله تعالى له هكذا، وهذا هو معنى كونه -سبحانه وتعالى- عند ظن عبده، فعلى العبد أن يكون حَسَن الظن بربه في جميع حالاته، ويستعين على تحصيل ذلك باستحضاره ما ورد من الأدلة الدالة على سعة رحمة الله -سبحانه وتعالى-. تحفة الذاكرين (ص: 13).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: ترجيح جانب الرجاء، وأن الإنسان إذا أمَّل عفو الله وصفحه أعطاه الله أَمَلَه وعفا عنه.
وأما قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} الزمر: 47، فذلك في حق الكفار، وكذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: «والعاجز مَن أَتْبَعَ نفسه هواها، وتمنَّى على الله» أي طلب المغفرة من غير تحفُّظ ولا توبة ولا تعاطي سبب، والمؤمِّل عفو الله لا يكون أمله إلا عن سبب من توبة واستغفار وتقرب بحسنات تمحو سيئاته، فيرجو لحوق الرحمة له ومحو سيئاته.
وقد كان السلف يستحبون استحضار ما يقتضي الرجاء قُرب الموت؛ ليحصل معه ظن المغفرة فيدخل في هذا الحديث ونحوه، بخلاف زمن الصحة ينبغي فيه استحضار ما يقتضي الخوف؛ ليكون أَعْوَن على العمل، وأما حالة الموت فإنه لا عمل فيها، فإذا لم يَرْجُ أَيِسَ وإذا رجا انبسط وحمله ذلك على التوبة والتقرب في تلك الحالة بما أمكنه والله أعلم. طرح التثريب (8/ 234- 235).
قوله: «إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ»:
قال ابن الجوزي رحمه الله-:
اعلم أنَّ صدق رجاء المؤمن لفضل الله -عز وجل- وجوده يوجب حسن الظن به، وليس حُسن الظن به ما يعتقده الجهال من الرجاء مع الإصرار على المعاصي، وإنما مَثَلهم في ذلك كمَثَل مَن رجا حصادًا وما زرع، أو ولدًا وما نكح. وإنما العارف بالله -عز وجل- يتوب ويرجو القبول، ويطيع ويرجو الثواب. كشف المشكل (3/ 323).
وقال العيني -رحمه الله-:
يعني: إن ظن أني أعفو عنه وأغفر له فله ذلك...، ويقال: إن كان فيه شيء من الرجاء رجاه؛ لأنه لا يرجو إلا مؤمن بأن له ربًا يجازي، ويقال: إني قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامله به. عمدة القاري (25/ 101).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
أي: إنْ ظنَّ بي العفو فله ذلك... وكذلك إذا اعتمد على الله تعالى في أمر من الأمور يعامله الله تعالى بلطفه وكرمه ما ظن، وهذا مقام يُشعر بكمال التوكل والاعتماد على الله، ولهذا أخذ -صلى الله عليه وسلم- بيد المجذوم فأدخله في قصعته وقال: «كل بسم الله»؛ ثقة بالله وتوكلًا على الله، وقال لغيره: «فِرَّ من المجذوم كما تفر من الأسد». شرح سنن ابن ماجه (ص271).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إن ظن به خيراً فله، وإن ظن به سوى ذلك فله، ولكن متى يحسن الظن بالله -عز وجل-؟
يحسن الظن بالله إذا فعل ما يوجب فضل الله ورجاءه، فيعمل الصالحات ويُحسن الظن بأن الله تعالى يقبله، أما أن يحسن الظن وهو لا يعمل فهذا من باب التمني على الله، ومَن أَتْبَعَ نفسه هواها وتمنى على الله الأماني فهو عاجز.
حُسن الظن بأن يوجد من الإنسان عمل يقتضي حسن الظن بالله عز وجل، فمثلاً إذا صليت أحسن الظن بالله بأن الله يقبلها منك، إذا صُمت فكذلك، إذا تصدقت فكذلك، إذا عملت عملاً صالحًا أحسن الظن بأن الله تعالى يقبل منك، أما أن تحسن الظن بالله مع مبارزتك له بالعصيان فهذا دأب العاجزين الذين ليس عندهم رأس مالٍ يرجعون إليه. شرح رياض الصالحين (3/ 335).
قوله: «وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وإن ظنَّ شرًا» أي: أني أفعل به شرًا «فله» ما ظنَّه فالمعاملة تدور مع الظن. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 188).
وقال العيني -رحمه الله-:
وإن ظن العقوبة والمؤاخذة فكذلك. عمدة القاري (25/ 101).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر» أي: إن ظن خيرًا أَفْعَلُ به خيرًا وإن ظن شرًا أفعل به شرًا، فمن اطمأنت نفسه وأشرق قلبه بالنور حَسُنَ ظنه بربه؛ لأن ذلك النور الذي في صدره يريه من علامات التوحيد ما تسكن النفس إليه، فيظن أن الله كافيه وحسبه وأنه كريم رحيم عطوف يرحمه ويعطف عليه، فيجد ذلك عنده فهذا هو حسن الظن، ومن كانت نفسه شرهة وشهوته غالبة فارت بدُخان شهواتها، فأظلم صدره فانكسف النور بتلك الظلمة، وعمى القلب فجاءت النفس بهواجسها فظن ضد ذلك فيجده عنده فهذا هو سوء الظن بالله، فإذا أراد الله بعبد خيرًا أعطاه حسن الظن، وحُكم عكسه عكس حكمه. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 276).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به؛ فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، وظن به ما يناقض أسماءه وصفاته، ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} الفتح: 6.
وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فصلت: 23.
قال تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لقومه: {مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} الصافات: 85- 87.
أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ وما ظننتم به حين عبدتم معه غيره؟ وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره؟ فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور، فلا يخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده فلا يحتاج إلى مُعين، والرحمن بذاته، فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه. الداء والدواء(ص: 138).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي» أي: رحمتي وغضبي موجودان عند العبد...
قال بعض المحققين من المتأخرين: فإن قلت: كيف يتحصل الظن فإنه ليس موكولًا إلى الاختيار؟
قلت: هو واقف على سببه، والسبب واقف على اختيار العبد، وذلك كما أمر بتحصيل العلم، وليس واقفًا على الاختيار بل على سببه وهو الاستدلال والنظر، وهو واقف على الاختيار، وأكثر التكاليف ظنية، وإنما يكلف بتحصيل أسبابها، فإن قلتَ: فما أسباب الظن بأن الله سيغفر لي؟
قلت: منها النظر إلى سابق فضله؛ حيث خلقك من المسلمين ووفقك للإسلام ثم ترادفت ألطافه المفضية بك إلى فعل كثير من الخير وترك الشرور، وأنها لك بعد المعصية؛ لعلك تستعتب، وفتح باب التوبة، وحفظك لكتاب الله يعود عليك بركته ومواعظه بكرةً وأصيلًا، وكذلك غيره من الوحي الذي بَلَغَنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومنها كثيرة من أسمائه الحسنى، مثل الرحمن، الرحيم، الرؤوف، البر، الودود، الغفار، العفو، القريب، المجيب، ونحوها، وما تضمنته السنة من ذكر قضايا من المغفرة بأدنى شيء.
ومنها: أنه واسع المغفرة، ولو ضايق العبيد بعض المضايقة لهلكوا، ولكنه لا يهلك على الله إلا هالك أي شأنه الهلاك لا علاج له.
ومنها: فضائل الأعمال التي أوتيت طرفًا منها مثل كلمة الشهادة وتلاوة القرآن وسائر الأذكار والصلاة والصيام والحج وغير ذلك.
ومنها: أن تُرزق المحافظة على ما كُلفت به من فعل أو ترك، لا سيما الاستغفار والتوبة على الدوام والإسراع إلى ذلك؛ فإنك الملدوغ وذلك ترياقه.
ومنها: أن يفتح الله عليك بذكره في قلبك ولسانك في كثير أوقاتك.
ومنها: ذكر الموت ومراقبة هجومه وأي سبب ذلك للإقبال على الله والإدبار عن الدنيا، وذلك من مثيرات الظن بالله أنه يريد بك الرحمة.
ومن حسن الظن: أنك تقبض على أحسن أحوالك فتصير جامعًا بين خوفك ورجائك للرب سبحانه.
ومنها: أن تسُرَّك حسنتك وتَسُؤك سيئتك، فإن ذلك من علامة الإيمان.
ومنها: أن يرزقك حسن الظن به مع سوء ظنك بنفسك مما علمت من شرها؛ لأن ذلك أصلها وسبيلها فتنتهي عن الغرور.
وحاصل هذا البحث أحسن ما يقال في قوله تعالى: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} الحشر: 18 فإن النظر في صورة الأعمال مع عدم الوثوق بها وتحوير اختلالها لا يكاد يسكن قلب المؤمن التقي ما لم تُدرج هذه الأمور المذكورة فيصير قد قدم بعد حسن الظن بالله. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 416- 418).
وللفائدة ينظر: إحسان الظن بالله في آخر العمر.