أتى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على قومٍ يَتعاطَون سيفًا مَسْلُولًا فقال: «لَعَنَ الله مَن فعل هذا، أوَلَيس قد نَهيت عن هذا؟! ثُمَّ قال: إذا سَلَّ أحدكم سَيفه، فنظر إليه، فأراد أن يناوله أَخاه، فَليُغْمِدْهُ، ثم يُناوله إِيَّاه».
رواه أحمد برقم: (20430)، من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (14201)، وأبي داود برقم: (2588)، والترمذي برقم: (2163)، من حديث جابر -رضي الله عنه-: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُتَعاطى السيف مَسلولًا».
صحيح الجامع برقم: (604، 6819)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (3973).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«يتعاطون»:
التَّعاطِي: التَّناوُلُ، يقالُ: هو يَتعاطَى كذا، أَي: يَتَناوَلُه. تاج العروس، للزبيدي (39/ 63).
«مَسْلُولًا»:
السَّل: انتزاع الشيء وإخراجه في رِفق. لسان العرب، لابن منظور (11/ 338).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
والانسلال: انفعال من سلَلْتُ السيف أَسُلُّهُ سَلًّا، إذا أخرجته من غمده. الشافي في شرح مسند الشافعي (1/ 489).
«فَلْيَغْمِدْهُ»:
الغِمد: غِلاف السيف، وغمدتُ السيفَ أغْمُدُهُ: جعلته في غِمده، وأغْمَدْتُهُ أيضًا، فهو مُغْمَدٌ ومَغْمودٌ. الصحاح، للجوهري (2/ 517).
شرح الحديث
قوله: «أتى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على قوم يتعاطون سَيفًا مَسْلُولًا فقال»:
التَّعاطي: التناول والجراءة على الشيء، من عطا الشيء يَعْطُوه إذا أخذه وتناوله. النهاية، لابن الأثير (3/ 259).
قوله: «لعن الله مَن فعل هذا، أوَلَيس قد نَهيت عن هذا؟!»:
قال الدميري -رحمه الله-:
اللعن يقتضي التحريم، ودلَّ ذلك على أنه يجوز لعن أصحاب المعاصي من غير تعيين؛ ففي الصحيحين: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة» و«آكل الربا» و«المصورين». النجم الوهاج (6/ 475، 476).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن العربي: إذا استحق الذي يشير بالحديدة اللعن فكيف الذي يصيب بها! وإنما يستحق اللعن إذا كانت إشارته تهديدًا، سواء كان جادًّا أم لاعبًا؛ وإنما أُوْخِذَ اللاعب لما أدخله على أخيه من الروع، ولا يخفى أن إثم الهازل دون إثم الجاد، وإنما نُهِيَ عن تعاطي السيف مسلولًا لما يخاف من الغفلة عند التناول فيسقط فيؤذي. فتح الباري (13/ 25).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
ومن المعلوم أن هذا اللعن ليس للمعيّن، وإنما هو لعن بالوصف، من باب: لعن الله من فعل هذا، ومن المعلوم أن اللعن بالوصف سائغ وجائز، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في اللعن بالأوصاف لا بالأعيان، كقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال»، وقوله: «لعن الله النامصة والمتنمصة»، ونحو ذلك من اللعن بالوصف لا بالعين.
وأما لعن المعين فإن ذلك لا يجوز، إلا إذا علم أنه كان كافرًا ومات على الكفر، فإذا كان كافرًا وعُرِفَ موته على الكفر فإنه يُلْعَن، أما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يُلْعَن؛ لأن المعين قد يتوب وقد يمن الله -عز وجل- عليه بالهداية ويرجع من الكفر إلى الإسلام.
فلعن المعين هو الذي جاء المنع منه، وأما اللعن بالوصف فإن ذلك سائغ؛ لأنه لا تعيين فيه. شرح سنن أبي داود (8/ 9).
قوله: «ثُمَّ قال: إذا سَلَّ أَحدكم سَيفه، فنظر إليه، فأراد أن يُناوله أَخاه، فليُغمده، ثم يُناوله إِيَّاه»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إذا سلَّ» بالتشديد «أحدكم» أيها المؤمنون «سيفًا» أي: انتزعه من غمده «لينظر إليه» أي: لأجل أن ينظر إليه؛ لشراءٍ أو نحو تعهد، ومثل السيف ما في معناه كخنجر وسكين، «فإذا أراد أن يناوله أخاه» المسلم لينظر إليه الآخر مثلًا، وذِكْرُ الأخ غالبيٌّ؛ فالذمي كذلك «فليُغمده» ندبًا، أي: يدخله في قرابه قبل مناولته إياه، والغِمد -بالكسر-: جفر السيف، وإغماده: إدخاله فيه، وذِكر النظر تمثيل وتصوير، فلو سلَّه لا لغرضٍ فالحكم كذلك، «ثم يناولْه» بالجزم، «إياه» ليأمن من إصابة ذبابه له، وتباعدًا عن صورة الإشارة به إلى أخيه التي ورد التهديد البليغ عليها، والمناولة: الإعطاء. فيض القدير (1/ 376).
قوله: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يَتعاطى السيف مَسلولًا».
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أما تعاطي السيف مسلولًا فمثله أيضًا يُنْهَىْ عنه؛ لأنه ربما إذا مد يده لأخذ السيف وهو مسلول ربما تضطرب يد الإنسان فتنقطع يد الآخر.
وكذلك السكين ونحوها لا تتعاطها وهي موجهة إلى صاحبك، إذا أردت أن تعطيه السكين فأمسك بالسكين من عندك، واجعل المقبض نحو صاحبك؛ لئلا تقع في المحظور، يعني: ريشة السكين إذا أردت أن تعطيها لصاحبك فاجعلها مما يليك، واجعل المقبض مما يلي صاحبك حتى لا يقع في زلة يد فتنجرح يده.
ومن ذلك أيضًا: إذا كان معك عصى وأنت تمشي بين الناس فلا تحمله عرضًا؛ لأنك إذا حملته عرضًا ربما يتعثَّر به من وراءك أو من أمامك؛ ولكن أمسكه نصبًا واقفًا، أو أن تتعكز عليه، تمسكه واقفًا حتى لا تؤذي من وراءك ومن أمامك؛ كل هذا من باب الآداب الحميدة التي ينبغي للإنسان أن يسلكها في حياته حتى لا يقع في أمر يؤذي الناس أو يضرهم -والله الموفق-. شرح رياض الصالحين (6/ 557).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
يعني: يعطي شخصٌ الثاني، وذلك لأنه إذا كان مسلولاً لا يؤمن أن يحصل عن طريق الخطأ أن يجرح أحدهما أو يسقط على رجله ما دام أنه مسلول، ولكنه إذا كان مغمدًا يؤمن من وراء أن يباشر حده الأجسام، فيتعاطى السيف مغمدًا بحيث إنه لو مس بشره لا يؤثر فيه. شرح سنن أبي داود (306/ 15.
وقال المناوي -رحمه الله-:
فيكره تنزيهًا مناولته كذلك لأنه قد يخطئ في تناوله فينجرح شيء من بدنه أو يسقط على أحد فيؤذيه. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 476).
وقال السندي -رحمه الله-:
أي: أن يأخذ البعض من البعض مكشوفًا؛ لأنه ربما سقط من اليد عند الأخذ فيؤذى الآخذ أو المعطي. فتح الودود (3/ 74).
وقال الخادمي -رحمه الله-:
فاللائق أن يكون تعاطيه بين القوم إذا أُرِيْد النظر إليه حال كونه في الغمد لا مسلولًا. بريقة محمودية (4/ 82).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
أي: أنَّ اضطر إلى إعطائه وأخذه يعطيه مغمدًا وبأخذه كذلك لا مسلولًا؛ لما فيه من التعرض للهلاك والإهلاك. الكوكب الدري (3/ 123).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
وهذا النهي أيضًا مبني على احتمال خدش المسلم بيد المسلم وسدًا لذريعة الفساد بين المسلمين. بذل المجهود (9/ 170).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
وفي معناه: البندق إذا كانت الرصاصة فيها. تطريز رياض الصالحين (ص1002).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى الإصابة بمكروه، ولعل الشيطان يعينه وينزع في يده فيقع المحذور ويقرب منه. إعلام الموقعين (3/١٢١).
وقال المناوي -رحمه الله-:
كل ذلك خشية من إصابته أو إصابة من لديه به، فهو إرشاد إلى سدِّ ذريعةِ الإضرار. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 93).
وقال أبو عبيد -رحمه الله-:
وهذا مثل حَدِيثه: «لا يحل لمسلم أَن يُروِّع مسلمًا» ومثل حَدِيثه: «إِذا مرّ أحدكُم بِالسِّهَامِ فليمسك بنصالها» وَمثل حَدِيثه: «أَنه مرّ بِقوم يتعاطون سَيْفًا فنهاهم عَنهُ» وكل هذا كَرَاهَة لروعة الْمُسلم، وإدخال الأذى عليه، وإن كان الآخر لا يريد قَتله ولا جرحه. غريب الحديث (3/ 67).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
- خطر الإشارة بالسلاح.
- لعن الملائكة لمن أشار إلى أخيه بحديدة.