«الرَّاحِمُون يرحمُهم الرحمنُ، ارحموا مَن في الأرض يرحمْكم من في السماءِ، الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِن الرحمنِ، فمَن وصَلَها وصله الله ومن قطَعَها قطعَه الله».
رواه أحمد برقم: (6494)، وأبو داود برقم: (4941)، والترمذي برقم: (1924)، واللفظ له، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (3522)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (925).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الرَّحِمُ»:
الرَّحم: علاقة القَرابة. شمس العلوم، نشوان الحميري (4/ 2445).
وقال الفتني -رحمه الله-:
«الرَّحم» هو الأقارب، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب، ويطلق في الفرائض على أقارب من جهة النساء. مجمع بحار الأنوار (2/ 305).
«شُجْنَةٌ»:
الشُّجنة: الشجر الملتف أو عُروق الشجر المتداخل. جمهرة اللغة، لابن دريد (1/ 478).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
معنى الشُّجْنة: الوصْلة، وأصلها: الغُصن من أغصان الشجر. أعلام الحديث (3/ 2166).
شرح الحديث
قوله: «الرَّاحِمُون يرحمُهم الرحمنُ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«الراحمون» لمن في الأرض من آدمي وحيوان من البهائم والكلاب والحشرات وغيرهم، مما لم يؤمر بقتله بالشفقة عليهم والإحسان إليهم. «يرحمهم» خالقهم «الرحمن» فيه أنه سمي الرحمن؛ لأنه يرحم عباده الرحماء، وأنه مشتق من الرحمة، كما روى الترمذي وصححه: «قال اللَّه: أنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته» خلافًا لمن زعم أنه غير مشتق، ولو كان مشتقًّا من الرحمة لم ينكره العرب حين سمعوه؛ {قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} الفرقان: 60، وقد كانوا لا ينكرون رحمة ربهم، ولما كان العبد إنما تقع فيه الرحمة المتجددة في وقت دون وقت وحال دون حال لم تكن في صفته مبالغة، بل قال: «الراحمون» بخلاف صفة اللَّه تعالى؛ فإنه بصيغة المبالغة، فقال: «الرحمن». شرح سنن أبي داود (19/ 27).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فمن خلق الله تعالى في قلبه هذه الرحمة الحاملة له على الرفق، وكشف ضر المبتلى، فقد رحمه الله تعالى بذلك في الحال، وجعل ذلك علامة على رحمته إياه في المآل، ومن سلب الله ذلك المعنى منه، وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظ، ولم يلطف بضعيف، ولا أشفق على مبتلى، فقد أشقاه في الحال، وجعل ذلك علمًا على شقوته في المآل، نعوذ بالله من ذلك، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الراحمون يرحمهم الرحمن»، وقال: «لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء» وقال: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» وقال: «من لا يرحم لا يرحم». المفهم (6/ 109-110).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ومقتضاه: أن رحمة الله تختص بمن اتَّصف بالرحمة وتحقق بها؛ بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود وغيره: «الراحمون يرحمهم الرحمن» والراحمون: جمع راحم؛ فيدخل كل من فيه أدنى رحمة. فتح الباري (3/ 158).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فالرحمن: ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم، وأسباب معاشهم، ومصالحهم، وعمَّت المؤمن، والكافر، والصالح، والطالح. شأن الدعاء (1/ 38).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«الراحمون يرحمهم الرحمن» أنه يشمل كل من فيه رحمة ما؛ لأن الراحمين: جمع راحم، وهذا هو الأوجه، وإنما بولغ في الأول (أي: الرحماء)؛ لأن القصد به: الرد على من استبعد فيض الدمع، ولأن ذكر لفظ الجلالة فيه دالٌّ على العظمة، فناسبت فيه التعظيم والمبالغة. منحة الباري 3/ 357).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الراحمون يرحمهم الرحمن» لأنهم مَظَاهِرَهُ، ومتخلقون بأخلاقه. مرقاة المفاتيح (8/ 3113).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «الراحمون يرحمهم الرحمن» جمع راحم، ولم يأت بالرحماء جمع رحيم، وإن كان غالب ما ورد في الرحمة استعمال الرحيم لا الراحم؛ إيذانًا بأن الرحيم صيغة مبالغة، فلو أتى بجمعها لاقتضى الاقتصار عليه. لمعات التنقيح (8/ 252).
وقال السندي -رحمه الله-:
«الراحمون» هم الذين في قلوبهم شفقة على خلق الله، وقد يكون الشخص رحيمًا من وجه شديدًا من وجه، فالحكم للغالب، وليس من شرط الراحم أن لا يكون فيه شدة، كيف وقد قال تعالى في الصحابة: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الفتح: 29، فرحمة الخلق مقيدة باتباع الكتاب والسنة، وليس من الرحمة أن لا يقيم الحدود ولا يجاهد وكذا قيل، وقيل: إنما ذكر الراحمين وهو جمع راحم في هذا الحديث، ولم يقل الرحماء جمع رحيم؛ وإن كان غالب ما ورد من الرحمة استعمال الرحيم لا الراحم، لأن الرحيم صفة مبالغة، فلو ذكره لاقتضى الاقتصار على المبالغ في الرحمة، فأتي بجمع راحم إشارة إلى من قلت رحمته داخل في هذا الحكم أيضًا...
قلت: وليس فيه تعرض لموافقة الحكم للواقع، والوجه أن يقال: حيث ذكر الجلالة فالمراد إنما يرحم الله أي: بالرحمة العظيمة اللائقة بجنابه الأقدس، ومثل هذه الرحمة ليست إلا للرحماء المبالغين في الرحمة، وحيث ذكر الرحمن، فالمراد رحمة ما، وهي تشمل كل من في قلبه رحمة، إن قلت والله تعالى أعلم. فتح الودود (4/ 597- 598).
قوله: «ارحموا مَن في الأرض يرحمْكم من في السماءِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ارحموا أهل الأرض» أي: ارحموا مِنْ أهل الأرض مَنْ تستطيعون أن ترحموه من مخلوقاته برحمتكم المتجددة الحادثة المخلوقة للَّه تعالى يتفضل بها على عبده الذي يريد أن يرحمه، ورواية الترمذي: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» أي: من رحمته عامة لأهل السماء الذين هم أكثر وأعظم من أهل الأرض التي لم يزل متصفًا بها، فإنه لم يزل رحيمًا بعباده، كما أنه لم يزل محييًا ومميتًا، ورحمته كاملة وسعت كل شيء من عباده، وإنعامه عليهم بإعطاء المحبوب والإنجاء من المكروه، فيعم في الدنيا المؤمن والكافر والبر والفاجر، ويخص في العقبى المؤمنين. شرح سنن أبي داود (19/ 27-28).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «من في السماء» أي: على العرش فوق السماء كما صحَّت الأخبار بذلك. فتح الباري (13/ 418).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ارحموا من في الأرض» أي: من تستطيعون رحمته من المخلوقات برحمتكم المتجددة الحادثة «يرحمكم من في السماء» أي: مَنْ رحمته عامة لأهل السماء الذين هم أكثر وأعظم من أهل الأرض، أو المراد: أهل السماء كما يشير إليه رواية: «أهل السماء» قال العارف البوني: فإن كان لك شوق إلى رحمة من الله فكن رحيمًا لنفسك ولغيرك ولا تستبد بخيرك؛ فارحم الجاهل بعلمك والذليل بجاهك والفقير بمالك والكبير والصغير بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك والبهائم بعطفك ورفع غضبك؛ فأقرب الناس من رحمة الله أرحمهم لخلقه فكل ما يفعله من خير دقَّ أو جلَّ فهو صادر عن صفة الرحمة. فيض القدير (4/ 42).
وقال عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«ارحموا من في الأرض»... وفيه إشارة إلى أن إيراد «من» لتغليب ذوي العقول لشرفهم على غيرهم، أو للمشاكلة المقابَلة بقوله: «يرحمكم من في السماء» وهو مجزوم على جواب الأمر، أي: الله تعالى، وقيل: المراد من سكن فيها وهم الملائكة؛ فإنهم يستغفرون للمؤمنين، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} غافر: 7. تحفة الأحوذي (6/ 43).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ومن الرحمة واجبة؛ وهي كف الأذى عن المسلمين، وإغاثة الملهوف، وفك العاني، وإحياء المضطر، واستنقاذ الغريق، والواقع في هلكته وتسميته.
ومن ذلك: سد خلة الضعفاء والفقراء من الواجبات، فهذا كله من لم يرد حق الله فيه عاقبه الله ومنعه رحمته إذا أنفذ عليه وعيده، إن شاء عفا عنه وسمح له بفضل رحمته وسعتها. إكمال المعلم (7/ 283).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وأما الرحمة في حق الله تعالى فهي صفة ثابتة لله تعالى، نثبتها ونعتقدها، لا نمثِّلها ولا نكيِّفها ولا نعطِّلها، أثرها: الإنعام على عباده، والإحسان إليهم: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11. مرشد ذوي الحجا والحاجة (21/ 305).
قوله: «الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِن الرحمنِ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«الشجنة» بكسر المعجمة وبفتحها وضمها: عروق الشجر المشتبكة، و«من الرحمن» أي: مشتقة من هذا الاسم، والمعنى: الرحم أثر من آثار رحمته مشتبكة بها؛ فالقاطع منها قاطع من رحمة الله تعالى. الكواكب الدراري (21/ 158).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«الشِّجْنَة»... القرابة الْمُشْتَبِكةُ كاشتباك العروق...
وأصل الشجنة: عروق الشجر المشتبكة، والشَّجَن بالتحريك: واحد الشجون، وهي طرق الأودية، ومنه قوله: "الحديث ذو شجون" أي: يدخل بعضه في بعض.
قوله: «من الرحمن» أي: أخذ اسمها من هذا الاسم، كما يدل له حديث عبد الرحمن بن عوف في السنن مرفوعًا: «أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي» والمعنى: أنها أثر من آثار الرحمة مشتبكة بها، فالقاطع لها منقطع من رحمة الله. التحبير لإيضاح معاني التيسير (4/ 425-427).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه... دليل على أن النطق يقرب من الأفهام بالأمثال التي تصوره شخصًا؛ ليكون ذلك داعية إلى استيعاب الفهم لذلك المعنى. الإفصاح (6/ 254).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وهذا الحديث لا يخلو معناه من أحد شيئين: إما أن يراد أن الحق -عز وجل- يراعي الرحم بوصل من وصلها وقطع من قطعها والأخذ لها بحقها، كما يراعي القريب قرابته، فإنه يزيده في المراعاة على الأجانب، أو أن يراد: أن الرحم بعض حروف الرحمن، فكأنه عظم قدره بهذا الاسم. كشف المشكل (3/ 405).
قوله: «فمَن وصَلَها وصله الله»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
يعني: وصلته بفضلي ونِعَمِيْ، وصلة العبد ربه: تعطفه على ذوي أرحامه من قبل أبيه وأمه بنوافل فضله.
فإن قال: أفما يكون المرء واصلًا رحمه إلا بتعطفه عليهم بفضل ماله؟
قيل: للبر بالأرحام مراتب ومنازل، وليس من لم يبلغ أعلى تلك المراتب يستحق اسم قاطع، كما من لم يبلغ أعلى منازل الفضل يستحق اسم الذم، فواصل رحمه بماله مستحق اسم واصل، وواصلها بمعونته ونصرته مستحق اسم واصل، وقد بين ذلك قوله -عليه السلام- في حديث أنس: «صلوا أرحامكم ولو بالسلام» فأعلم -عليه السلام- أمته أن المتعاهد لرحمه بالسلام خارج عن معنى القاطع وداخل في معنى الواصل، فواصلها بما هو أعلى وأكثر أحق أن يكون خارجًا من معنى القاطع. شرح صحيح البخاري (9/ 205-206).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فقال الله تعالى: من وصلك وصلته» أي: بالرحمة. شرح المصابيح (5/ 280).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«قال الله: من وصلك» بالكسر خطابًا للرحم. فيض القدير (4/ 53).
قوله: «ومن قطَعَها قطعَه الله»:
قال الملا علي القاري –رحمه الله-:
(في رواية) «ومن قطعك قطعته» أي: عنها (أي: الرحمة). مرقاة المفاتيح (7/ 3085).
وقال المناوي -رحمه الله-:
(في رواية) «ومن قطعك قطعته» أي: أعرضت عنه لإعراضه عما أُمِرَ به من شدة اعتنائه برحمه، وهذا تحذير شديد من قطعها، والمراد بها: القرابة من الأبوين وإن بعُدَت ولم تكن محرمًا. فيض القدير (4/ 53).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن أبي جمرة: الوصل من الله كناية عن عظيم إحسانه، وإنما خاطب الناس بما يفهمون، ولما كان أعظمُ ما يُعطيه المحبوبُ لمحبِّه الوصالَ، وهو القُربُ منه، وإسعافُه بما يريد، ومساعدتُه على ما يرضيه، وكانت حقيقةُ ذلك مستحيلةً في حقِّ الله تعالى، عُرِف أن ذلك كنايةٌ عن عظيم إحسانه لعبده.
قال: وكذا القول في القطع، هو كنايةٌ عن حرمان الإحسان.
وقال القرطبي: وسواء قلنا: إنه يعني القولَ المنسوبَ إلى الرحم على سبيل المجاز، أو الحقيقة، أو إنه على جهة التقدير والتمثيل، كأن يكون المعنى: لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم، لقالت كذا، ومثله قوله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا}، وفي آخرها: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} الحشر: 21، فمقصود هذا الكلام: الإخبارُ بتأكُّدِ أمرِ صِلةِ الرَّحم، وأنه تعالى أنزلها منزلةَ من استجار به، فأجاره، فأدخله في حمايتِه، وإذا كان كذلك، فجارُ الله غيرُ مخذول، وقد قال: «من صلّى الصبح، فهو في ذمّة الله، وإن من يطلبه الله بشيء من ذمته، يُدركه، ثم يكبّه على وجهه في النار» أخرجه مسلم. فتح الباري (10/٤١٨).
وقال الكاساني -رحمه الله-:
ومِثْل هذا الوعيد لا يكون إلا بارتكاب المحرَّم، فدلَّ أن قطع الرَّحم حرام، والرحم هو القرابة، سُمِّيَتْ القرابة رحمًا إما باعتبار أن الرحم مشتَقٌّ من الرَّحمة كما جاء في الحديث، والقَرابة سبب الرَّحمة والشَّفقة على القَريب طبعًا، وإما باعتبار العضو المخصوص من النساء المسمَّى بالرَّحم محل السبب الذي يتعلق به وجود القرابات، فكان كل قَرابة أو مُطلق القرابة محرَّمة القطع بظاهر النصوص إلا ما خُصَّ أو قُيِّد بدليل. بدائع الصنائع (4/ 48).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
الكبيرة الثالثة بعد الثلاثمائة: قطع الرَّحم.
(ثم قال) عَدُّ هذا هو صريح هذه الأحاديث الكثيرة الصحيحة، بل المتفق على صحة كثير منها. الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/١٢٣).
وقال السفيري -رحمه الله-:
فندب -صلى الله عليه وسلم- إلى الرحمة والعطف على جميع الخلق من جميع الحيوانات، على اختلاف أنواعها في غير حديث، وأشرفها الآدمي، وإذا كان كافر فكن رحيمًا لنفسك ولغيرك، ولا تستبدَّ بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذليل بجاهك، والفقير بمالك، والكبير والصغير بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك، فأقرب الناس من رحمة الله أرحمهم بخلقه، فمن كثرت منه الشفقة على خلقه والرحمة على عباده رحمه الله برحمته، وأدخله دار كرامته، ووقاه عذاب قبره، وهول موقفه وأظله بظله إذ كل ذلك من رحمته. المجالس الوعظية (2/ 50-51).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
فرحمة الخلق مُقيدة باتباع الكتاب والسُّنة، فبعض الراحمين يسرف في الرحمة حتى يخل بالجهاد، ويهرب من إقامة الحدود، ولا ينتقم لحرمة الله، كما أن بعض الجبارة وأولي القسوة يتجاوزون في الظلم وينتقم لنفسه أشد مما ينتقم لله، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ميزانًا عادلًا في ذلك، فما ضرب خادمًا ولا مملوكًا، ولا انتقم لنفسه، وكان يضرب بسيفه في أعداء الله ويقيم الحدود كما أمره الله. مرقاة الصعود (3/ 1257-1258).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
فرحمة العبد للخلق مِن أكبر الأسباب التي تنال بها رحمة الله، التي من آثارها خيرات الدنيا، وخيرات الآخرة، وفَقْدِها من أَكبر القواطع والموانع لرحمة الله، والعبد في غاية الضرورة والافتقار إلى رحمة الله، لا يستغني عنها طرفة عين، وكل ما هو فيه من النعم واندفاع النقم، من رحمة الله.
فمتى أراد أن يستبقيها ويستزيد منها، فليعمل جميع الأسباب التي تنال بها رحمته، وتجتمع كلها في قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} الأعراف:56، وهم المحسنون في عبادة الله، المحسنون إلى عباد الله. والإحسان إلى الخلق أثر من آثار رحمة العبد بهم. بهجة قلوب الأبرار (ص: 188-189).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
- من علامات نزع الله الرحمة من قلب العبد .
- جزاء صلة الرحم ووعيد قطيعتها حديث رقم: (761) ورقم: (820).