الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ما مِن مُسلمٍ تُصيبه مُصيبةٌ فيقول ما أمره الله: إنا للهِ وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مُصيبتي وأخلِفْ لي خيرًا منها؛ إلَّا أخلفَ الله له خيرًا منها. قالت: فلمَّا مات أبو سَلمة قلتُ: أيُّ المسلمين خيرٌ من أبي سَلمة؟ أوَّلُ بيتٍ هاجر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ثم إنِّي قلتُها، فأخلَفَ الله لي رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-. قالت: أرسل إليَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حاطبَ بن أبي بلْتَعة يخطبني له، فقلت: إنَّ لي بِنتًا وأنا غَيور، فقال: أمَّا ابنتُها فندعو الله أن يُغنيَها عنها، وأَدعو الله أن يَذهبَ ‌بِالغَيْرَةِ».  


رواه مسلم برقم: (918)، من حديث أم سلمة -رضي الله عنها-. 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أجرني»:
آجره يُؤْجِرُهُ: إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء، وكذلك: أَجَرَهُ يَأْجُرُهُ، والأمر منهما: آجِرْنِيْ وأْجُرْنِيْ. النهاية، لابن الأثير (1/ 25).

«أخْلِف»:
يقال: خلف الله لك خلَفًا بخير، وأخْلَف عليك خيرًا، أي: أبدلك بما ذهب منك وعوضك عنه.
وقيل: إذا ذهب للرجل ما يخلفه مثل المال والولد، قيل: أخلف الله لك وعليك، وإذا ذهب له ما لا يخلفه غالبًا كالأب والأم، قيل: خَلَفَ الله عليك، وقد يقال: خلف الله عليك إذا مات لك ميت، أي: كان الله خليفة عليك. النهاية، لابن الأثير (2/ 66).

«غَيُور»:
هو فعول، من الغيرة، وهي الحمِيَّةُ والأنفة. النهاية، لابن الأثير (3/ 401).


شرح الحديث


قوله: «ما مِن مُسلم تصيبه مصيبة»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«تُصيبه مصيبة» متناولة لقليل المصيبة وكثيرها، وعظيمها وحقيرها؛ لكونها نكرة في عموم النفي. دليل الفالحين (6/ 397).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«تصيبه مصيبة» هو مطلق في أي مصيبة في الأديان، والأبدان، والأموال. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 369).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«تصيبه مصيبة» أي: شدة، وتنزل به في نفسه، أو في أهله، أو في ماله، والمصيبة ما أصاب الإنسان من خير أو شر؛ ولكن اللغة قصرُها على الشر. الكوكب الوهاج (11/ 99).
وقال الباجي -رحمه الله-:
هذا اللفظ موضوع في أصل كلام العرب لكل من ناله شر أو خير، ولكنه مختصٌّ في عرف الاستعمال بالرزايا والمكاره. المنتقى شرح الموطأ (2/ 29).

قوله: «فيقول: ما أمره الله»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فيقول» عندما أصابته «ما أمره الله». الكوكب الوهاج (11/ 99).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ما أمر الله» أي: تلويحًا للثناء على قائله الثناء العظيم المستلزم لطلبه منه. دليل الفالحين (6/ 397).
وقال الباجي -رحمه الله-:
لم يرد لفظ الأمر بهذا القول؛ لأنه إنما ورد القرآن بتبشير من قاله والثناء عليه، قال الله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} البقرة: 155-157.
ويحتمل: أن يشير إلى غير القرآن، فيخبر -صلى الله عليه وسلم- عن أمر الباري لنا بذلك. المنتقى شرح الموطأ (2/ 29).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: أين الأمر في التنزيل؟
قلتُ: لَمَّا أمره بالبشارة، وأطلقها لِيَعُمَّ كل مُبَشَّرٍ به، وأخرجه مخرج الخطاب العام؛ لئلا يختص بالبشارة أحد دون أحد- نَبَّه على تفخيم الأمر وتعظيم شأن هذا القول، فنبَّه بذلك على كون القول مطلوبًا ومهتمًّا بالشأن، وليس الأمر إلا طلب الفعل؛ وذلك أن قوله: «إنا لله» تسليم وإقرار أنه وما يملكه وما ينسب إليه عَارِيَة مستردَّة، ومنه بدأ وإليه الرجوع والمنتهى، فإذا وطَّنَ نفسه به، وتصبر على ما أصابه، سهُلَ عليه الأمر، وعرف فضيلة مطلوبه، ولم يرد بقوله: {قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ} البقرة: 156 اللفظ فقط؛ فإن التلفظ بذلك مع الجزع قبيح، وسخط للقضاء. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1372).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
الأقرب: أن كل ما مَدَحَ الله في كتابه من خصلة: يتضمن الأمر بها، كما أن المذمومة فيه تقتضي: النهي عنها.
وأما قوله: التلفظ بذلك مع الجزع قبيح فمردود؛ لأن ذلك من باب خلط العمل الصالح بالعمل السوء، كالاستغفار مع الإصرار، قال تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} التوبة: 102. مرقاة المفاتيح (3/ 1167).
وقال النووي -رحمه الله-:
«فيقول: ما أمره الله -عز وجل- إنا لله وإنا إليه راجعون» فيه: فضيلة هذا القول، وفيه: دليل للمذهب المختار في الأصول أن المندوب مأمور به؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- مأمور به مع أن الآية الكريمة تقتضي ندبه، وإجماع المسلمين منعقد عليه. شرح صحيح مسلم (6/ 220).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا تنبيه على قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} الآية البقرة: 155، مع أنه ليس فيها أمر بذلك القول، وإنما تضمنت مدح من قاله؛ فيكون ذلك القول مندوبًا، والمندوب مأمور به، أي: مطلوب ومقتضىً، وإن سُوِّغَ تركه، وقال أبو المعالي: لم يختلف الأصوليون أن المندوب مقتضىً ومطلوب، وإنما اختلفوا هل يسمى: مأمورًا به؟ قلتُ: وهذا الحديث يدل على أنه يسمى بذلك. المفهم (2/ 570).

قوله: «إنا لله وإنا إليه راجعون»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«إنا» أي: ذاتنا، وجميع ما ينسب إلينا. دليل الفالحين (6/ 397).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«إنا لله» ملكًا وعبيدًا يفعل بنا ما يشاء. شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 114).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«لله» ملكًا وخلقًا، فيتصرف فينا كيف يشاء، فالكل عَوَارٍ (جمع عارية) مستردة، كما أشار إليه بقوله: «وإنا إليه راجعون» فعلينا الصبر على المصائب، وتدبُّر حقائق هذه الآية ليسهل علينا مزاولة كل ما أصابنا، وليس فائدة الأمر للمصاب قول هذا الذكر بمجرد لفظه؛ لأنه لا ينفع وحده، وإنما فائدته مع تدبره حق التدبر، فإنه الدواء النافع الحامل على كمال الصبر؛ بل وحقائق الرضا. دليل الفالحين (6/ 397).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«وإنا إليه راجعون» في الآخرة فيجازينا. شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 114).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إنا لله وإنا إليه راجعون» كلمة اعتراف بالملك لمستحقه، وتسليم له فيما يجريه في ملكه، وتهوين للمصيبات بتوقع ما هو أعظم منها، وبالثواب المرتب عليها، وتذكير المرجع والمآل الذي حكم به ذو العزة والجلال. المفهم (2/ 570).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وإنا إليه راجعون» للمحاسبة والمجازاة، فإن كل خصلة ممدوحة في الكتاب الكريم تتضمن الأمر بها كما أن المذمومة فيه تقتضي النهي عنها، وقال عمر -رضي الله عنه-: نِعْمَ العدلان ونِعْمَ العلاوة {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} البقرة: 157، كما في باب الصبر عند الصدمة الأولى من صحيح البخاري. الكوكب الوهاج (11/ 99).
قوله: «اللهم أجرني»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«اللهم» ظاهره: أنه من جملة ما أمره الله به، قال ابن حجر (يعني: الهيتمي): وهو كذلك؛ لقوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر: 60، وفيه: أن المأمور به في الآية مطلق الدعاء، وفي الحديث الدعاء الخاص، فالأظهر: أن حرف العطف محذوف.
قال ابن حجر (يعني: الهيتمي): ويحتمل: بل هو الظاهر: أن الله تعالى أَعْلَم نبيّه -صلى الله عليه وسلم- أن يُعَلِّم أمته أنه أمرهم أن يقولوا ذلك كله بخصوصه، وحينئذٍ فلا يحتاج إلى تكلف ما ذكر فيهما. ا. هـ.
والاحتمال مسلم، والظاهر ممنوع. مرقاة المفاتيح (3/ 1167).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«اللهم» ظاهره: أن هذا من جملة ما رتب على الإتيان به ما وعد به من الأجر «أجرني» بسكون الهمزة ... والمعنى: أعطني الأجر «في مصيبتي». دليل الفالحين (6/ 397-398).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: اجعلني مأجورًا في مصيبتي. شرح المصابيح (2/ 337).
وقال النووي -رحمه الله-:
ومعنى أجره الله: أعطاه أجره وجزاء صبره وهمِّه في مُصيبته. شرح صحيح مسلم (6/ 220).

قوله: «في مُصيبتي»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«في» يحتمل: كونها بمعنى: مع، وكونها للسببية، والثاني أظهر، والمصيبة كل مكروه ينزل بالإنسان: أي أثبني ثوابًا مقارنًا لها أو بسببها. دليل الفالحين (6/ 398).

قوله: «وأخلِف لي»:
قال النووي -رحمه الله-:
«وأخلِف لي» هو بقطع الهمزة وكسر اللام. شرح صحيح مسلم (6/ 220).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«وأخْلِف لي خيرًا» «أَخْلَف» أمر مخاطب، من «أَخْلَف»: إذا أدى العِوَض. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 420).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وأخلف» من الإخلاف، إذ ما يخلف يقال فيه: أخلف عليك، وما لا يخلف كالأب إذا مات يقال: خلف عليك. دليل الفالحين (6/ 398).

قوله: «خيرًا منها»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: عوضني خيرًا مما فاتني في هذه المصيبة. شرح المصابيح (2/ 338).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«خيرًا منها» أي: أفضل مما أصابته المصيبة فيه إن كان مما يخلف كالولد والأهل والمال. الكوكب الوهاج (11/ 99).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «خيرًا منها» أي: مما فات عني في هذه المصيبة، وهو الأمر المكروه ينزل بالإنسان. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1372).

قوله: «إلا أخلف الله له خيرًا منها»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«إلا أخلف الله له خيرًا منها» في الدنيا والآخرة. شرح المصابيح (2/ 338).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إلا أخلف الله له خيرًا منها» أي: عوضه الله تعالى خيرًا من تلك المصيبة. البحر المحيط الثجاج (18/ 146).
وقال الباجي -رحمه الله-:
يريد -والله أعلم-: أن الله يستجيب دعاءه، ويجمع له بين الأجر على مصيبته ويعقبه منها يريد -والله أعلم-. المنتقى شرح الموطأ (2/ 29).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
الإخلاف: جعل كل شيء مكان ما ذهب وفات، أي: هب لي خيرًا من مصيبتي، أي: مما فات بهذه المصيبة، والمراد: الثواب أو البدل مما فات، وهو الظاهر من سياق الحديث. لمعات التنقيح (4/ 83-84).

قولها: «فلما مات أبو سَلمة»:
قال الزرقاني -رحمه الله-:
«فلما توفي أبو سلمة» عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أخو النبي -صلى الله عليه وسلم- من رضاع ثُوَيْبة، وابن عمته برة بنت عبد المطلب، كان من السابقين، شهد بدرًا، ومات في جمادى الآخرة سنة أربع بعد أُحد. شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 115).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
أسلم هو وزوجه مع السابقين، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى والثانية، شهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غزوة بدر، وغزوة أحد، ورمي فيها بسهم في عضده، ثم شفي من جرحه، لكنه عاوده الألم فمات منه على رأس ثلاث سنين من الهجرة. فتح المنعم (4/ 182).

قوله: «قلتُ: أي المسلمين ‌خير ‌من ‌أبي ‌سلمة؟»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قولها: «قلتُ» أي: تذكرت قول النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا، وقصدت الإتيان بهذا الدعاء المتصور تزوجي بزوج آخر، ثم قلتُ في نفسي تعجبًا من إجابته: «أي المسلمين خير من أبي سلمة». لمعات التنقيح (4/ 84).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«قلت» أي: قالته في نفسها، ولم تحرك به لسانها، ولا أنكرت أنه -صلى الله عليه وسلم- قال حقًّا، ولكن هو شيء يخطر بالقلب وليس أحد معصومًا منه، ولو قال ذلك قائل لمنع العوض كما يمنع الذي يعجل بدعائه الإجابة، قاله أبو عبد الملك. شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 115).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أي المسلمين» تعجبت من تنزيل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إلا أخلف الله له خيرًا منها» على مصيبتها؛ استعظامًا لأبي سلمة. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1372).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي: لا أحد من المسلمين خير من أبي سلمة، وذلك في تقديرها. فتح المنعم (4/ 182).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وقال الأُبِّي: تعجبت أم سلمة لاعتقادها أنه لا أخير من أبي سلمة، ولم تطمع أن يتزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو خارج من هذا العموم، وتعني بقولها: «من خير من أبي سلمة؟» بالنسبة إليها، فلا يكون خيرًا من أبي بكر؛ لأن الأَخْيَر في ذاته قد لا يكون خيرًا لها.
ويحتمل: أن تعني: أنه خير مطلقًا، والإجماع على أفضلية أبي بكر إنما هو على من تأخرت وفاته عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهل هو أفضل ممن تقدمت وفاته، فيه خلاف؛ فلعلها أخذت بأحد القولين، وقولها: «أول بيت هاجر» يدل على أنها أرادت أنه أفضل مطلقًا بالنسبة إليها. انتهى.
والظاهر: أن الخيرية بالنسبة إليها، وباعتبار نفسها -والله اعلم-. مرعاة المفاتيح (5/ 310-311).
وقال الزرقاني -رحمه الله- بعد نقل كلام الأبي:
الأول (يعني: الاحتمال الأول) أولى، فالخلاف شاذٌّ لا يُعْتَدُّ به. شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 115).

قولها: «أول بيت هاجر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أول بيت» استئناف فيه بيان للتعجب، وتعليل له، والتقدير: فإنه أول بيت، أي: أول أهل بيت «هاجر» أي: مع عياله. مرقاة المفاتيح (3/ 1167).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قولها: «أول بيت هاجر» من مكة إلى المدينة؛ موافقة لرسول الله -عليه السلام-. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 420).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
فهو أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكانت هجرته قبل بيعة العقبة الثانية. فتح المنعم (4/ 182).

قولها: «ثم إني قلتها»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قولها: «ثم إني قلتها» أي: قلت: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، فجعلني الله زوجة لرسول الله -عليه السلام-. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 420).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قولها: «ثم إني قلتها» أي: قلت هذا القول، ودعوت بهذا الدعاء؛ طلبًا لصدق هذا الحديث، وامتثالًا لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا مع ما في نفسي من التعجب والاستبعاد. لمعات التنقيح (4/ 84).

قولها: «فأخلف الله لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فأخلف الله لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: بأن جعلني زوجته، وكان عوض خير لي من زوجي أبي سلمة. مرقاة المفاتيح (3/ 1167).
قولها: «أرسل إليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أرسل إليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاطب بن أبي بلتعة» -بفتح الموحدة، وسكون اللام، بعدها مثناة، ثم مهملة مفتوحات- ابن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللخمي، حليف بني أسد بن عبد العزي، يقال: إنه حالف الزبير، وقيل: كان مولى عبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، فكاتبه فأدى مكاتبته، اتفقوا على شهوده بدرًا، وثبت ذلك في الصحيحين من حديث علي في قصة كتابة حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم...، وروى مسلم وغيره من طريق أبي الزبير، عن جابر، أن عبدًا لحاطب بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبًا، فقال: «يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار، فقال: لا، فإنه شهد بدرًا، والحديبية».
قال المدائني: مات حاطب في سنة ثلاثين في خلافة عثمان، وله خمس وستون سنة. البحر المحيط الثجاج (18/ 148).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
ووقع في رواية لأحمد، والنسائي: أن الذي أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- لخطبتها هو عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فيحتمل أن يكون أرسله أولًا، ثم أرسل بعده حاطبًا، أو بالعكس -والله تعالى أعلم-.
فإن قلت: يعارض هذا ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح (ثم ساق سنده) قالت: «أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: لقد سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قولًا، فسررت به، قال: لا تصيب أحدًا من المسلمين مصيبة، فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا فعل ذلك به"، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه...، فلما انقضت عدتي، استأذن عليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنا أدبغ إهابًا (يعني: جلدًا) لي، فغسلت يدي من القرظ، وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي...».
فهذا الحديث يخالف حديث مسلم من وجهين:
أحدهما: أن الحديث سمعته أم سلمة من زوجها أبي سلمة.
والثاني: أن الذي خطبها هو النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه، ولم يرسل غيره.
قلت: يجاب عن الأول: بحمله على أنها سمعته أولًا من زوجها، ثم سمعته بعد ذلك منه -صلى الله عليه وسلم- مباشرة، ومثل هذا في الأحاديث كثير.
ويجاب عن الثاني: بأن يقال: إنه أرسل أولًا غيره، ثم تقدم إليها بنفسه للتأكيد، فأعادت عليه ما قالت للرسول من الأعذار الثلاثة، فأجابها عن كلها بما يزيل عذرها -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (18/ 148-149).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يخطبني» أي: يطلب مني تزوجي «له» -صلى الله عليه وسلم-. الكوكب الوهاج (11/ 101).

قولها: «فقلت: إن لي بنتًا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقلت» أي: معتذرة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- خوفًا من عدم قيامها بحقوقه، «إن لي بنتًا» هي زينب بنت أبي سلمة؛ أي: وهي تضر بحسن المعاشرة الزوجية. البحر المحيط الثجاج (18/ 149).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
فقد توفي أبو سلمة وهي حامل في بنته زينب، فلما وضعتها وانقضت عدتها خطبت، وفي رواية: «إنني ذات عيال»، ولدَتْ بالحبشة ابنها سلمة، وولدت بالمدينة ابنها عمر، وابنتها دُرَّة، ثم ابنتها المقصودة هنا: زينب. فتح المنعم (4/ 182).

قولها: «وأنا غَيُور»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قولها: «وأنا غَيُور» أي: كثيرة الغيرة. المفهم (2/ 570).
وقال النووي -رحمه الله-:
قولها: «وأنا غَيُور» يقال: امرأة غيرى وغيور، ورجل غيور وغيران، قد جاء فَعُول في صفات المؤنث كثيرًا، كقولهم: امرأة عرُوس وعرُوب وضحُوك لكثيرة الضحك، وعقبة كؤُود، وأرض صعُود وهبُوط وحدود وأشباهها. شرح صحيح مسلم (6/ 220).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وأنا غَيُور» أي: كثيرة المغيرة، وهي تؤدي إلى عدم الوفاء بحقوق الزوجية...، تعني: أنها ذات غيرة شديدة لا تتمكن معها من الاجتماع مع سائر أزواجه -صلى الله عليه وسلم-. البحر المحيط الثجاج (18/ 149).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وفي رواية: «وأنا امرأة مُسِنَّة» وقصدها الاعتذار برفق، وإنها تخشى على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حالها. فتح المنعم (4/ 183).
قوله: «أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها» أي: أن يغني البنت عن أمها بكفالته -صلى الله عليه وسلم- لها، وظاهر الرواية: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك بعيدًا عنها، لكن بعض الروايات قالت: «فاستأذن عليَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا أدبغ إهابًا، فسلكت يدي منه، وأذنت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ووضعت له وسادة من أدم حشوها ليف، فقعد إليها، فقال: أما ما ذكرت من سنك فأنا أكبر منك، وأما ما ذكرت من غيرتك فإني أرجو الله أن يذهبها عنك -فكانت في النساء كأنها ليست منهن لا تجد من الغيرة شيئًا- وأما ما ذكرت من صبيتك فإن الله سيكفيهم»، فلعل روايتها بأسلوب الغيبة تصرف من الرواة. فتح المنعم (4/ 183).

قوله: «وأدعو الله أن يذهب بالغيرة»:
قال النووي -رحمه الله-:
«وأدعو الله أن يذهب بالغَيْرة» هي بفتح الغين، ويقال: أذهب الله الشيء، وذهب به، كقوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} البقرة: 17. شرح صحيح مسلم (6/ 221).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في هذا الحديث: تعليم ما يقال عند المصيبة، وهو قول لا ينبغي لمن أصيب بمصيبة في مال أو حَمِيْمٍ (يعني: صديق) أن يحيد عن ذلك، وعليه أن يفزع إليه تأسيًا بكتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-. الاستذكار (3/ 81).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (يعني: الحديث):
منها: استحباب قول هذا الذكر عند المصيبة، فيقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مُصيبتي، وأخلِف لي خيرًا منها».
ومنها: بيان فضيلة هذا الذِّكر، حيث يخلف الله تعالى لمن قاله خيرًا مما أصيب منه.
ومنها: بيان فضل أُم سَلمة، وزوجها -رضي الله عنهما-، حيث إنهما أول أهل بيت هاجر إلى الله ورسوله، قال في الإصابة: وكانت أم سلمة موصوفة بالجمال البارع، والعقل البالغ، والرأي الصائب، وإشارتها على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية تدل على وفور عقلها، وصواب رأيها. انتهى. البحر المحيط الثجاج (18/ 151-152).

وللفائدة ينظر:
استحباب الدعاء بخير عند حضور الميت.


إبلاغ عن خطأ