الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

«كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكم مسؤُولٌ عن رَعِيَّتِه، الإمام راعٍ ومسؤُولٌ عن رَعِيَّتِه، والرَّجل راعٍ في أَهله، وهو مَسؤُولٌ عن رَعِيَّتِه، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها، ومُسؤولة عن رعِيتها، والخادم راعٍ في مال سيده، ومَسؤول عن ‌رَعِيَّتِهِ، قال: وحَسِبْتُ أن قد قال: والرَّجل راعٍ في مال أَبيه، ومسؤُول عن ‌رَعِيَّتِهِ، وكُلُّكُم راعٍ ومسؤُول عن رَعِيَّتِه».


رواه البخاري برقم: (893)، ومسلم برقم: (1829)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«راع»:
حافِظٌ مؤْتَمَنٌ، والرَّعِيَّةُ: كُلُّ مَنْ شَمِلَه حِفْظُ الرَّاعِي ونَظَرهُ. لسان العرب (14/ 329).


شرح الحديث


قوله: «‌كلكم ‌راع»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «كُلكم» تشبيه مضمر الأداة، أي: كلكم مثل الراعي، وقوله: «وكلكم مسؤول عن رعيته» حال عُمِلَ فيه معنى التشبيه، وهذا مطَّرد في التفضيل، ووجه التشبيه: حفظ الشيء، وحسن التعهُّد لما استُحْفِظ، وهو القدر المشترك في التفضيل. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2568).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كلكم راع» لمن تحت يديه. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 211).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
الأصل في الرعي حفظ الحيوان، إما بغذائه الحافظ لحياته، وإما بذب العدوِّ عنه، يقال: رعيت الإبل أرعاها رعيًا، وكذلك رعى البعيرُ الكَلَأ (أي: العشب) بنفسه رعيًا، ورعى الأمير رعيته رِعَاية، وهو القيام على إصلاح ما يتولاه. الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 855).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
معنى الراعي ها هنا: الحافظ المؤتمن على ما يليه، يأمرهم بالنصيحة فيما يلونه، ويحذرهم أن يخونوا فيما وكِّلَ إليهم منه، أو يضيعوا، وأخبر أنهم مسؤولون عنه ومؤاخذون به. معالم السنن (3/ 2).

قوله: «وكُلكم مسؤول عن رعيته»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«مسؤول عن رعيته» في الآخرة، فكل من كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه، ومتعلقات ذلك، فإن وفَّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر، والجزاء الأكبر، وإلا طالبه كل أحد من رعيته بحقه في الآخرة. فيض القدير (5/ 38).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
أي: كلكم يسأل عما استرعى، أيَّ شيء كان، فلا يكوننَّ مقصرًا في إصلاح ذلك الشيء ورعايته، فإن الله سائلة عن ذلك. الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 855).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«عن رعيته» الرعية: فعيل بمعنى المفعول، من الرعاية وهي الحفظ. الكوثر الجاري (11/ 54).

قوله: «الإمام راع»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«الإمام» أي: الأعظم، أو نائبه. فيض القدير (5/ 38).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«الإمام» أي: ذُو الخلافة العُظمى، ومثله سائر ولاة الأمور. دليل الفالحين (5/ 115).
وقال ابن علان -رحمه الله- أيضًا:
خصَّ (يعني: الإمام) بالذكر؛ لأنه الأشرف (و) الأكمل، وباقي الولاة مثله. دليل الفالحين (3/ 111).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«راع» لمن تحت يده، وهو أعظم الرعاة قدْرًا وخطرًا. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 211).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«راع» فيمن ولي عليهم، يقيم الحدود والأحكام على سنن الشرع، ويحفظ الشرائع، ويحمي البيضة (يعني: أرض المسلمين)، ويجاهد العدو. فيض القدير (5/ 38).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«راع» فيما استرعاه الله، فعليه حفظ رعيته فيما تعيَّن عليه من حفظ شرائعهم، والذبِّ عنها، وعدم إهمال حدودهم، وتضييع حقوقهم، وترك حمايتهم ممن جَارَ(أي: ظلم) عليهم، ومجاهدة عدوهم، فلا يتصرف فيهم إلا بإذن الله ورسوله، ولا يطلب أجره إلا من الله. إرشاد الساري (4/ 230).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
(وهذا) يشمل من كان خليفة أو كان أميرًا على جماعة من الناس في إقليم أو مدينة أو قرية، كل هؤلاء يندرجون تحت لفظ الأمير، وهم مسؤولون عن ولايتهم، ومعنى ذلك: أنهم مسؤولون يوم القيامة عما استرعاهم الله -عزَّ وجلَّ- عليه، ويلزم كلًّا منهم النصح لمن كان واليًا عليهم، فيعمل على تحصيل كل خير لهم، ودفع كل شر عنهم، ويعمل على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وكل ذلك من واجبات الإمام، ومن واجبات الأمير، فهذا هو واجبه، وهو مسؤول عن أداء هذا الواجب يوم القيامة، فهو راع ومسؤول عن رعيته. شرح سنن أبي داود (345/ 3).

قوله: «ومسؤول عن رعيته»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«مسؤول عن رعيته» هل عدل فيهم أو جار؟ وهل حاطهم بنصيحة أو أضاعهم؟ وليس المراد: مجرَّد السؤال؛ بل ليترتب عليه الجزاء من خير أو شَرٍّ. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 211).

قوله: «والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته» هل وفاهم حقوقهم؟ وهل أحسن عشرتهم أو لا؟؛ ليجازى على ما كان منه. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 211).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وأما رعاية الرجل أهله: فالقيام عليهم، والسياسة لأمرهم، وتوفيتهم الحق في النفقة والعشرة. أعلام الحديث (1/ 579).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«والرجل راع على أهل بيته» فيقوم بكفايتهم من سائر المؤَنِ بحسب حاله يسارًا وإعسارًا، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويبين لهم ما يحتاجون إليه من أمر الشرائع. دليل الفالحين (3/ 111).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وهو مسؤول عنهم» أي: عن كل واحد منهم صغيرًا كان أو كبيرًا، وكذا تعليم الأولاد القراءة والكتابة والصِّنْعَةِ والحرفة الذي هو مسلَّم إليه هو راع عليهم، ومسؤول عنهم، هل ينصح لهم في التعليم؟ والرجل مسؤول عن نفقة زوجته وخادمه وأولاده وكسوتهم وما يحتاجون إليه، وعن تعليمهم ما يحتاجون إليه في صلاتهم ووضوئهم، وما يحتاجون إليه في أمر دينهم، وهو أهم من الكسوة والنفقة، فإنها تسقط عنه إذا كان مُعْسرًا وعاجزًا عن التكسب، وأما تعليم دينهم فإن لم يعرف فيتعلم ويعلمهم، أو يسأل، أو يسلمهم إلى من يعلمهم عليه إن ساغ ذلك؛ لقوله تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} التحريم: 6، وقوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ} طه: 132. شرح سنن أبي داود (12/ 519).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: إذا لم يكن للرجل أهل، ولا سيد، ولا أب، ولم يكن إمامًا فعلامَ رعايته؟
قلتُ: على أصدقائه، وأصحاب معاشرته. الكواكب الدراري (6/ 16).
وقال الكوراني -رحمه الله- متعقبًا للكرماني:
هذا كله خبط ظاهر، أما أولًا: فلأنه لما كان راعيًا على أصدقائه فقد سقط سؤاله.
الثاني: إذ لا يخلو أحد من صديق ومعاشرين. الكوثر الجاري (11/ 54).

قوله: «والمرأة راعية في بيت زوجها»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
وأما رعاية المرأة في بيت زوجها: فحُسْن التدبير في أمر بيته، والتعهد لمن تحت يدها من عياله وأضيافه وخدمه. أعلام الحديث (1/ 580).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«والمرأة راعية على بيت زوجها» فتقوم بحفظه عن السارق، والهرة، وسائر المتلفات، ولا تخزن فيه ولا تتصدق بما تعلم أنه لا يرضى به، وولده فتقوم بحضانته وخدمته. دليل الفالحين (3/ 111).

قوله: «ومسؤولة عن رعيتها»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وهي مسؤولة عن رعيتها» هل قامت بما يجب عليها، ونصحت في التدبير أم لا؟، وهي أمينة فيما ساقه الزوج إلى بيته من رزقه. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 211).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «وهي مسؤولة» عن حفظ زوجها بالغيب، وأن لا تتصدق من ماله إلا بإذنه، فما ظنك بغير ذلك؟! الإفصاح عن معاني الصحاح (4/ 19).

قوله: «والخادم راع في مال سيده، ومسؤول عن رعيته»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«والخادم» أي: العبد. إرشاد الساري (4/ 230).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «والخادم في مال سيده راع» يعني -صلى الله عليه وسلم-: إن كان في يد هذا الخادم ماشية أحسن القيام عليها، من أن يهبط بها الخصب، ويجنبها الجَدْبَ، ويتبع شاذَّتها، ويهنأ جرباها. الإفصاح عن معاني الصحاح (4/ 19).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«والخادم راع في مال سيده» فيما جعل أمره إليه. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 211).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
ورعاية الخادم: حفظ ما في يده من مال سيده، والنصيحة له فيه، والقيام بما استكفاه من شغل وخدمة. أعلام الحديث (1/ 580).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: العبد راع في مال سيده، يلزمه ما يلزم سائر الرُّعاة من حفظ ما استُرعِيَ عليه، ولا يعمل في معظم الأمور إلا بإذن سيده، وما كان من المعروف المعتاد أن يعفى عنه مثل الصدقة بالكِسْرَة والقطعة فلا يحتاج فيه إلى إذن سيده، وقد جاء في حديث النبي -عليه السلام- أن الخادم أحد المتصدقين، ولم يشترط إذن سيده إلا في الكثير؛ لقوله: «يعطي ما أُمِرَ به كاملًا مَوفرًا إلى الذي أُمِرَ له» فهذا يدل على العطاء الجزيل؛ لأن اشتراط الكمال فيه دليل على الكثرة. شرح صحيح البخاري (6/ 531-532).

قوله: «قال: وحسبت أن قد قال: والرجل راع في مال أبيه، ومسؤول عن رعيته»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«والرجل راع في مال أبيه» إن ائتمنه عليه. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 211).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«والرجل راع في مال أبيه» يحفظه، ويدبر مصلحته. منحة الباري (2/ 606).

قوله: «وكلكم راع ومسؤول عن رعيته»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
أعاد هذه الجملة تأكيدًا للأمر وتهويلًا له، وفيه: ردٌّ لما يَتَوَهَّمُ كثير من الناس أن الراعي هو الخليفة، وأن غيره ممن ذكر في معناه، فلا يقول الابن: مال أبي ما عليَّ منه، بل هو الحاكم (..)، ولا تقول الزوجة والخادم كذا، فتضيع من حقوق الآدميين. شرح سنن أبي داود (12/ 520).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
ختم الحديث بما بدأ به؛ لأنه بدأ بهذا التعميم، ثم فصَّل، ثم ختم بالتعميم، وهذا كله لتأكيد أمر الولاية، وأن كل إنسان مسؤول عما ولاه الله عليه، وما جعل إليه، وليس هذا مقصورًا على هذه الأصناف الأربعة، بل يعم كل من يكون مسؤولًا عن شيء، ومن يكون واليًا على شيء، سواءً كان أميرًا، أو موظفًا، أو ما إلى ذلك، فإنه مسؤول عما وكِّل إليه، ومن يكون تحت ولايته من الموظفين. شرح سنن أبي داود (345/ 3).
وقال البغوي -رحمه الله-:
استوى هؤلاء في الاسم، ولكن معانيهم مختلفة، فرعاية الإمام ولاية أمور الرعية، والحِيَاطَة من ورائهم، وإقامة الحدود والأحكام فيهم، ورعاية الرجل أهله بالقيام عليهم بالحق في النفقة، وحسن العشرة، ورعاية المرأة في بيت زوجها بحسن التدبير في أمر بيته، والتعهد لخَدَمِهِ وأضيافه، ورعاية الخادم حفظ ما في يده من مال سيده، والقيام بشغله -والله أعلم-. شرح السنة (10/ 62).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
كل من ذُكِرَ في هذا الحديث قد كُلِّف ضبط ما أُسند إليه من رعيته، واؤتمن عليه، فيجب عليه أن يجتهد في ذلك وينصح، ولا يُفرط في شيء من ذلك، فإن وفَّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر، والأجر الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كل واحد من رعيته بحقه، فكثر مطالبوه وناقشه محاسبوه؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: «ما من أمير عشرة فما فوقهم إلا ويُؤتى به يوم القيامة مغلولًا؛ فإما أن يفكَّه العدل، أو يُوْبِقَه الجَوْر»، وقد تقدم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من استُرْعِيَ رعية فلم يجتهد لهم ولم ينصح لم يدخل معهم الجنة». المفهم (4/ 27-28).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: إذا كان كل منَّا راعيًا فمن الرعية؟
قلتُ: أعضاء نفسه وجوارحه، وقواه وحواسه، والراعي يكون مُرعيًّا باعتبار آخر ككون الشخص مًرعيًا للإمام راعيًا لأهله، أو الخطاب خاص بأصحاب التصرفات ومن تحت نظره، ومِن عليه إصلاح حاله. [الكواكب الدراري (6/ 16)
.
وقال الكوراني -رحمه الله- متعقبًا للكرماني:
أما قوله: أو الخطاب خاص، فلغو من الكلام، ألا ترى إلى لفظ «كل» أولًا في التفصيل، وثانيًا في الإجمال كالفذلكة (هي: الإجمال بعد التفصيل) (يعني: نتيجة متفرعة على ما سبق).
والتحقيق: أن أولى الرعايا بأن يسأل عنها جوارح الإنسان وأعضاؤه، فالناس في ذلك متفاوتون، فالإمام يسأل عن كل فرد تحت رعيته، وعن كل عضو من أعضائه، هل استعمله فيما خُلِقَ له أم لا، وقِسْ عليه. الكوثر الجاري (11/ 54).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وكلكم مسؤول عن رعيته» خصص أولًا، ثم عمم ثانيًا تأكيدًا لبيان الحكم أولًا وآخرًا، وفيه: رَدٌّ العجز على الصدر؛ ذكره كله البيضاوي. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 211).
وقال ابن باز -رحمه الله-:
هذا حديث عظيم له شأن، من جوامع الكلم، فالسلطان والأمراء، وشيوخ القبائل، والمدرس ورئيس الشركة، والرجل في بيته في بناته في أولاده مسؤول عن ذلك، وعن دواب البيت هل أدى حقها... إلخ. الحلل الإبريزية (2/ 319).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: هذه كلها أمانات تلزم من استُرْعِيَها أداء النصيحة فيها لله، ولمن استرعاه عليها، ولكل واحد منهم أن يأخذ مما استرعى أمره ما يحتاج إليه بالمعروف من نفقة ومُؤنة. شرح صحيح البخاري (7/ 70-71).
وقال ابن بطال -رحمه الله- أيضًا:
فيه حجة لمن قال: إن العبد لا يملك، واختلف أهل العلم في ملك العبد لما في يديه من المال، فذهبت طائفة إلى أنه لا يملك شيئًا؛ لأن الرِّقَّ منافي الملك، وماله لسيده عند عتقه وعند بيعه إياه، وإن لم يشترط ماله سيده.
روي هذا عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعن سعيد بن المسيب، وهو قول الثوري، والكوفيين، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقالت طائفة: ماله له دون سيده في العتق والبيع، روي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عمر، وعائشة، وبه قال النخعي، والحسن البصري.
واضطرب قول مالك في ملك العبد، فقال: من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وقال فيمن أعتق عبدًا: إن ماله للعبد، إلا أن يشترطه السيد. شرح صحيح البخاري (7/ 71).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وقد استدل ابن شهاب من هذا الحديث على أن للسيد إقامة الحد على مماليكه، وقد روي ذلك نصًّا في حديث أنه قال: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم».
وقيل: فيه: دليل على أن الجمعة يجوز إقامتها بغير سلطان إذا اجتمعت شرائطها من العدد الذين يشهدونها.
وقيل: فيه أيضًا: دليل على أنَّ الرَّجلين إذا حكَّما بينهما حكمًا نَفَذَ حكمُهُ عليهما إذا أصاب الحق فيما يفعله من ذلك. أعلام الحديث (1/ 580).
وقال ابن رجب -رحمه الله- متعقبًا:
وقال الخطابي: فيه دليل على جواز إقامة الجمعة بغير سلطان.
وفيما قاله نظر، وابن شهاب إنما استدل به على أن نائب السلطان يقيم الجمعة لأهل بلدته وقريته، وإن لم يكن مِصْرًا جامعًا، ولا يتم الاستدلال بذلك حتى يقوم دليل على جواز إقامة الجمعة في غير الأمصار الجامعة، وإلا فإذا اعتقد الإمام أو نائبه أنه لا جمعة إلا في مصر جامع ولم يقم الجمعة في قريته وبلدته الصغيرة فإنه لا يلام على ذلك، ولا يأثم أهل قريته وبلدته بترك الجمعة في هذه الحال. فتح الباري(8/ 142).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ كُلَّ مَن كان تحت نظرهِ شيء فهو مطالب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته. شرح صحيح مسلم (12/ 213).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فيه: أن كل من تولى من أمر أحد شيئًا فهو مطالب بالعدل فيه، وأداء الحق الواجب، والقيام بمصلحة ما تولاه؛ كالرجل في أهل بيته، والمرأة فيما تتولاه من بيتها ومال زوجها وولده، والعبد فيما يتولاه ويتصرف فيه من مال سيده.
وفيه: حجة أنه لا قطع (يعني: لليد إذا أخذ المال خفية) على العبد في مال سيده، ولا على المرأة في مال زوجها، إلا ما حجبه عنها، ولم يجعل لها فيه تصرفًا، خلافًا لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي: أنه لا قطع على أحد الزوجين فيما سرق من مال الآخر كيف كان.
وفيه: حجة على جواز إقامة السيد الحد على عبده. إكمال المعلم (6/ 230).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وفيه: أن الرَّاعي ليس بمطلوب لذاته، وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك، فعلى السلطان حفظ الرعية فيما يتعين عليه من حفظ شرائعهم، والذب عنها لكل متصد لإدخال داخلة فيها، أو تحريف لمعانيها، أو إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم وترك حماية من جار عليهم، ومجاهدة عدوهم، أو ترك سيرة العدل فيهم، فينبغي أن لا يتصرف في الرعية إلا بإذن الله ورسوله، ولا يطلب أجره إلا من الله كالراعي، وهذا تمثيل لا يرى في الباب ألطف ولا أجمع ولا أبلغ منه؛ ولذلك أجمل أولًا ثم فصله. الكاشف عن حقائق السنن(8/ 2569).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن الأُمَّة على شبيه الشجرة، وصلاح كل أصل منها سبب لصلاح من بعده؛ فالإمام راع لجميع الأمة، وهو مسؤول عن رعيته، وهذا السؤال يتناول كل ما يقتضي السؤال عنه من أمر دينه ودنياه، ومن مفهوم الخطاب ما يدل على أن الرعية مسؤولة عن إمامها عن كل ما يتعلق بهم من أمره من دين ودنيا، والرجل مسؤول عن رعيته من تعليم أهله ما يجب عليهم تعلمه وصونهم عن البذلة (ضد الصيانة)، والغيرة على النساء منهم، ومن تربية الأطفال وحفظهم فيما في أيديهم من ماله. الإفصاح عن معاني الصحاح(4/ 18-19).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: بيان كذب الخبر الذي افتراه بعض المتعصبين لبني أمية، قرأت في كتاب القضاء لأبي علي الكرابيسي أنبأنا الشافعي، عن عمه هو محمد بن علي قال: دخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك فسأله عن حديث: «إن الله إذا استرعى عبدًا الخلافة كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات» فقال له: هذا كذب، ثم تلا: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} إلى قوله: {بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} ص: 26 ؛ فقال الوليد: إن الناس لَيُغْرُونَنَا عن دِيننا. فتح الباري (13/ 113).

وللفائدة ينظر في فضل رعاية البنات والأخوات حديث رقم: (432) ورقم: (94).


إبلاغ عن خطأ