السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

‌جاء ‌أبو ‌موسى ‌إلى ‌الحسن ‌بن ‌علي ‌يعوده، ‌فقال له ‌علي: ‌أعائدًا ‌جئت ‌أم ‌شامِتًا؟ ‌قال: ‌لا، ‌بل ‌عائدًا، قال: فقال له ‌علي -رضي الله عنه-: ‌إنَّ ‌كنت ‌جئتَ ‌عائدًا ‌فإني ‌سَمِعْتُ ‌رسول ‌الله -صلى الله عليه وسلم- ‌يقول: «‌إِذَا ‌عَادَ ‌الرَّجُلُ ‌أَخَاهُ ‌الْمُسْلِمَ ‌مَشَى ‌فِي ‌خِرَافَةِ ‌الجنَّة ‌حتَّى ‌يجلس، فإذا ‌جَلَسَ ‌غَمَرَتْهُ ‌الرَّحمة، ‌فَإِنْ كان ‌غُدْوَةً ‌صلَّى عليه ‌سَبْعُونَ ‌أَلفَ ‌مَلَكٍ ‌حتَّى ‌يُمْسِيَ، وإن ‌كان ‌مسَاءً ‌صلَّى عليه ‌سَبْعُونَ ‌أَلفَ ‌مَلَكٍ ‌حتَّى ‌يُصْبِح».


رواه أحمد برقم: (612) -واللفظ له-، وأبو داود برقم: (3098)، موقوفًا، والترمذي برقم: (969)، والنسائي في الكبرى برقم: (7452)، وابن ماجه برقم: (1442)، من حديث علي -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (682)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (‌‌‌1367).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«شَامِتًا»:
الشَّماتةُ: فرحُ العدُوّ ببليّةٍ تنزلُ بِمُعَاديهِ. العين، للخليل (6/ 247).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
الشَماتَةُ: الفرح بِبَلِيَّةِ العدوّ، يقال: شَمِت به بالكسر، ‌يَشمَت شماتة، وباتَ فلانٌ بِلَيْلَةِ الشَّوامِت، أي: بليلةٍ تُشْمِتُ الشَّوامتَ. الصحاح (1/ 255).

«عاد»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
لفظة العيادة تقتضي التكرار والعود والرجوع إليه مرة بعد أخرى؛ لافتقاد حاله، والعودة: الرجوع، ومنه: العود أحمد، وجاء: عودًا بعد بدء، أي: رجع، ويقال: عدت المريض عودًا وعيادة. إكمال المعلم (8/ 37).

«خِرَافَةِ الجنة»:
اجتناء ثمر الجنة، يقال: خرَفْتُ النخلةَ أخرِفها، شبّه -عليه السلام- ما يحوزه عائدُ المريض من الثواب بما يحوزه المخترِف من النخلة. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص483).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
خرافة ‌الْجنَّة، وَهِي مصدر خَرَف الثِّمَارَ: إِذا جناها. الفائق (1/ 360).

«غُدْوة»:
هو ما بين صلاة الغَداة إلى طلوع الشمس. البارع في اللغة، للقالي (ص426).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
الغين والدال والحرف المعتل أصل صحيح يدل على زمان، من ذلك الغُدُوُّ، يقال: ‌غدَا ‌يَغدو، والغُدْوة والغَدَاة، وجمع الغُدوة: غُدًى، وجمع الغَداة: غَدَوات. مقاييس اللغة (4/ 415).


شرح الحديث


قوله: «‌جاء ‌أبو ‌موسى ‌إلى ‌الحسن ‌بن ‌علي ‌يعوده، ‌فقال له ‌علي: ‌أعائدًا ‌جئت ‌أم ‌شامِتًا؟»:
قال الساعاتي -رحمه الله-:
الظاهر -والله أعلم- أنه كان بين أبي موسى وعلي أو الحسن أمور شخصية حتى قال علي ذلك لأبي موسى. الفتح الرباني (19/160).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
والشماتة: السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدين والدنيا، ‌وهي ‌محرمة ‌منهي ‌عنها، وفي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك»، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ منها ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء» أخرجه البخاري وغيره، وقال الشاعر:
إذا ما الدهر جرَّ على أناس … كلاكِلَهُ أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا … سيلقى الشامتون كما لقينا. الجامع لأحكام القرآن (7/ 291).

قوله: «‌قال: ‌لا، ‌بل ‌عائدًا»:
قال الساعاتي -رحمه الله-:
لم تمنع الأمور التي كانت بينهما من عيادة أبي موسى للمريض لما يعلمه من الحث عليها وكثرة ثوابها. الفتح الرباني (19/ 160).

قوله: «إذا عاد الرَّجلُ أَخاه المسلم»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إذا عاد أخاه المسلم» في مرضه، أي زاره فيه وتعهَّدَ حاله. فيض القدير (2/ 390).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن المسلم إذا عاد أَخاه» في الله، زاره في مرضه إذ ذلك مفهوم العيادة. التنوير(3/ 535).

قوله: «مَشى في خِرَافَةِ الجنة حتى يجلس»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
المخارف جمع مَخْرَف بالفتح، وهو الحائط من النخل، أي: أن العائد فيما يجوز من الثواب كأنه على نخل الجنة يخترف ثمارَها، وقيل: المخارف: جمع مخرفة، وهي سكة بين صفين من نخل يخترف من أيهما شاء، أي: يجتني، وقيل: المخرفة الطريق، أي: أنه على طريق تؤديه إلى طريق الجنة. النهاية (2/ 24).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «‌مشى ‌في ‌خرافة ‌الجنة» وخرفة الجنة وخرافتها: الحائط من النخل، ويروى: «عائد المريض في مخارف الجنة» كأنه يخترف ثمارها، وقيل: المخرفة الطريق، أنه على طريق تؤديه إلى الجنة. فتح القريب المجيب (13/ 548).
وقال أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-:
«في خرفة الجنة» وذلك أن عيادة المريض والمشي إليه سبب إلى الجنة، فعبر عن المسبب بالسبب على أحد قسمي المجاز؛ ترغيبًا في العيادة؛ لما فيها من الألفة، ولما يدخل على المريض من الأنس بعائده والسكون إلى كلامه. المسالك (7/ 464).
وقال السبكي -رحمه الله-:
والمراد: تشبيه ما يحصل عليه عائد المريض من الثواب بما يناله المجتبي من الثمر، وقيل: إن المراد بالخرافة: الطريق؛ فيكون المعنى: أنه يكون في طريق يوصله إلى الجنة. المنهل العذب المورود (8/ 230).

قوله: «فإذا جلس غَمَرَتْهُ الرَّحمة»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
معنى ‌غمرته ‌الرَّحمة: أي: عمَّته. فتح القريب المجيب (13/ 548).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أي: علَتْه وسَتَرتْه، شبّه الرحمة بالماء في الطهارة أو الشمول، ثم نسب إليها ما هو منسوب إلى المشبَّه به من الخوض. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 124).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«غمرته ‌الرحمة» أي: غطته وسترت عيوبه. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 428).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«فإذا جلس عنده ‌غمرته ‌الرحمة» علته وسترته، وفيه: نَدْبِيَّةُ الجلوس عنده من غير إطالة. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 193).
قوله: «فإن كان غَدوة صلَّى عليه سبعون ألف مَلك حتى يُمسي»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإن كان» عائدًا «غُدوة» أي: أول النهار «صلى عليه» أي: على ذلك العائد؛ أي: استغفر له «سبعون ألف مَلك حتى يُمسي» أي: يَدْخُلَ في المساء. مرشد ذوي الحجا والحاجة(9/ 27).

قوله: «وإن كان مساء صلَّى عليه سبعون ألف مَلكٍ حتى يُصبح»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وإن كان» عائدًا له «مساءً» أي: في آخر النهار «صلى عليه» أي: استغفر له «‌سبعون ‌ألف ‌ملك ‌حتى ‌يصبح» أي: يدخل في الصباح. مرشد ذوي الحجا والحاجة (9/ 27).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وأما استغفار الملائكة له ففيه نظر؛ لأن فضل الله واسع، لكن من قواعد الحديث الضعيف عند العلماء: كثرة الثواب في عمل يسير جدًا، لكننا نقول: إنه ما دام قد ثبت أصل مشروعية عيادة المريض؛ فإن ذكر الفضائل إذا لم يكن الضعف شديدًا مما يساعد على فعل ما رغب فيه، ويُنَشِّط الإنسان ويرجو الإنسان ثوابَ ذلك إن كان هذا الحديث ثابتًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حصل للإنسان ما دل عليه، وإن لم يكن ثابتًا فإنه لا يزيده إلا رغبة في الخير، وعلى كل حال: فهو يدل على فضيلة عيادة المريض، وأنه إذا كان في الصباح فله هذا الأجر وإذا كان في المساء فله هذا الأجر. شرح رياض الصالحين (4/ 472).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: فضل عيادة المريض، وهذا على عمومه في الصالح وغيره، وفي المسلم وغيره -والله أعلم-، وقد عاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كافرًا، وقد كره بعض أهل العلم عيادة الكافر؛ لما في العيادة من الكرامة، وقد أُمِرْنا ألا نبدأهم بالسلام، فالعيادة أولى ألا تكون، فإن أتونا فلا بأس بحسن تلَقِّيهم؛ لقول الله -عز وجل-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} البقرة: 83، دخل فيه الكافر والمؤمن، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أتاكم كريم قوم -أو كريمة قوم- فأكرموه».
وقد أكثر الناس في هذين المعنيين، وقد كان طاووس يسلّم على كل من لقي من مسلم وذِمِّيٍّ، ويقول: هي للمسلم تحية وللكافر ذِمَّة. التمهيد (16/ 203-204).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وعيادة المريض من الطاعات المرغَّب فيها، العظيمة الأجر...، وقد يكون من فروض الكفاية، لا سيما المرضى من الغرباء ومن لا قائم عليهم ولا كافل لهم، فلو تُرِكَتْ عيادتهم لهلكوا، وماتوا ضرًا وعطشًا وجوعًا، فعيادتهم تطلع على أحوالهم، ويتذرع بها إلى معونتهم، وإعانتهم، وهي كإغاثة الملهوف، وإنجاء الهالك، وتخليص الغريق، من حضرها لزمته، فمتى لم يعادوا لم يعلم حالهم في ذلك. إكمال المعلم (8/ 37).

وللمزيد من الفائدة ينظر:
عيادة المريض سبيل إلى ثمار الجنة.

حكم عيادة المريض.


إبلاغ عن خطأ