«إنَّ اللهَ يَغَارُ، وإنَّ المؤمنَ يَغَارُ، وغَيْرَةُ اللهِ أنْ يأتيَ المؤمنُ ما حَرَّمَ عليه».
رواه البخاري برقم: (5223)، ومسلم برقم: (2761) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«غَيْرَةُ»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الغَيْرَة هي: الحَميَّة والأنَفَة، يُقالُ: رَجُلٌ غَيُور، وامرأة غَيُور بلا هاء؛ لأنَّ فَعُولًا يَشْتَرك فيه الذَّكر والأنثى. النهاية (3/ 401).
شرح الحديث
قوله: «إنَّ اللهَ يَغَارُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
القول الأعلم الأَسلم مذهب السلف، وهو أنَّ غَيرة الله عندهم صفة ثابتة لله تعالى نثبتها ونعتقدها، لا نكيفها ولا نمثلها، أثرها: منع الله تعالى عن حرماته. الكوكب الوهاج (16/ 355).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك –حفظه الله-:
دلَّ حديث ابن مسعود على إثبات صفة الغيرة لله تعالى، وأن غيرته أكمل وأعظم من غيرة كل أحد، فيجب أن يكون القول فيها كالقول في سائر الصفات؛ وهو الإيمان بأن الله تعالى يغار حقيقة، وأن غيرته ليست كغيرة المخلوقين، بل غيرة الله تليق به سبحانه، ويدل على أن الغيرة من الله حقيقة قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث سعد المذكور مع ترجمة الباب: «أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني» والغيرة في مثل هذا السياق تتضمن الغضب لانتهاك الحرمة.
والله سبحانه يبغض ما حرم، ويغضب إذا انتهكت حرماته، وقول عياض: "ويحتمل أن تكون الغيرة في حق الله الإشارة إلى تغير حال فاعل ذلك" هو من التأويل المخالف لظاهر اللفظ بغير حجة، والحامل عليه: الحذر من إضافة التغير إلى الله تعالى الذي يُشعِر به لفظ الغيرة، وهو ممتنع عنده وعند ابن العربي؛ ولهذا قال فيما نقله الحافظ ابن حجر: "التغير محال على الله بالدلالة القطعية"، والحق أن التغير من الألفاظ المجملة المبتدعة في باب صفات الله تعالى؛ إذ لم يرد إطلاقه على الله تعالى نفيًا ولا إثباتًا، والواجب في مثل هذا التفصيل والاستفصال؛ فمن أراد بالإثبات أو النفي حقًا قُبل، وإن أراد باطلًا رُدَّ؛ فالتغير إن أريد به النقص بعد الكمال، أو الكمال بعد النقص فهو ممتنع على الله -عز وجل-؛ لأنه منزه عن النقص أزلًا وأبدًا، وإن أريد به التغير في أفعاله تبعًا لمشيئته وحكمته -مثل أنه يحب ويبغض، ويغضب ويرضى- فذلك من كماله، وتسمية هذا تغيرًا في ذاته ممنوع وباطل، والأسماء لا تغير الحقائق، والْمُعَوَّلُ في الأحكام على الحقائق والمعاني لا على الألفاظ والعبارات. تعليقات الشيخ البراك على المخالفات العقدية في فتح الباري (9/ 320).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
المنزهون لله تعالى عن سمات الحدِّ ومشابهة المخلوقين بين رجلين: إما ساكت عن التأويل، وإما مؤول، على أنْ يُراد شدة المنع والحماية من الشيء؛ لأن الغائر على الشيء مانع له، وحامٍ منه، فالمنع والحماية من لوازم الغيرة، فأطلق لفظ الغيرة عليهما من مجاز الملازمة، أو على غير ذلك من الوجوه السائغة في لسان العرب، والأمر في التأويل وعدمه في هذا قريب عند مَن يسلم التنزيه، فإنه حُكْم شرعي -أعني: الجواز وعدمه-، ويؤخذ كما تؤخذ سائر الأحكام إلا أن يدعي المدعي: أنَّ هذا الحكم ثبت بالتواتر عن صاحب الشرع -أعني: المنع من التأويل- ثبوتًا قطعيًّا، فخصمه يقابله حينئذٍ بالمنع الصريح، وقد يتعدَّى بعض خصومه إلى التكذيب القبيح. إحكام الأحكام (1/ 353).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله- معلقًا أيضًا:
يريد ابن دقيق العيد بالمنزهين نُفاة حقائق كثير من الصفات؛ كالمحبة والرضا، والضحك والفرح، والغضب والكراهة، والغيرة، وأنهم في نصوص هذه الصفات طائفتان: إما مفوضة وإما مؤولة، وهذا يصدق على الأشاعرة ونحوهم؛ فإنهم ينفون هذه الصفات ويوجبون فيما نفوه إما التفويض وإما التأويل المخالف لظاهر اللفظ، وإطلاق لفظ المنزهة عليهم يستلزم أن مَن يثبت هذه الصفات مشبّه، وكذلك يسمون المثبتين لسائر الصفات -وهم أهل السُّنة- مشبهة، كما أنَّ الجهمية والمعتزلة يسمون المثبتين لبعض الصفات كالأشاعرة مُشبهة، والحق أنَّ المنزهة على الحقيقة هم أهل السُّنة والجماعة الذين أثبتوا لله جميع الصفات الواردة في الكتاب والسُّنة، ونزهوه عن مماثلة المخلوقات؛ فتسمية النفاة: منزهة، والمثبتين للصفات: مشبهة من المغالطات. تعليقاته على المخالفات العقدية في فتح الباري (13/ 399).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
قد أجاد البرّاك في هذا التحقيق، وخلاصته: إثبات صفة الغيرة لله -سبحانه وتعالى- على حقيقتها، كما يليق بجلاله، وعدم تأويلها بشيء مما تقدَّم عن عياض وابن العربيّ وغيرهما، وهذا هو الذي سلَكه السَّلف في جميع صفات الله تعالى، وهو الحقّ المبين، وما عداه رأي عاطل مهين، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (42/ 698-699).
قوله: «وإنَّ المؤمنَ يَغَارُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وإنَّ المؤمن يغار» أي: يتغيَّر قلبه، ويهيج غضبه، إذا شورك فيما له به اختصاص. البحر المحيط الثجاج (42/ 699).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وإنَّ المؤمن يغار» أي: تخلُّقًا بأخلاقه تعالى. مرقاة المفاتيح (5/ 2165).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«وإن المؤمن يغار» أي: المؤمن الكامل الإيمان طبَعه الله على الغَيرة في محل الريبة...وأشدّ ما يكون ذلك في الزوجين.السراج المنير(2/ 11).
قوله: «وغَيْرَةُ اللهِ أنْ يأتيَ المؤمنُ ما حَرَّمَ عَلَيْهِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «وغَيرةُ الله» مبتدأ، خبره قوله: «أنْ يأتي» أي: يفعل «المؤمن ما حرم عليه» يحتمل أنْ يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الله، ويحتمل أنْ يكون بالبناء للمفعول، والجار والمجرور هو النائب عن الفاعل. البحر المحيط الثجاج (42/ 699).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وغَيرة الله» أي: سببها «أنْ يأتي المؤمن» ويفعل «ما حرّم عليه» الله -سبحانه وتعالى-. الكوكب الوهاج (25/ 232).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«حرَّم عليه» أي: منعه ذلك وتحريمه له. إكمال المعلم (8/ 263).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
خلاصة القول في هذا المسألة: مسألة الصفات كالغيرة والمحبة والرِّضا والغضب والإتيان والمجيء والاستواء والنزول: أننا نعتقد ثبوتها لله -سبحانه وتعالى- على ظواهرها، على ما يليق بجلاله، إثباتًا بلا تمثيل ولا تعطيل ولا تأويل -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (42/ 690).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: مراقبة الله تعالى، والخوف من غضبه وعقوبته إذا انتُهِكَت محارمه. تطريز رياض الصالحين (ص:62).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث: إثبات الغيرة لله تعالى، وسبيل أهل السُّنة والجماعة فيه وفي غيره من آيات الصفات وأحاديث الصفات أنهم يثبتونها لله -سبحانه - على الوجه اللائق به، يقولون: إنَّ الله يغار لكن ليس كغيرة المخلوق، وإنَّ الله يفرح؛ ولكن ليس كفرح المخلوق، وإن الله -سبحانه وتعالى- له من الصفات الكاملة ما يليق به، ولا تشبه صفات المخلوقين: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11، والله الموفق. شرح رياض الصالحين (1/ 498).
وقال المناوي -رحمه الله-:
في الحديث: تحذير شديد من اقتحام حِمى المعاصي والآثام المؤدية للهلاك والطرد عن دار السلام. فيض القدير (2/ 305).
وللاستفادة ينظر:
النهي عن المجاهرة بالمعصية والأمر بالستر والتوبة.