«الراكبُ شيطانٌ، والراكبانِ شيطانانِ، والثلاثةُ رَكْبٌ».
رواه أحمد برقم: (6748)، وأبو داود برقم: (2607)، والنسائي برقم: (8798)، والترمذي برقم: (1674)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (3524)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (62).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«شيطانٌ»:
الشيطان: معروف، وكل عاتٍ من الإنس والجن والدوابِّ شيطان. الصحاح، الجوهري (5/ 2144).
وقال أبو عبيد -رحمه الله-:
الشيطان: من الشطن، وهو الحبل الطويل المضطرب، والشطن: البعد فكأنه تباعد عن الخير وطال في الشر. الغريبين في القرآن والحديث (3/ 1003).
«رَكْبٌ»:
الركب:...جمع الركاب، والركاب هي الإبل التي يسار عليها. غريب الحديث، لأبي عبيد (2/ 69).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
الركب: القوم الركبان. مقاييس اللغة (2/ 432).
شرح الحديث
قوله: «الراكبُ شيطانٌ»:
قال الباجي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الراكب شيطان» يريد -والله أعلم-: حكمه حكم الشيطان... في انفراده عن الأنس وتركه الأنس بهم، وبعده عن الارتفاق بمجاورتهم ومرافقتهم وتركه الجماعة المأمور بها...
وقد «أنفد النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية عتبة الخزاعي وحده وأرسل الزبير بن العوام وحده» فيجب أن يكون ذلك في شيء مخصوص أو على وجه مخصوص.
وقد روى ابن القاسم عن مالك في المزنية: أن ذلك في سفر القصر. المنتقى شرح الموطأ (7/ 303).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب» يعني: أن الانفراد والذهاب في الأرض على سبيل الوحدة من فعل الشيطان، أو شيء يحمله عليه الشيطان، وكذلك الراكبان، وهو حث على اجتماع الرفقة في السفر. النهاية (2/ 475-476).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
سمى الواحد والاثنين «شيطانًا»؛ لمخالفة النهي عن التوحيد في السفر، والتعرض للآفات التي لا تندفع إلا بكثرة، ولأن المتوحد بالسفر تفوت عنه الجماعة ويعسر عليه التعيش.
ولعل الموت يدركه فلم يجد من يوصي إليه ديون الناس وأماناتهم وسائر ما يجب أو يسن على المحتضر أن يوصي به، ولم يكن ثم من يقوم بتجهيزه ودفنه. تحفة الأبرار (3/ 10).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«الواحد» أي: الذاهب مسافرًا وحده منفردًا عن الرفقاء «شيطان» حُكمه حكم الشيطان في هذه الخَلَّةِ. التنوير شرح الجامع الصغير (11/ 53).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في هذا الحديث: كراهية الوحدة في السفر، وأتى هذا الحديث بلفظ: «الراكب» ويدخل الراجل في معناه، إذا كان وحده.
ولم تختلف الآثار في كراهية السفر للواحد، واختلفت في الاثنين، ولم تختلف في الثلاثة فما زاد، أن ذلك حسن جائز.
وإنما وردت الكراهية في ذلك -والله أعلم- لأن الوحيد إن مرض، لم يجد من يمرضه، ولا يقوم عليه، ولا يخبر عنه، ونحو هذا. التمهيد (12/ 331-332).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
وإنما سمي الواحد شيطانًا والاثنان شيطانان لأن الشيطان في أصل اللغة هو البعيد من الخير؛ من قولهم: نوى شطون، أي: بائنة بعيدة، فالمسافر وحده يبعد عن خير الرفيق وعونه والأنس به، وتمريضه ودفع وسوسة النفس بحديثه، ولا يؤمن على المسافر وحده أن يضطر إلى المشي بالليل فتعرضه الشياطين المردة هازلين ومتلاعبين ومفزعين.
وقد بلغنا ذلك عن جماعة المسافرين إذا سافروا منفردين، وكذلك الاثنان؛ لأنه إذا مر أحدهما في حاجتهما بقي الآخر وحده، فإن شردت دابته أو نفرت أو عرض له في نفسه أو حاله شيء لم يجد من يعينه ولا من يكفيه ولا من يخبر بما يطرقه فكأنه قد سافر وحده. الاستذكار (8/ 530).
قوله: «والراكبانِ شيطانانِ»:
قال القنازعي -رحمه الله-:
وكذلك «الراكبان شيطانان» لأنهما فعلا فعل الشيطانين. تفسير الموطأ (2/ 776).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«الراكب شيطان والركبان شيطانان» والتخصيص بالركوب لا مفهوم له؛ لما ذكر فيما قبله، وكذا الذكورة، فالمرأة والماشي كذلك. دليل الفالحين (6/ 443).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «والراكبان شيطانان» لأن كلًّا منهما متعرض لذلك... وأما خروجه -صلى الله عليه وسلم- في سفر الهجرة هو وأبو بكر إنما هو للضرورة كذا قيل قلت: وما سافرا إلا والدليل معهما عامر بن فهيرة، وإنما نفس الخروج إلى غار ثور وحدهما وما هو بمسافة بعيدة ولا يعد سفرًا، وأما إرساله البريد وحده للضرورة أيضًا، مع أنه كان وإن بعثه منفردًا فلابد في الغالب أن ينضم إلى رفقة. التنوير شرح الجامع الصغير (6/ 280).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وهذا كله في السفر الذي يجوز فيه قصر الصلاة، وأما ما كان دون ذلك، فلا بأس بالسفر فيه للواحد؛ لأنه أمر قريب.
واختلف الناس في معنى ذلك، فقيل: إن الشيطان يضجر به، وليس ذلك على الحتم، إنما ذلك على طريق الأدب والتعلم، وقد كان رسول الله يبعث البريد وحده والرسول إلى البلدان بالدعاء إلى الإيمان، والخلفاء بعده كان يبعث إليهم بالفتوح؛ لأن ذلك من الضرورات، ولم يحفظ أنه أرسل ثلاثة. المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 559-560).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وقيل: إنما كره ذلك؛ لأن المسافر إذا مات في سفره ذلك لم يجد من يقوم عليه، وكذلك الاثنان لو ماتا أو أحدهما لم يجد من يعينه بخلاف الثلاثة ففي الغالب تؤمن تلك الخشية.
قلت: قد سمى الرسول - صلى الله عليه وسلم - الواحد شيطاناً والاثنين شيطانين، وقال: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار راكب وحده» وما بعد هذه التسمية زجر، فالظاهر: أنه للتحريم، وأما حكمته فلا يلزم معرفتها، وهذه الوجوه التي ذُكِرَتْ تخمين، ثم إنه ليس المراد الراكب، بل والماشي لا ينفرد، وإنما ذكر الراكب خرج على الغالب. التحبير لإيضاح معاني التيسير (4/ 668).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وظاهره: أن ما دون الثلاثة عصاة؛ لأن معنى قوله: شيطان، أي: عاص... وفي صحيح البخاري عن ابن عمر: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده»، وقد ثبت في الصحيح: «أن الزبير انتدب وحده ليأتي النبي بخبر بني قريظة»، قال ابن المنير: السير لمصلحة الحرب أخص من السفر، فيجوز السفر للمنفرد للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم إلا بالإفراد، كإرسال الجاسوس والطليعة، والكراهة لما عدا ذلك، ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيدة بالحاجة عند الأمن، وحالة المنع مقيدة بالخوف حيث لا ضرورة.
وقد وقع في كتب المغازي بعث جماعة منفردين منهم: حذيفة ونعيم بن مسعود وعبد الله بن أنيس وخوات بن جبير وعمرو بن أمية وسالم بن عمير وبسبسة وغيرهم، وعلى هذا: فوجود أهل الخير في سائر الأسفار غير سفر الحرب ونحوه إنما هو في الثلاثة دون الواحد والاثنين، والأربعة خير من الثلاثة كما يدل على ذلك حديث الباب. نيل الأوطار (7/ 279- 280).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب» أي: إذا سافر الواحد والاثنان، ففعلهم هذا من تسويل الشيطان وإغرائه، وأما إذا كانوا ثلاثة فهم ركب وجماعة مجتمعة يد الله عليها، وهذا يدل على النهي عن السفر إذا سافر وحده أو سافر اثنان، وأما إذا سافر ثلاثة فيجوز...
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: «الراكب شيطان»...إلخ، قيل: كان ذلك في أول الأمر لغلبة الكفار، ثم رخص لما شاع الإسلام في السفر وحده، وقيل: بل هو باق، وإطلاق الشيطان على هذا كناية عن سروره بتكاليفه ومشاقِّه، وعلى الأول فكان إطلاقه عليه لما أنه معرض له، ومظِنَّة لسلب إيمانه، انتهى.
قلت: ويؤيد الأول قوله في الحديث: «حتى تسير الظعينة لا تخاف إلا الله تعالى».
قال الحافظ في شرح "باب السير وحده"، قال ابن المنير: السير لمصلحة الحرب أخص من السفر، والخبر ورد في السفر.
فيؤخذ من حديث جابر جواز السفر منفردًا للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم إلا بالانفراد، كإرسال الجاسوس والطليعة، والكراهة لما عدا ذلك، ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيدة بالحاجة عند الأمن، وحالة المنع مقيدة بالخوف حيث لا ضرورة. بذل المجهود (9/ 191-192).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وقال الطَّبري: هذا زَجرٌ أدبٍ وإرشادٍ، لِما يُخافُ على الواحدِ من الوحشة، وليس بِحرام. فالسائرُ وحده بفلاةٍ، والبائتُ في بيتٍ وحده، لا يأمَنُ من الاستيحاش، سِيَّما إن كان ذا فِكرةٍ رديئةٍ أو قلبٍ ضعيف. والحقُّ أنَّ الناسَ يتفاوتون في ذلك، فوقع الزَّجرُ لحَسمِ المادة، فيُكرهُ الانفرادُ سدًّا للباب، والكراهةُ في الاثنين أخفُّ منها في الواحد. فيض القدير (4/ 43).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ولكن هذا في الأسفارِ الَّتي لا يكون طريقُها مسلوكًا بكثرةٍ، أمَّا الأسفارُ التي يكون طريقُها مسلوكًا بكثرةٍ، وكأنَّك في وسطِ البلد؛ مثل طريقِ القصيمِ -الرياض، أو الرياضِ- الدمام، وما أشبه ذلك من الطُّرقِ التي يَكثُرُ فيها السالِكون، ومثل طريقِ الحجازِ في أيام المواسِم، فإنَّ هذا لا يُعَدُّ انفرادًا في الحقيقة؛ لأنَّ الناسَ يمرُّون به كثيرًا، فهو منفردٌ في سيارته، وليس منفردًا في السفر، بل الناسُ حولَه ووراءَه وأَمامَه في كلِّ لحظةٍ. نور على الدرب
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
ولعل الحديث أراد السفر في الصحاري والفلوات التي قلَّما يرى المسافر فيها أحدًا من الناس، فلا يدخل فيها السفر اليوم في الطرق المُعَبَّدة الكثيرة المواصلات -والله أعلم-. سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/١٣٢).
قوله: «والثلاثةُ رَكْبٌ»:
قال القنازعي -رحمه الله-:
«والثلاثة ركب» يعني: أن سفرهم ثلاثتهم فما فوق ذلك مباح؛ لأنهم يتعاونون ويسدد بعضهم بعضًا، ويتقدَّمُهم إمامهم في الصلاة، ويكونا من ورائه صفًّا. تفسير الموطأ (2/ 777).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ومما يدلك على أن الثلاثة ركب، وأن حكمهم نحو حكم العسكر ... أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم»...وفي هذا الحديث ما يدل على أن الاثنين ليسا بجماعة، فتدبَّرْه تجده كذلك -إن شاء الله-. التمهيد (12/ 332-333).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
والمعنى: أن الجماعة -وأقلها ثلاثة- لا يهم بهم الشيطان ويبعد عنهم... وإذا كانوا ثلاثة ارتفعت العلة المخوفة في الأغلب؛ لأنه لا يخرج الواحد مرة في الحاجة ويبقى الاثنان، ثم يخرج الآخر مرة أخرى، ويبقى الاثنان يكون هذا دأبًا في الأغلب في أمورهم، وإن خرج الاثنان لم يطل مكث الواحد وحده هذا ونحوه. الاستذكار (8/ 530).
وقال النووي -رحمه الله-:
فينبغي أن يسير مع الناس ولا ينفرد بطريق ولا يركب بنيات الطريق (أي: الطرق الصغار المتفرعة من الطريق الأصلي) فإنه يخاف عليه الآفات بسبب ذلك، وإذا ترافق ثلاثة أو أكثر فينبغي أن يُؤَمِّروا على أنفسهم أفضلهم وأجودهم رأيًا ثم ليطيعوه؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كانوا ثلاثة فليُؤَمِّروا أحدهم» رواه أبو داود بإسناد حسن. الإيضاح في مناسك الحج والعمرة (ص: 67).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
معناه -والله أعلم-: أن التفرُّد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، أو هو شيء يحمله عليه الشيطان ويدعوه إليه، فقيل على هذا: إن فاعله شيطان، ويقال: إن اسم الشيطان مشتق من الشطون وهو البعد والنزوح...، فيحتمل على هذا أن يكون المراد: أن الْمُمْعِن في الأرض وحده مُضَاهٍ للشيطان في فعله، وتشبه اسمه، وكذلك الاثنان ليس معهما ثالث فإذا صاروا ثلاثة فهم ركب، أي: جماعة وصحب، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال في رجل سافر وحده: أرأيتم إن مات من أسأل عنه؟.
قلت: المنفرد وحده في السفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه، ولا عنده من يوصي إليه في ماله، ويحمل تركته إلى أهله، ويرد خبره عليهم، ولا معه في سفره من يعينه على الحمولة؛ فإذا كانوا ثلاثة تعاونوا وتناوبوا المهنة والحراسة، وصلوا الجماعة، وأحرزوا الحظ منها. معالم السنن (2/ 260).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«أن الراكب شيطان، والراكبين شيطانان، والثلاثة ركب» يعني: من يسافر وحده شيطان، والذي يسافر وليس معه سوى واحد شيطانان، والثلاثة ركب، يعني: ليسوا من الشياطين؛ بل هم ركب مستقل، وهذا أيضًا على الحذر والتنفير من سفر الوحدة، وكذلك من سفر الاثنين، والثلاثة لا بأس، وهذا -كما قلت- مقيَّد بالأسفار التي لا يكون فيها ذاهب وآت. شرح رياض الصالحين (4/ 586).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
وحاصل المقام: أن الشرع لا يترك النصح في كل موضع، فيعلم ما هو الأنسب للناس، والأولى بحالهم، مع علمه أن الناس قد لا يأتون به للعجز عنه في بعض الأحوال، كما في الحديث المذكور، فإن الرفاقة (الرفقة) قد تَعُوْزُ (أي: يصعب وجودها)، ويضطر الإنسان إلى السفر منفردًا، فيجيزه الشرع لا محالة، مع بيان الضرر فيه.
وهذا كما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن كسب الحجامة، ثم لا بد للناس من احتجام...فيحتاج الناس إلى أمور بحسب حوائجهم، يكون فيهم لهم ضرر، فيأتي الشرع، ويخبرهم بما فيه من الضرر، ويدلهم على ما هو الأنفع لهم، مع علمه أن الناس لا مناص لهم من الاقتحام فيه تكوينًا؛ ويجتمع في مثل هذه المواضع النهي مع بيان الجواز، وكلاهما معقول، كما عرفت. فيض الباري(4/ 174-175).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
- وصية النبي صلى الله عليه وسلم للمسافر؟