السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«إنَّ اللهَ يقبلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِرْ».


رواه أحمد برقم: (6160)، والترمذي برقم: (3537)، وابن ماجه برقم: (4253)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (1903)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (3143).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«توبة»:
التوبة: الرجوع عن الذَّنب. مختار الصحاح(ص: 47).

«يُغَرْغِرْ»:
أي: ما لم تبلُغ رُوحُه حَلقومَه، فيكون منه بمنزلة الشيءِ الذي يَتَغَرْغَرُ به.. الغريبين في القرآن والحديث، لأبي عبيد الهروي (4/ 1368).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
والغَرْغَرة: تردُّدُ الروح في الحلق. الصحاح(2/ 769).


شرح الحديث


قوله: «إنَّ اللهَ يقبلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِرْ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«إن الله عزّ» جده «وجلّ» شأنه «يقبل توبة العبد» أي: المذنب المكلف ذكرًا أو أنثى كرمًا منه وفضلًا. دليل الفالحين (1/ 101).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «توبة» معناه: أنه معظمها، ومستلزم لبقية أجزائها عادة؛ فإن النادم ينقلع من الذنب في الحال عادة ويعزم على عدم العود إليه في الاستقبال، وبهذا القدر تتم التوبة إلا في الفرائض التي يجب قضاؤها فتحتاج التوبة فيها إلى القضاء، وإلا في حقوق العباد فتحتاج فيها إلى الاستحلال، أي: الرَّدّ، والندم يعني على كل ذلك كما لا يخفى. حاشيته على سنن ابن ماجه (2/ 563).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن الله تعالى يقبل توبة العبد» فيمحق ذنوبه في كل حين من الأحيان. التنوير (3/ 406).

قوله: «ما لم يُغَرْغِرْ»:
قال القرطبي-رحمه الله-:
ما لم تبلغ روحه حلقومه، فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به. قاله الهروي. تفسير القرطبي (5/ 92).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
أي: فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة، وعاين الملك، فلا توبة حينئذ. تفسير ابن كثير (7/ 160)
وقال ابن مفلح -رحمه الله-:
ولنا خلاف هل تقبل التوبة ما لم يعاين الملك أو ما دام مكلَّفًا أو ما لم يغرغر؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: تقبل ما لم يغرغر؛ لما روى الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»، قال ابن رجب في كتاب اللطائف: فمن تاب قبل أن يغرغر قبلت توبته؛ وقدَّمَه لأن الروح تفارق القلب عند الغرغرة فلا يبقى له نية ولا قصد.
والقول الثاني: تقبل ما لم يعاين الملك، وهو قول الحسن ومجاهد وغيرهما، وقد خرج ابن ماجه عن أبي موسى قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم-: «متى تنقطع معرفة العبد من الناس؟ قال: إذا عاين»، يعني: الملك، وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال: "لا يزال العبد في مهلة من التوبة ما لم يأته ملك الموت يقبض روحه، فإذا نزل ملك الموت فلا توبة حينئذ"، وبإسناده عن ابن عمر قال: "التوبة مبسوطة ما لم ينزل سلطان الموت"، وروى في كتاب الموت عن أبي موسى قال: "إذا عاين الميت الملك ذهبت المعرفة"، وعن مجاهد نحوه، وقدمه ابن حمدان في "آداب الرعايتين"، و"نهاية المبتدين في أصول الدين"، والمصنف في "الآداب الكبرى" و"الوسطى"، والشيخ عبد الله كتيلة في كتاب "العدة".
والقول الثالث: تقبل توبته ما دام مكلَّفًا، وهو قوي، والصواب: قبولها ما دام عقله ثابتًا وإلا فلا. الفروع وتصحيح الفروع (7/ 429)
وقال القرطبي -رحمه الله-:
أي: تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعدهِ من الجنة ومقعده من النار. التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: 1346).
وقال الشنقيطي -رحمه الله-:
حقيقة الإيمان: التصديق بالمغيبات، فإذا عاينها لم تكن حينذاك غيبًا، فيفوت وقت الإيمان -والعلم عند الله-، وعليه حديث التوبة: «ما لم يُغَرْغِرْ». أضواء البيان(8/ 235).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
لو قيل: ثبت عن ابن عباس أنه قال: إن الله يقبل التوبة ما لم يعاين الرجل ملك الموت، وموقوفه في حكم المرفوع؛ لأن مثله ما يقال من قبل الرأي، أو كلامه حجة على غيره، أو لأنه إمام المفسرين، ويدل على ما قاله بظاهره قوله تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} غافر: 85، وتشير الآية الماضية بأن الحضور حقيقة لا يكون إلا للملك، وأما للموت فمجاز، والنسبة الحقيقية أولى من المجازية، فيكون من قبيل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} يوسف: 82، فالتقدير حضر أحدهم ملك الموت -والله أعلم-، وتخصيصُ غيره بدعوى أن كثيرًا من الناس لا يراه؛ محتاجٌ إلى دليل كان له وجه وجيه. مرقاة المفاتيح (4/ 1623).
وقال المظهري -رحمه الله-:
لو استحل أحدًا عليه له مظلمة فحلَّله، صحَّ تحليلُه بلا خلاف، وكذلك لو أوصى بشيء، أو نَصَّبَ أحدًا على أطفاله، أو عَمَلِ خيرٍ، صحَّت وصيَّتُه بلا خلاف، وتأويل «ما لم يغرغر» على قول ابن عباس ومَنْ تابعه: أنه ما لم يتيقنِ الموتَ؛ لأن كثيرًا من الناس لم يَرَوا ملكَ الموت ولم يعلموا خروجَ الروح من أعضائهم حتى تبلغ الروح الحلقوم، فمَن لم يعرف قبض روحه تقبل توبته وإيمانه بلا خلاف ما لم يتيقن الموت، وإن بلغت الروح الحلقوم. المفاتيح (3/187-188).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قيل: وأما تفسير ابن عباس حضوره بمعاينة ملك الموت، فحكم أغلبي؛ لأن كثيرًا من الناس لا يراه، وكثيرًا يراه قبل الغرغرة. مرقاة المفاتيح (4/ 1623).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«‌ما ‌لم ‌يغرغر» أي: ما لم تبلغ روحه حلقومه. شرح المصابيح (3/ 146).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
وظاهر الحديث: أنه لا يقبل التوبة عند حضور الموت سواءٌ كان من الكفر والمعصية، وهو ظاهر قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} الآية النساء: 17، وقد ذهب البعض إلى أنه يقبل التوبة عن المعصية لا عن الكفر، فعندهم إيمان اليأس غير مقبول وتوبته مقبولة. لمعات التنقيح (5/ 160).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ما لم يغرغر» أي: ما لم تبلغ روحه حلقومه فيكون بمنزلة القيء يتغرغر به المريض... والمقصود: ما لم يعاين أحوال الآخرة. حاشيته على سنن ابن ماجه (2/ 563).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: في حديث ابن عمر: «ما ‌لم ‌يغرغر» الغرغرة: هي حالة النزع لا يقبل فيها توبة، ولا غيرها، ولا تنفذ فيها وصية ولا غيرها. التحبير (2/ 515).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«ما ‌لم ‌يغرغر» بغين معجمة وراء بعدهما مثلهما وكسر الغين المعجمة الثانية، أي: يجود بنفسه عند الموت كما في القاموس، وهي من الغرغرة: تردد الماء في الحلق، يقال: غرر المريض إذا تردد الماء في حلقه، وعن عطاء: ولو حصل قبل موته بفواق ناقة، وعن النخعي: ما لم يؤخذ بكظمه، وإنما لم يقبل التوبة عند الغرغرة؛ لأنها توبة إلجاء؛ فقد شاهد هول المطلع ورأى الملائكة: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ} الفرقان: 22، ولأن من شرط التوبة العزم على ألا يعود وقد فات ذلك، وقد فسر التوبة حديث ابن مسعود: «التوبة من الذنب أن لا يعود إليه أبدًا»، وحديث أُبيّ: «التوبة النصوح الندم على الذنب حين يفرط منك، وتستغفر الله منه، ثم أن لا يعود إليه أبدًا»، ويأتي حديثه والحديث مشتق من الآية: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} الآية النساء: 17. التنوير (3/ 406).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقد أجمع العلماء -رضي الله عنهم- على قبول التوبة ‌ما ‌لم ‌يغرغر كما جاء في الحديث، وللتوبة ثلاثة أركان: أن يقلع عن المعصية، ويندم على فعلها، ويعزم أن لا يعود إليها، فإن تاب من ذنب ثم عاد إليه لم تبطل توبته، وإن تاب من ذنب وهو مُتلبِّس بآخر صحت توبته، هذا مذهب أهل الحق، وخالفت المعتزلة في المسألتين -والله أعلم-. شرح مسلم (2/ 45).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
دل هذا الحديث على قبول توبة الله -عز وجل- لعبده ما دامت روحه في جسده لم تبلغ الحلقوم والتراقي، وقد دل القرآن على مثل ذلك أيضًا قال الله -عز وجل-: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} النساء: 17. لطائف المعارف (ص:334).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
واعلم: أن التوبة عبارة عن ندم يورث عزمًا وقصدًا، وذلك الندم يورث العلم بأن تكون المعاصي حائلًا بين الإنسان وبين محبوبه.
والندم هو: توجع القلب عنده شعوره بفراق المحبوب، وعلامته طول الحزن والبكاء. مختصر منهاج القاصدين (ص:259-262).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
«أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»، وروي: «ما لم يعاين»، وقد ثبت في الصحيحين «أنه -صلى الله عليه وسلم- عرض على عمه التوحيد في مرضه الذي مات فيه»، وقد «عاد يهوديا كان يخدمه فعرض عليه الإسلام فأسلم؛ فقال: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار، ثم قال لأصحابه: آووا أخاكم».مجموع الفتاوى (18/ 191).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
دلَّ هذا الحديث على قبول توبة الله -عز وجل- لعبده ما دامت روحه في جسده لم تبلغ الحلقوم والتَّراقي، وقد دلَّ القرآن على مثل ذلك أيضًا، قال الله -عزَّ وجلَّ-: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} النساء: 17، وعمل السُّوء إذا انفرد يدخل فيه جميع السيئات صغيرها وكبيرها، والمراد بالجهالة: الإِقدام على السُّوء وإن علم صاحبه أَنه سوء فإن كُلَّ مَن عصى الله فهو جاهل، وكُل مَن أطاعه فهو عالم... لطائف المعارف (ص:334).

وللمزيد من الفائدة ينظر:
العلامة الكبرى التي تُغلق باب التوبة.


إبلاغ عن خطأ