الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«هذا الذي تحرَّكَ له العرشُ، وفُتِحَتْ له أبوابُ السماءِ، وشَهِدَه سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضُمَّ ضَمَّةً، ثم فُرِّجَ عنه».


رواه أحمد برقم: (14505)، والنسائي برقم: (2055)، من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-. وراه أحمد من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم (6987) سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (3345).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«العرشُ»:
قال ابن سيده -رحمه الله-:
العرش: سرير الملك، وفي التنزيل: {وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ} النمل:23، وَقد يُستعار لغيره، وعرش الباري -تعالى- مِنْهُ. المحكم والمحيط الأعظم (1/ 361).

«ضُمَّ»:
ضَمَمْتُه ضمًّا فانضم، بمعنى: جمعته فانجمع. المصباح المنير، للفيومي (2/ 364).
قال الزبيدي -رحمه الله-:
الضم: قبض شيء إلى شيء، وقد ضمَّه إليه ضمًّا فهو ضَامٌّ، وذاك مَضْمُوم، فانضم إليه وتَضَام. تاج العروس (17/ 429).

«فُرِّجَ»:
الفاء والراء والجيم: أصل صحيح يدل على تفتح في الشيء، من ذلك الفُرْجَة في الحائط وغيره. مقاييس اللغة، لابن فارس (4/ 498)


شرح الحديث


قوله: «هذا الذي تحرَّكَ له العرشُ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «هذا الذي» الْمُشار إليه سعد بن معاذ، وهو للتعظيم. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 600).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
زاد البيهقي في كتاب عذاب القبر: «يعني: سعد بن معاذ»، وزاد (يعني: البيهقي) في دلائل النبوة، قال الحسن: تحرك له العرش فرحًا بروحه. حاشية السيوطي على سنن النسائي (4/ 101).
وقال الذهبي -رحمه الله-:
الأحاديث الواردة في هذه المسألة ... تدل دلالة واضحة وصريحة على أن المراد بالعرش هو ذلك المخلوق العظيم الذي خلقه الله تعالى فوق العالم كله، ثم استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض. العرش (1/ 287).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تأويله، فقالت طائفة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش تحركه فرحًا بقدوم روح سعد، وجعل الله تعالى في العرش تمييزًا حصل به هذا، ولا مانع منه، كما قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} البقرة: 74، وهذا القول هو ظاهر الحديث، وهو المختار. المنهاج (16/ 22).
وقال القاضي أبو يعلى ابن الفراء -رحمه الله-:
اعلم أن هذا الخبر ليس مما يرجع على شيء من الصفات؛ لأنَّ العرش مُحْدَثٌ مَخلوقٌ، وغير ممتنعٍ أنْ يهتزَّ العرش على الحقيقة، ويتحركَ لموت سعد؛ لأنَّ العرش تجوز عليه الحركة، ويكون لذكره فائدة وهي: فضيلة سعد؛ أن العرش مع عِظَم قَدْره اهتزَّ له.
وقد تأوَّل قوم على أن العرش ها هنا السَّرير الذي كان عليه سعد، وهذا غلط لوجهين:
أحدهما: أن في الخبر «اهتزَّ عرشُ الرَّحْمن -جلَّ اسمه-»، وإضافةُ العرش إلى الله سبحانه إنَّما يَنصرف إلى العرش الذي هو في السماء.
والثاني: أنَّه قَصد بهذا الخبر فضيلة سعد، ولا فَضيلة في تحرك سَريره واهتزازه؛ لأنَّ سرير غيره قد يتحرك ويهتز من تحته.
وتأوله آخرون: على أنَّ الاهتزاز ها هنا رَاجعٌ إلى حَمَلَةِ العَرش، الذي يَحملونه ويَطُوفُون حوله، وأقامَ العَرشَ مَقَام من يحمله ويطوف به من الملائكة، كما قال تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} الدخان: 29، وإنَّما يُريد أهل السَّماء وأهل الأرض، وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في أُحُد: «هَذا جَبَلٌ يحبنا ونُحبه» يريد: يُحبُّنا أهلُه، يعني: الأنصار.
ويكون معنى اهتزاز حمَلَتِهِ: الاستبشار والسُّرور به، يقال: فلانٌ يستبشر للمعروف، ويَهتَزُّ له، ومنه قيل في المثل: إن فُلانًا إذا دُعِيَ اهتزَّ، وإذا سُئِل ارتَزَّ، والكلام لأبي الأسود الدُّؤَلي، والمعنى فيه: إذا دُعي إلى طَعامٍ يأكله، ارتاح له واستبشر، وإذا دُعِيَ لحاجةٍ، ارتز، أي: تَقَبَّض، ولم ينطلق، قال الشاعر:
وَتأَخُذُهُ عِنْدَ المَكَارِمِ هزةٌ *** كما اهْتَزَّ عِند البارحِ الغُصْنُ الرطْبُ.
وهذا غلط؛ لما بَينَّا أنَّه غيرُ ممتنعٍ من إضافة الاهتزاز إلى العرش لكونه مُحدثًا، وقد قال تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} الطور: 9-10، وهذه إضافةٌ صحيحة إلى السَّماء والأرض، كذلك إضافة ذلك إلى العرش، وحَمْلُ ذلك على حَمَلَةِ العرش عُدُولٌ عن الحقيقة إلى المجاز من غيرِ حاجة إلى ذلك، ولئن جاز هذا، جاز العدول في قوله: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} الطور: 9، معناه: أهل السماء. {وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} الطور: 10، معناه: أهل الجبال؛ ولأنَّ ما يمنع من حمل الخبر على العرش، يمنع من حمله على حَمَلَتِهِ، وما يجوز في أَحَدهما نُجَوِّزه في الآخر. إبطال التأويلات (ص: 427-429).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هذا يتأول على وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد بالعرش السرير الذي حمل عليه، ومعنى الاهتزاز: الحركة والاضطراب، وكان ذلك فضيلة له، كما كان رجف الجبل وحركته فضيلة لمن عليه، وهو ما روي «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان على حِرَاء ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فتحرك الجبل، فقال: اثبت حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد».
والوجه الآخر: أن يكون المراد به: عرش الله -عزَّ وجلَّ-، والمراد به: حملة العرش، ومعنى الاهتزاز: السرور والاستبشار، ومنه: اهتزاز النبات إذا حسن واخضر، وكذلك اهتزاز الأرض في قوله -عزَّ وجلَّ-: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} فصلت: 39. أعلام الحديث (3/ 1647-1648).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ووقع ذلك من حديث ابن عمر عند الحاكم بلفظ: «اهتز العرش فرحًا به» لكنه تأوَّله كما تأوَّله البراء بن عازب، فقال: اهتز العرش فرحًا بلقاء الله سعدًا حتى تفسخت أعواده على عواتقنا، قال ابن عمر: يعني: عرش سعد الذي حُمِلَ عليه، وهذا من رواية عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن عمر، وفي حديث عطاء مقال؛ لأنه ممن اختلط في آخر عمره، ويعارض روايته أيضًا ما صححه الترمذي من حديث أنس قال: لما حُمِلَتْ جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته؟! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الملائكة كانت تحمله» قال الحاكم: الأحاديث التي تُصَرِّح باهتزاز عرش الرحمن مُخرَّجة في الصحيحين، وليس لمعارضها في الصحيح ذكر. انتهى. فتح الباري (7/ 124).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
وقيل: المراد باهتزاز العرش: اهتزاز حملة العرش، ويؤيده حديث: إن جبريل قال: «من هذا الميت الذي فُتِحَت له أبواب السماء، واستبشر به أهلها» أخرجه الحاكم....
وأما تأويل البراء على أنه أراد بالعرش السرير الذي حُمِلَ عليه فلا يستلزم ذلك فضلًا له؛ لأنه يشركه في ذلك كل ميت؛ إلا أنه يريد اهتز حملة السرير فرحًا بقدومه على ربه فيتَّجِه. فتح الباري (7/ 124).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
مَن تأوَّل ذلك على أنَّ المراد به: استبشار حملة العرش وفرحهم؛ فلا بد له من دليل على ما قال، كما ذكره أبو الحسن الطبري وغيره، مع أنَّ سياق الحديث ولفظه ينفي هذا الاحتمال. مجموع الفتاوى (6/ 554).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
وبعضهم قال: اهتز حزنًا، والحزن أقرب من الفرح، يعني: لمكانته وعظم شأنه عند الله -عز وجل- اهتز عرش الرحمن لموته -رضي الله عنه وأرضاه-. شرح سنن ابن ماجه (10/ ٣).

قوله: «وفُتِحَتْ له أبوابُ السماءِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وفُتِحَت» بالتخفيف، وقيل: بالتشديد للتكثير، «له أبواب السماء» لإنزال الرحمة، ونزول الملائكة، أو تزيينًا لقدومه وطلوع روحه؛ لأن محل أرواح المؤمنين الجنة، وهي فوق السماء السابعة، أو عرضًا للأبواب بأن يدخل من أي باب شاء؛ لعظم كماله، كفتح أبواب الجنة الثمانية لبعض المؤمنين. مرقاة المفاتيح (1/ 218).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «وفتحت له أبواب السماء» كأن أهل كل باب انتظروا صعود روحه. لمعات التنقيح (1/ 440).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وفتحت له أبواب السماء» أي: فرحًا بقدومه أيضًا. ذخيرة العقبى (20/ 97).

قوله: «وشَهِدَه سبعون ألفًا من الملائكة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وشهده» أي: حضر جنازته «سبعون ألفًا من الملائكة»، أي: تعظيمًا له. مرقاة المفاتيح (1/ 218).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وشهده سبعون ألفًا من الملائكة» أي: لتشييع جنازته. ذخيرة العقبى (20/ 97).

قوله: «لقد ضُمَّ ضَمَّةً، ثم فُرِّجَ عنه»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
«لقد ضُمَّ» (اللام) فيه جواب القسم. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 600).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لقد» جواب قسم مقدر. مرقاة المفاتيح (1/ 218).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ضمَّة القبر» «وضَغْطَته» بفتح الضاد المعجمة: عَصْرُهُ، وزحمتُه. حاشية السندي على سنن النسائي (4/ 100).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
المراد بضغط القبر: التقاء جانبيه على جسد الميت. حاشية السيوطي على سنن النسائي (4/ 101).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
التنكير في «ضمة» يحتمل: التفخيم والتقليل، والأول أظهر، بدليل تسبيح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتكبيره، واقتداء المؤمنين به، فعلى هذا: «ثم» في قوله: «ثم فرِّج عنه» لتراخى مُدَّة الضم. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 600).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ضُم» بالضم أي: عُصِرَ سعد في قبره، «ضمةً»، أي: واحدة، والتنوين يحتمل: التفخيم والتقليل، والأول أظهر؛ لتطويل تسبيح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، «ثم فُرِّج عنه» أي: فَرِّج الله عنه ببركة نبيه -عليه الصلاة والسلام-. مرقاة المفاتيح (1/ 218).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قال أبو القاسم السعدي: لا ينجو من ضغطة القبر صالح ولا طالح، غير أن الفرق بين المسلم والكافر فيها: دوام الضغط للكافر، وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نزوله إلى قبره، ثم يعود إلى الانفساح له. حاشية السيوطي على سنن النسائي (4/ 101).
وقال السيوطي -رحمه الله- أيضًا:
وقال الحكيم الترمذي: سبب هذا الضغط أنه ما من أحد إلا وقد ألمَّ بذنب ما، فتدركه هذه الضغطة جزاء له، ثم تدركه الرحمة، وكذلك ضغطة سعد بن معاذ في التقصير من البول.
قلتُ (أي: السيوطي): يشير إلى ما أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق، حدثني أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد «ما بلغكم من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا، فقالوا: ذُكِرَ لنا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عن ذلك، فقال: كان يُقَصِّر في بعض الطهور من البول».
وقال ابن سعد في طبقاته: أخبر شبابة بن سوار، أخبرني أبو معشر، عن سعيد المقبري، قال: لما دَفَن رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- سعدًا قال: لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضُمَّ ضمة اختلفت منها أضلاعه من أثر البول» وأخرج البيهقي عن الحسن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال حين دفن سعد بن معاذ: «إنه ضُمَّ في القبر ضمَّة حتى صار مثل الشعرة، فدعوت الله أن يرفعه عنه، وذلك بأنه كان لا يَسْتَبْرِئ». حاشية السيوطي على سنن النسائي (4/ 101-102).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا السيوطي:
هذه الأحاديث كلها مراسيل، إلا أنه ربما يكون لمجموعها قوة، فتصلح لبيان سبب ضغطة سعد -رضي الله عنه-، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى (20/ 98).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
المعروف أن الأنبياء لا يضغطون. شرح الصدور (ص: 114).
وقال السيوطي -رحمه الله- أيضًا:
قال الحكيم (الترمذي): وأما الأنبياء فلا يُعلم أن لهم في القبور ضَمَّة ولا سؤالًا لعصمتهم.
وقال النسفي في بحر الكلام: المؤمن المطيع لا يكون له عذاب القبر، ويكون له ضغطة القبر، فيجد هول ذلك وخوفه لما أنه تنعم بنعمة الله ولم يشكر النعمة.
وروى ابن أبي الدنيا عن محمد التيمي قال: كان يقال: إن ضمة القبر إنما أصلها أنها أُمُّهم، ومنها خُلقوا فغابوا عنها الغيبة الطويلة، فلما رُدَّ إليها أولادها ضمَّتهم ضمَّة الوالدة غاب عنها ولدها، ثم قدم عليها، فمن كان لله مطيعًا ضمته برأفة ورفق، ومن كان عاصيًا ضمته بعنف سخطًا منها عليه لربها. حاشية السيوطي على سنن النسائي (4/103).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي هذه منقبة عظيمة لسعد. فتح الباري (7/ 124).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وفي الحديث: إثبات ضمة القبر وضغطته.
وفيه: بيان عظم مرتبة سعد بن معاذ -رضي الله عنه- عند الله تعالى، حيث إنه تحرك العرش لموته، وأن السماء فتحت لقدومه، وأنه شَيَّعَه سبعون ألفًا، من الملائكة. ذخيرة العقبى (20/ 98).

وللمزيد من الفائدة ينظر:
اهتزاز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ رضي الله عنه.


إبلاغ عن خطأ