«صلَّى بِنَا النبيّ -صلَّى الله عليه وسلم- العِشاءَ في آخر حَياتهِ، فلمَّا سلَّم قام، فقال: أرَأَيتَكُم لَيلَتكُم هذه، فإنَّ رأسَ مائةِ سَنةٍ منها، لا يَبقى ممَّن هو على ظَهرِ الأرضِ أحَدٌ».
رواه البخاري برقم: (116)، ومسلم برقم: (2537)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (601)، ومسلم برقم: (2537)، قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: «فوَهِل الناس في مقالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك...، وإنما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أَحدٌ - يريد بذلك: أن ينْخرِم ذلك القَرن».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«وَهِلَ»:
قال النووي-رحمه الله-:
بفتح الهاء أي: غلطوا، يقال: وَهِلَ بفتح الهاء، يَهِلُ بكسرها، وَهْلًا كـ: ضرب يضرب ضربا، أي: غلط وذهب وهنه إلى خلاف الصواب، وأما وَهِلْتُ بكسرها، أَهَلُ بفتحها وَهْلًا كـ: حذرت أحذر حذرًا؛ فمعناه: فزعت، والوهَلُ بالفتح: الفزع. شرح مسلم (16/ 90).
«ينخرم»:
أصل الخرم: الثَّقْب والشَّق، والأخرم: الْمثقوب الأذن، والذي قطعت وَتَرَة أَنْفِهِ أو طرفه شيئًا لَا يبلغ الْجَدْعَ، ...، وفيه: «يُرِيدُ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ القرْنُ» القرنُ: أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ، وانْخِرَامُهُ: ذهابُه وانقِضاؤُه. النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 27).
شرح الحديث
قوله: «صلَّى بنا النبيّ -صلَّى الله عليه وسلم- العِشاءَ في آخرِ حَياتِه، فلمَّا سلَّم قامَ..»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «صلَّى بنا» وفي بعضها: «صلَّى لنا» فإن قلتَ: الصلاةُ لله لا لهم، قلتُ: معناه: صلَّى إمامًا لنا. الكواكب الدراري (2/ 131).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «العشاء» أي: صلاة العشاء، وهي الصلاة التي وقتها بعد غروب الشَّفق، وهو بكسرِ العين وبالمد، والعَشاء بالفتح وبالمد: الطَّعام، قوله: «في آخر حياته» وجاء في رواية جابر أن ذلك كان قبل موته -صلَّى الله تعالى عليه وسلم- بشهر، قوله: «قام» جواب: لَمَّا. عمدة القاري (2/ 176).
قوله: «أرَأيتَكُم لَيلَتَكُم هذِه»:
قال الدماميني -رحمه الله-:
«أرَأيتَكُم لَيلَتَكُم هذِه» التاء في أرأيتَكم فاعل، والكاف حرف خطاب، هذا هو الصحيح، وهو قول سيبويه، ومعناه: أخبروني، ولا يُستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة، ولا بدَّ من استفهام ظاهر أو مقدر يبين الحالة الْمُستخبر عنها ... فإن قلت: كيف تقدره في الحديث؟ قلتُ: أقدره هكذا: "أرأيتكم ليلتكم هذه، هل تدرُون ما يحدثُ بعدها من الأمور العَجيبة؟" فإن قلتَ: إذا كان أرأيتَكم بمعنى: أخبروني، فعلى ماذا ينصب «ليلَتكم»؟ قلتُ: على أنه مفعول ثان لأخبروني، وثمَّ مضاف محذوف؛ أي: شَأن ليلتكم، أو خَبر ليلتكم، ولا يخفى عنك التقدير في نظائره. مصابيح الجامع (1/ 251-252).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أرأيتَكم» بهمزة الاستفهام وفتح الراء، وبالخطاب للجمع، والكاف ضمير ثان ولا محل لها من الإعراب، والرؤية بمعنى: الإبصار، و «ليلَتكم» بالنصب مفعوله، وليست الرؤية ههنا بمعنى: العلم؛ لأنها إذا كانت بمعنى العلم تقتضي مفعولين، وليس ها هنا إلا مفعول واحد وهو الليلة ... و "كم" لا تصلح أن تكون مفعولًا آخر حتى تكون بمعنى العلم؛ لأنه حرف لا محل لها من الإعراب. عمدة القاري (2/ 176).
وقال العيني -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «أرأيتَكم» معناه: أعلموني، والكاف للخطاب لا محل لها من الإعراب، والميم يدل على الجماعة، «وهذه» موضعه نصب، والجواب محذوف، والتقدير: أرأيتكم ليلتكم هذه، فاحفظُوها واحفظُوا تاريخَها. عمدة القاري (5/ 97).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«أرأيتكم» أي: أخبروني وهو من إطلاق السَّبب على المسبّب؛ لأن مشاهدة هذه الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقررة، أي: قد رأيتم ذلك فأخبروني، «ليلتكم» أي: شأن ليلتكم أو خبر ليلتكم «هذه» هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة. إرشاد الساري (1/ 208-209).
قوله: «فإن رأسَ مائةِ سَنةٍ منها»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فإن رأسَ مائةِ سَنةٍ منها» وفي رواية مسلم: عن جابر أنه سمع النبيّ -صلَّى الله عليه وسلم- قبل وفاته بشهر يقول: «ما من نفسٍ منفوسةٍ اليوم تأتي عليها مائةُ سنةٍ وهي حيَّة يومئذٍ» وفي رواية له قال ذلك لَمَّا رجع من تبوك، والأحاديث يُفسِّر بعضها بعضًا. شرح سنن أبي داود (17/ 215-216).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فإن رأس» وفي رواية الأصيلي: «فإن على رأس مائة» فإن قلت: ما اسم «إن»؟ قلت: فيه ضمير الشأن، وقوله: «لا يبقى» خبرها، قوله: «منها» أي: مِن تلك الليلة، وقد استدل بعض اللغويين بقوله: «منها»، أن: "مِن" تكون لابتداء الغاية في الزمان: كـ: "منذُ"، وهو قول الكوفيين، وقال البصريون: لا تدخل "مِن" إلا على المكان، و"منذ" في الزمان نظيرة "مِن" في المكان. عمدة القاري (2/ 176).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
يتعيَّن أن يكون قوله فيه: «فإن رأسَ مائةِ سنة» أي: مبدأ مائة سنة من تلك الليلة؛ بقرينة السياق؛ ولذلك قدَّر شُرَّاحُ الحديث قوله: «فإن رأسَ مائة سَنة» أي: من تلك الليلة، أي: بعد مُضِيِّها. جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور (1/ 138).
قوله: «لا يبقَى ممَّن هو على ظَهرِ الأرضِ أحدٌ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
قوله: «لا يبقَى ممَّن هو على ظَهرِ الأرضِ أحدٌ» وفي هذا الحديث عَلَم من أعلام النبوة بإخباره عن المغيّبات التي لم تحدث، والمراد: أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مائة سنة، سواءٌ قلَّ عمرها قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عَيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة. شرح سنن أبي داود (17/ 216).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«لا يبقَى ممَّن على ظهرِ الأرضِ أحدٌ» ... وإنما أراد -والله أعلم- أنه هذه المدة تخترم الجيل الذي هم فيه، فوعظهم بقِصَر أعمارهم، وأعلمهم أنها ليست تطول أعمارهم كأعمار مَن تقدَّم من الأمم؛ ليجتهدوا في العبادة. شرح صحيح البخاري (1/ 192).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
قوله: «لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» أي: ممن ترونه، أو تعرفونه، أو "أل" في «الأرض» للعهد، أي: أرضي التي نشأت بها وبعثت منها. منحة الباري (2/ 310).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وأمَّا ما قاله -صلَّى الله عليه وسلم- من أنه: «لا يبقى على رأسِ مائةِ سنةٍ من تلك الليلة أحدٌ» فمراده بذلك: انخرام قرنه، وموت أهله كلهم الموجودين منهم في تلك الليلة على الأرض، وبذلك فسَّره أكابر الصحابة، كـ: علي بن أبي طالب وابن عمر وغيرهما، ومَن ظن أنه أراد بذلك قيام الساعة الكبرى فقد وهِم، وإنما أراد قيام ساعة الأحياء حينئذٍ، وموتهم كلهم، وهذه الساعة الوسطى، والساعة الصغرى موت كل إنسان في نفسه، فمَن مات فقد قامت ساعته الصغرى، كذا قاله المغيرة بن شعبة وغيره. فتح الباري (4/ 369).
وقال النووي -رحمه الله-:
والمراد: أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيشُ بعدها أكثر من مائةِ سنة، سواء قلَّ أمرها قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفيُ عَيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة ... وقد احتج بهذه الأحاديث مَن شذَّ من المحدثين فقال: الخضر -عليه السلام- ميت، والجمهور على حياته ... ويتأولون هذه الأحاديث على أنه كان على البحر لا على الأرض، أو أنها عامٌّ مخصوص. شرح مسلم (16/ 90).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا على كلام النووي:
قوله: "من شذَّ من المحدثين…" ليس كما قال، بل هو قول المحققين من المحدثين وغيرهم، فالحق أن الخَضِر -عليه السلام- مات قبل النبيّ -صلَّى الله عليه وسلم-. البحر المحيط الثجاج (40/ 130-131).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
بعضهم كان يقول: إن الساعة تقوم عند تقضِّي مائة سنة، كما روى ذلك الطبراني وغيره من حديث أبي مسعود البدري، وردَّ ذلك عليه علي بن أبي طالب، وقد بيَّن ابن عمر في هذا الحديث مراد النبيّ -صلَّى الله عليه وسلم-، وأن مراده: أن عند انقضاء مائة سَنة من مقالته تلك، ينخرِم ذلك القرنُ، فلا يبقى أحدٌ ممَّن كان موجودًا حال تلك المقالة، وكذلك وقع بالاستقراء، فكان آخر من ضُبط أمره ممَّن كان موجودًا حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة، وقد أجمع أهل الحديث على أنه كان آخر الصحابة موتًا، وغاية ما قيل فيه: إنه بقي إلى سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقالة النبيّ -صلَّى الله عليه وسلم- والله أعلم ... وأما مَن قال: المراد: أمة محمد سواء أمة الإجابة وأمة الدعوة، وخرج عيسى والخضر؛ لأنهما ليسا من أمته فهو قول ضعيفٌ؛ لأن عيسى يحكم بشريعته فيكونُ من أمته، والقول في الخَضِر إن كان حيًّا كالقول في عيسى -والله أعلم-. فتح الباري (2/ 75).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وحاصل ما تضمنهُ هذا الحديث: أنه -صلَّى الله عليه وسلم- أخبر قبل موته بشهر: أن كل مَن كان من بني آدم موجودًا في ذلك الوقت لا يزيد عمره على مائة سنة ... «ممَّن هو على ظَهرِ الأرضِ أحدٌ» وهذا إنما يقال بأصل وَضعه على مَن يعقل، فتعيَّن: أن المراد: بنو آدم، وقد استدل بعض الحفاظ المتأخرين على بطلان قول مَن يقول: "إن الخضر حي" بعموم «ما من نفس منفوسَة» فإنَّه من أَنَصِّ صيغ العموم على الاستغراق، وهذا لا حجَّة فيه يقينية؛ لأنَّ العموم -وإن كان مؤكدًا للاستغراق- فليس نصًّا فيه، بل: هو قابل للتَّخصيص، لا سيِّما والخضر وإن كان حيًّا -كما يقال- فليس مُشاهدًا للناس، ولا ممَّن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا، فمثل هذا العموم لا يتناوله، كما لم يتناول عيسى -عليه السلام-؛ فلأنه لم يمت، ولم يُقتل، فهو حيٌّ بنص القرآن ومعناه، وكما لم يتناول الدجال مع أنه حيٌّ بدليل حديث الجسَّاسة ...
فإن قيل: إنما لم يتناول هذا العموم عيسى لأنَّ الله قد رفعه إليه، فليس هو على ظهر الأرض؛ لأنَّ المراد بذلك العموم: مَن كان من النفوس على ظهر الأرض، كما نصَّ عليه في حديث ابن عمر، فالجواب: يمنعُ عموم الأرض المذكورة فيه، فإنه اسم مفرد دخل عليه الألف واللام، وهي مُحتملة للعهد والجِنس، وهي ها هنا للعَهد؛ لأنَّ الأرض التي يُخاطبون بها، ويخبرون عن الكون فيها: هي أرض العرَب، وما جرت عادتهم بالتصرف إليها وفيها غالبًا، دُون أرض يأجوج ومأجوج، وأقاصي جزائر الهند والسِّند، مما لا يقرعُ السمع اسمه، ولا يعلم علمه، ولا جوابَ عن حديث الدجال، وعلى الجملة: فمَن يستدل في المباحث القطعية بمثل هذا العموم فليس لكلامه حاصل ولا مفهوم. المفهم (6/ 489-490).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
والصواب الذي عليه المحققون: أنه (الخضر) ميت، وأنه لم يدرك الإسلام، ولو كان موجودًا في زمن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لوجب عليه أن يؤمن به، ويجاهد معه، كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره. مجموع الفتاوى (27/100-102).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: دليل لمن ذهب من أهل العلم إلى أن الخضر -عليه السلام- ميِّت، وأنه غير باق، وذهب آخرون منهم إلى أنه حي، وأنه من الْمُعمِّرين ... ، وقد ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- القولين.
والصواب: أن الخضر ميت؛ لأمرين:
الأمر الأول: أنه لو كان حيًّا لجاء إلى النبيّ -صلَّى الله عليه وسلم- وآمن به، ولا يمكن أن يبقى عبد صالح، أو نبي ولا يأتي إلى النبيّ -صلَّى الله عليه وسلم-، ويؤمن به ويتبعه، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيْثَاقَ الْنَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُوْلٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىْ ذَلِكُمْ إِصْرِيْ قَالُوْا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوْا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِيْنَ} آل عمران: 81.
الأمر الثاني: أنه لو سُلِّمَ أنه كان باقيًا فإنه يشمله هذا الحديث، فيموت بعد مائة سنة ولا يبقى بعدها، ولا يعتبر هذا شذوذًا، كما قال النووي -رحمه الله-. توفيق الرب المنعم (7/ 256).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الدَّجال غير موجود؛ لأن الرسول -صلَّى الله عليه وسلم- خطب الناس في آخر حياته، وقال: «إنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد» وهذا خبر، وخبر النبيّ -صلَّى الله عليه وسلم- لا يدخله الكذب، وهو مُتلقَّى من الوحي؛ لأن النبيّ -صلَّى الله عليه وسلم- لا يعلم مثل هذا الغيب فهو غير موجود، ولكن الله يبعثه متى شاء. مجموع الفتاوى (2/ 19-20).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
وهذا إعلام من رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- بأن أعمار أمته ليست تطول كأعمار من تقدم من الأمم السالفة؛ ليجتهدوا في العمل. الكواكب الدراري (4/ 236).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
هذا علمُ غَيب أطلعه الله -عز وجل- عليه، وكان كما قال -صلَّى الله عليه وسلم- فإنه قد كان خلق يعمَّرون في ذلك الزمان، كسلمان فإنه عاش مائتين وخمسين سنة، إلا أنه لم يبقَ أحدٌ بعد مائة سنة من ذلك اليوم تصديقًا لرسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-، وفي هذا ردٌّ لقول مَن يزعم بقاء الخضر؛ لأنه من بني آدم، وهو على ظهرِ الأرض. كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 473).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فمَن كان في ذلك الوقت له سَنة ونحوها، لم يعش أكثر من مائة سنة قطعًا، وإذا كانت الأعمار في ذلك العصر لا تتجاوز هذا الحدَّ، فما بعده من الأعصار أولى بذلك في العادة الغالبةِ العامَّة؛ فإن أعمار بني آدم في الغالب كلما تأخَّر الزمان قصُرت ولم تَطُل. منهاج السنة (4/ 92).
قوله: «فوهل الناس...، يريد بذلك أن ينخرم ذلك القَرن»:
قال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
أي: غلط الصحابة في تفسير كلامه -صلى الله عليه وسلم- هذا وأخطؤوا في فهم معناه، وفهموا منه فناء العالم وقيام الساعة، وانقراض البشرية، وأصاب ابن عمر ووفق لفَهم المعنى المراد، وعرف أنه إنما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض». مناري القاري(2/١٠١).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
المعنى: أن الصحابة أخذوا يفسرون هذا الحديث تفسيرات خاطئة في مجالسهم إذا تناولوا هذه الأحاديث، فمنهم من يظن أنهم سيعيشون مائة سنة، فظن بعضهم أن أعمار من سيولد قد تصل مائة سنة، ولا تزيد عن مائة سنة، وإنما المراد: أن كل نفس منفوسة من الآدميين كانت تلك الليلة حية على الأرض، لا تعيش بعد تلك الليلة فوق مائة سنة، سواء كان عمرها في تلك الليلة قليلًا أو كثيرًا، وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة.
وقول الراوي: "يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن" معناه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد بهذا انقضاء الأحياء الموجودين المعاصرين أهل هذا القرن، وذهابهم قبل مائة عام من هذه المقالة، يقال: انخرم العام، أي: ذهب وانقضى، وانخرم القوم، أي: فنوا وذهبوا. فتح المنعم (9/٥٨٨).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فيه من الفقه: أن الله تعالى أطلع رسوله -صلَّى الله عليه وسلم- على ذلك الغيب، وفيه تذكير بقصر الأعمار وقلة البقاء في الدنيا، وأن بيع مدة الآخرة التي لا يبلغ قدرها حدُّ حادٍّ، ولا عدُّ عادٍّ بحيث لو خلق الله -تعالى- دارًا مثل الدنيا ألف مرة ملأها خردلًا، ثم خلق طائرًا وقال له: إن رزقك عندي هو هذا الخردل، فمتى نفد فهو آخر عمرك، وكان من حرص ذلك الطائر على البقاء أنه يأكل كُلَّ يوم خردلة، فنفد ذلك الخردل كله، وبقاء الإنسان في دار الخلد لا يفنى، فبيع ذلك بهذه المدة اليسيرة غبن فاحش، ولا سيما لكل من يقول: إني مؤمن بها، مصدق بالمعاد إليها، ثم يظهر عليه من تساهله في بيع الكثير منها بالقليل من غيرها ما يدل على كذبه في دعواه، لولا أن الغفلة تذهب بالإنسان كل مذهب، ويضطره إلى تعاهد التذكرة كل الاضطرار. الإفصاح عن معاني الصحاح (4/ 13-14).
وقال ابن رجب –رحمه الله-:
ومقصود البخاري ...: الاستدلال على جواز الموعظة وذكر العلم بعد العشاء، وأنه ليس من السَّمر المنهي عنه.
وقد كان ابن شبرمة وغيره من فقهاء الكوفة يسمرون في الفقه إلى أذان الفجر، ونص الإمام أحمد على أنه لا يكره السَّمرُ في العلم...
وفيه: دليل على جواز السَّمر في مصالح المسلمين، وما يعود بنفعهم.
وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أنه كان يسمرُ مع علي بن أبي طالب حتى يذهب ليلٌ طويل، وكان ابن عباس يَسمرُ عند معاوية. فتح الباري (5/ 161-164).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه: أن السَّمر بالعلم والخير مباحٌ، ألا ترى أنه -صلَّى الله عليه وسلم- أخبرهم بعد العِشاء أنه لا يبقى ممَّن على ظهر الأرض أحدٌ إلى رأس مائةِ سَنة. شرح صحيح البخاري (1/ 192).
وقال الشيخ حمزة قاسم -رحمه الله-:
ويستفاد منه:
مشروعية قيام الواعظ بعد الصلاة مُباشرة. منار القاري (1/ 212).
وينظر فتوى علماء اللجنة الدائمة في حكم بقاء الخضر -عليه السلام- على قيد الحياة (هنا) .