السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما، عنِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فيما يروي عن ربِّهِ عزَّ وجلّ قال: قال: «إنَّ اللهَ كتبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، ثم بيَّنَ ذلك، فمَن همَّ بِـحَسَنَةٍ فلم يَعملها كتبَها اللهُ له عندَه حَسَنَةً كامِلَةً، فإن هو همَّ بها فعملَها كتبها اللهُ له عنده عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إلى أَضْعافٍ كَثِيرَةٍ، ومن همَّ بِـسَيِّئَةٍ فلم يَعملها كتبَها اللهُ له عنده حَسَنَةً كامِلَةً، فإن هو همَّ بها فعملَها كتبَها اللهُ له سَيِّئَةً واحِدَةً».


رواه البخاري برقم: (6491) ومسلم برقم: (131) وزاد: «ومَحَاها اللهُ ولا يَهْلِكُ على اللهِ إِلَّا هالِكٌ»، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ عند أحمد برقم: (2519)، والنسائي في الكبرى برقم: (11801)، والمستخرج على مسلم برقم: (338) والدارمي برقم: (2828) «فإن عمِلها كتبت له واحدة، أو يمحوها الله»،
في تحقيق المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم.  


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«هَمَّ»:
همَّ بالشيء يهم همًا: نواه وأرادهُ وعزَم عليه. لسان العرب(12/260)
وقال ابن حجر-رحمه الله-:
الْهَمُّ: ترجيح قصد الفعل، تقول: هَمَمْتُ بكذا، أي: قصدته بهمتي، وهو فوق مُجَرَّدِ خُطور الشيء بالقلب. فتح الباري(11/ 323).


شرح الحديث


قوله: «فيما يَروِي عن ربِّه عزَّ وجلَّ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فيما يروي عن ربه» هذا من الأحاديث الإلهية، ثم هو محتمل أن يكون مما تلقَّاه -صلى الله عليه وسلم- عن ربه بلا واسطة، ويحتمل أن يكون مما تلقَّاهُ بواسطة الملَك، وهو الراجح. فتح الباري (11/ 323).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«فيما يروي عن ربِّه» هذا حديث قدسي من كلامه تعالى، وقيل: ليس بقدسي. ومعنى قوله: «يروي» أي: يحكي فضله، والأول هو الصواب، صرَّح به في الرواية في مسلم: «إذا همَّ بسيِّئة ولم يعملها، فإني أكتبها له حسنة؛ لأنه تركها مِن جَرَّاي». الكوثر الجاري (10/ 166).

قوله: «إِنَّ اللَّهَ كتب الحَسنات والسَّيئات»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «إن الله كَتب الحسنات والسَّيئات» يعني: إن الله كتب في اللوح المحفوظ. المفاتيح (3/ 201).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «كتب الحسنات» أي: قَدَّرَها وجعلها حَسنة أو سيئة. الكواكب الدراري (23/ 13).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «كَتَبَ» أي: كتب وقوعها، وكتب ثوابها، فهي واقعة بقضاء الله وقدره المكتوب في اللوح المحفوظ، وهي أيضًا مكتوب ثوابها كما سيبين في الحديث. شرح الأربعين (ص: 368).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «كتب الحسنات والسيئات» أي: قدر مبالغ تضعيفها، فعرفت الكَتَبَةُ من الملائكة ذلك التقدير، فلا يحتاجون أن يستفسروا في كل وقت كيف يكتبون ذلك، بل قد شرع سبحانه ما تعمل الملائكة بحسبه. الإفصاح (3/ 78).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
قوله: «إن الله كتب الحسنات والسيئات» أي: أمر الحفظة بكتابتها، أو كتبها في علمه على وفق الواقع منها. التعيين في شرح الأربعين (1/ 315).
وقال بن حجر –رحمه الله-:
قال الطوفي: أي أَمَرَ الحَفَظةَ أن يكتبوا، أو المراد قَدَرَ ذلك في علمه على وَفْق الواقع منها. وقال غيره: المراد قَدَرَ ذلك، وعَرَف الكَتَبَةُ من الملائكة ذلك التقدير، فلا يحتاجون إلى الاستفسار في كل وقت عن كيفية الكتابة؛ لكونه أمرًا مفروغًا منه. انتهى.
وقد يُعَكِّر على ذلك ما أخرجه مسلم من طريق همام عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: قال: قالت الملائكة: ربِّ ذاك عبدُك يريد أن يعمل سيئة، وهو أبصر به. فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها. فهذا ظاهرُه وقوع المراجعة، لكن ذلك مخصوصٌ بإرادة عمل السيئة.
ويُحتمل أن يكون ذلك وقع في ابتداء الأمر، فلمَّا حصل الجواب استقرَّ ذلك، فلا يحتاج إلى المراجعة بعده.
وقد وجدتُ عن الشافعي ما يوافق ظاهر الخبر: أن المؤاخذة إنما تقع لمن هَمَّ بالشيء فشرع فيه، لا مَن هَمَّ به ولم يتصل به العمل. فتح الباري(11/ 324).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «إنَّ الله -عز وجل- كتب الحسنات والسيئات» يُحتمل أن يكون هذا من قول الله تعالى؛ فيكون التقدير، قال الله: إن الله كتب، ويُحتمل أن يكون من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- يحكيه عن فِعْل الله تعالى، وفاعل «ثم بين ذلك» هو الله تعالى. فتح الباري (11/ 324).

قوله: «ثُمَّ بَيَّنَ ذلكَ»:
قال الطوفي -رحمه الله-:
قوله: «ثم بَيَّن ذلك» أي: فَصَّله، يعني: النبي -صلى الله عليه وسلم- فَصَّل بقوله: «فمن هَمَّ بحسنة ....» إلى آخره، ما أجمله بقوله: «إن الله كتب الحسنات والسيئات». التعيين في شرح الأربعين (1/ 315).

قوله: «فمَن همَّ بحسنة فلمْ يعمَلها»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«فَمَنْ هَمَّ» أي: قصد أن يعمل حسنة «فلم يعملها» لعذرٍ، مِثل أن ينوي إعطاء صدقة، فلم ييسر له ذلك؛ لعدَم المال؛ أو لعدم الفقير؛ أو لعذرٍ آخرَ، كتب الله ذلك الهمَّ والقصدَ حسنة. المفاتيح (3/ 201).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
لأنَّ الهمَّ بالحسنة سبب إلى عملها، وسبب الخير خير، فالهَمُّ بالحسنة خير. التعيين في شرح الأربعين (1/ 315).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
واسْتُشْكِل بأنه إذا كان كذلك، فكيف لا تضاعف؛ لعموم قوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} الأنعام: 160، وأُجِيب: بحمل الآية على عمل الجوارح، والحديث على الهَمِّ المجرد، واستشكل أيضًا: بأن عمل القلب إذا اعْتُبِر في حصول الحسنة، فكيف لمْ يُعْتَبر في حصول السيئة، وأجيب: بأن ترك عمل السيئة التي وقع الهم بها يكفرها؛ لأنه قد نسخ قصده السيئة وخالف هواه. [فتح الباري (11/ 325).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فلم يعملها» يتناول نفي عمل الجوارح، وأما عمل القلب فيُحتمل نَفْيُه أيضًا إن كانت الحسنة تُكتب بمجرد الهَمَّ، كما في معظم الأحاديث، لا إنْ قُيِّدَت بالتصميم، كما في حديث خريم (وفيه: «عَلِم الله أنَّه أَشْعَرها قلبه، وَحرَص عليها») ويؤيد الأول حديث أبي ذر عند مسلم: «أنَّ الكَفَّ عن الشر صدقة». فتح الباري (11/ 324).
وقال العراقي -رحمه الله-:
«ولمْ يَعْمَلها» الظاهر أن المراد إذا منعه من ذلك عذر، ولا تكتب له الحسنة بمجرد الهم مع الانكفاف عن الفعل بلا عذر، ويُحتمل حَمْله على إطلاقه، وأن مجرد الهَمِّ بالخير قربة، وإن لم يمنع منه مانع. طرح التثريب (8/ 229).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الأحاديث التي بها التفريق بين الْهامِّ والعامل وأمثالها، إنَّما هي فيما دون الإرادة الجازمة التي لا بد أن يقترن بها الفعل، كما في الصحيحين عن أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى، أنَّه قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك...» الحديث... فهذا التقسيم هو في رجل يُمْكنه الفعل؛ لهذا قال: «فعملها... فلم يعملها»، ومن أمكنه الفعل فلم يفعل، لم تكن إرادته جازمة، فإن الإرادة الجازمة مع القدرة مستلزمة للفعل، كما تقدم أنَّ ذلك كافٍ في وجود الفعل وموجب له؛ اذ لو توقف على شيء آخر لم تكن الإرادة الجازمة مع القُدرة تامة كافية في وجود الفعل، ومن المعلوم والمحسوس أن الأمر بخلاف ذلك، ولا ريب أن الهم والعزم والإرادة ونحو ذلك قد يكون جازمًا لا يتخلف عنه الفعل إلا للعجز، وقد لا يكون هذا على هذا الوجه من الجزم، فهذا القسم الثاني يُفَرَّق فيه بين المريد والفاعل، بل يُفرَّق بين إرادة وإرادة؛ اذ الإرادة هي عمل القلب الذي هو ملك الجسد. الزهد والورع والعبادة (ص: 165).

قوله: «كتَبَها الله له عنده حَسنةً كامِلةً»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «كتبها الله له» أي: للذي هَمَّ بالحسنة «عنده» أي: عند الله...، والعندية إشارة إلى الشَّرف. فتح الباري (11/325).
وقال ابن دقيق العيد –رحمه الله-:
«عنده» إشارة إلى الاعتناء بها.شرح الأربعين النووية(ص: 122)
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
وإنما قال: عنده؛ لعدم اطلاع الملائكة الكَتَبَة على ما في النِّيات والسرائر. شرح المصابيح(3/ 161).
قوله: «كاملة»:
قال ابن دقيق العيد –رحمه الله-:
«كاملة» للتأكيد وشدة الاعتناء بها. شرح الأربعين النووية (ص: 122)
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«فَمَن هَمَّ بحسنة...» اُحْتُسِبَت له بتلك الهَمَّة حسنة كاملة؛ لأجل أنها هَمَّة مفردة؛ لئلا يظن ظان أن ذلك يُنقص الحسنة أو يهضمها؛ لكونها مجرد هَمَّة لم تظهر إلى الفعل، فبين ذلك بأن قال: «حسنة كاملة». الإفصاح (3/ 78).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«حسنة كاملة »... الكمال إشارة إلى رفع تَوَهُّم نقصها؛ لكونها نشأت عن الهم المجرد، فكأنه قيل: بل هي كاملة لا نقص فيها...، واستدل بقوله: «حسنة كاملة» على أنها تكتب حسنة مضاعفة؛ لأن ذلك هو الكمال، لكنه مُشْكل يلزم منه مساواة مِن نَوَى الخير بمِن فَعَلَه في أن كلًا منهما يُكتب له حسنة، وأُجِيب: بأن التضعيف في الآية يقتضي اختصاصه بالعامل؛ لقوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} الأنعام: 160، والمَجِيء بها هو العمل، وأما النَّاوي فإنما وَرَدَ أنه يُكتب له حسنة، ومعناه: يُكتب له مثل ثواب الحسنة، والتضعيف قدرٌ زائدٌ على أصل الحسنة، والعلم عند الله تعالى. فتح الباري (11/ 325).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
إنَّ ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك، سواء كان ذلك لمانع أم لا، ويَتَّجِه أن يقال: يتفاوت عِظَم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيًا مع بقاء قَصْد الذي هَمَّ بفعل الحسنة، فهي عظيمة القدر، ولا سيما إنْ قارنها ندم على تفويتها، واستمرت النية على فعلها عند القدرة، وإن كان الترك مِن الذي هَمَّ مِن قِبَل نفسه، فهي دون ذلك، إلا إنْ قارنها قَصْد الإعراض عنها جملة، والرغبة عن فعلها، ولا سيما إن وقع العمل في عكسها، كَأنْ يريد أن يتصدق بدرهم مثلًا، فَصَرَفَهُ بعينه في معصية، فالذي يظهر في الأخير أن لا تُكتب له حسنة أصلًا، وأما ما قبله فعلى الاحتمال. فتح الباري (11/ 325).

قوله: «‌فإن ‌هو ‌همَّ ‌بها ‌فعَمِلَها ‌كتَبها ‌الله ‌له ‌عِندهُ ‌عشر ‌حَسنات»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فإنْ هَمَّ بها وعملها، فقد أخرجها من الهمة إلى ديوان العمل، فكُتبت له بالهَمَّة حسنة، ثم ضوعفت تلك الحسنة فصارت عشرة. الإفصاح عن معاني الصحاح (3/ 78).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
وإنْ هَمَّ بها وعملها، كُتبت عشر حسنات بالتضعيف، تفضلًا، قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} سورة الأنعام: 160، ثم تضاعف بحسب النية والإخلاص ونحوهما من الأعمال الصالحة...؛ لقوله -عزَّ وجلَّ-: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} البقرة: 261 يعني: بعد سبعمائة ضعف، بدليل الحديث. التعيين في شرح الأربعين (1/ 315، 316).
وقال المظهري -رحمه الله-:
فإنه إذا عَمِلَ الحسنةَ كُتبَ له بكلِّ حسنة عشرَ حَسَنات، إلى سبع مئة ضعف، ويزيد، وإنما كان كذلك؛ لأنَّ رحمتَه أكثرُ من غضبه. المفاتيح (3/ 201).
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإن هَمَّ بها وعملها، كتبها الله له عنده عشر حسنات» يؤخذ منه: رفع توهم أن حسنة الإرادة تضاف إلى عشرة التضعيف؛ فتكون الجملة إحدى عشرة، على ما هو ظاهر رواية جعفر بن سليمان عند مسلم ولفظه: «فإن عملها كتبت له عشر أمثالها» وكذا في حديث أبي هريرة...، وهو المعتمد. فتح الباري (11/ 325).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والتحقيق: أن حسنة مَن هَمَّ بها تندرج في العمل في عشرة العمل، لكن تكون حسنة مَن هَمَّ بها أعظم قدرًا مِمَّن لم يَهِم بها، والعلم عند الله تعالى. فتح الباري (11/ 325 ، 326).

قوله: «إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ثم قوله: «إلى سبعمائة ضعف» فإنما يعني على مقدار ما يكون فيها من خلوص النية، وإيقاعها في مواضعها التي يزيدها حسنًا، كما قال عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} الشورى: 23، والمعنى في ذلك السبعمائة: هو أن العرب تَنتهي في الكثير من عقود الآحاد إلى سبعة. الإفصاح (3/ 78، 79).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إلى سبعمائة ضِعف» الضِّعف في اللغة: المِثل، والتحقيق: أنه اسم يقع على العدد، بشرط أن يكون معه عدد آخر، فإذا قيل: ضِعف العشرة، فُهِم أنَّ المراد عشرون...، وقد قيل: إن العمل الذي يُضاعَفُ إلى سبعمائة، خاص بالنفقة في سبيل الله، وتمسك قائله بما في حديث خريم بن فاتك: «مَن هَمَّ بحسنة، فلم يعملها...» فذكر الحديث: وفيه: «ومَن عمل حسنة، كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله كانت له بسبعمائة ضِعف»، وَتُعُقِّب بأنه صريح في أن النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة، وليس فيه نفي ذلك عن غيرها صريحًا، ويدل على التعميم حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- الماضي في الصيام: «كل عمل بن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف...» الحديث، واخْتُلف في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} البقرة: 261، هل المراد المضاعفة إلى سبعمائة فقط، أو زيادة على ذلك، فالأول هو المُحَقَّقُ من سياق الآية، والثاني محتمل، ويؤيد الجواز سعة الفضل. فتح الباري (11/ 326).

قوله: «إلى أضعاف كثيرة»:
قال النووي -رحمه الله-:
«إلى أضعاف كثيرة» ففيه: تصريح بالمذهب الصحيح المختار عند العلماء أنَّ التضعيف لا يقف على سبعمائة ضِعف، وحكى أبو الحسن أقضى القضاة الماوردي عن بعض العلماء أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة ضِعف، وهو غلط؛ لهذا الحديث، والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم (2/ 152).
وقال ابن رجب –رحمه الله-:
مضاعفة الحسنات زيادة على العشر تكون بحسب حُسن الإسلام، كما جاء ذلك مصرحًا به في حديث أبي هريرة وغيره، وتكون بحسب كمال الإخلاص، وبحسب فضل ذلك العمل في نفسه، وبحسب الحاجة إليه. جامع العلوم والحكم (2/ 316).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إلى أضعاف كثيرة»...يدل على أن تضعيف حسنة العمل إلى عشرة مجزوم به، وما زاد عليها جائز وقوعه بحسب الزيادة في الإخلاص، وصدق العزم، وحضور القلب، وتعدي النفع، كالصدقة الجارية، والعلم النافع، والسُّنة الحسنة، وشرف العمل ونحو ذلك. فتح الباري (11/ 325).

قوله: «ومَن همَّ بسيئةٍ فلَم يعمَلْها»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «ومَن هَمَّ بسيئة فلم يعملها» هذا إذا لم يعملها تاركًا لها مع القُدرة عليها، لا إذا هَمَّ بها فلم يعملها مع العجز عنها، وعدم القُدرة عليها، ولا يُسمى الإنسان تاركًا للشيء الذي لا يتوهم قُدرته عليه. أعلام الحديث (3/ 2252).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مؤكدًا:
يدخل فيه (أي: في عدم القدرة) من حال بينه وبين حِرْصه على الفعل مانع، كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلًا، فيجد الباب مغلقًا، ويتعسر فتحه، ومثله: من تمكن من الزنا مثلًا، فلم ينتشر، أو طرقه ما يخاف مِن أذاه عاجلًا، ووقع في حديث أبي كبشة الأنماري ما قد يعارض ظاهر حديث الباب (حديث ابن عباس الذي نحن بصدد بيانه) وهو ما أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه بلفظ: «إنما الدنيا لأربعة...» فذكر الحديث وفيه: «وعبد رزقه الله مالًا، ولم يرزقه علمًا، فهو يعمل في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رَحِمَه، ولا يرى لله فيه حقًا، فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا، لعملت فيه بعمل فلان، فهما في الوزر سواء»، فقيل الجمع بين الحديثين بالتنزيل على حالتين، فتُحمل الحالة الأولى على مَن هَمَّ بالمعصية همًّا مجردًا من غير تصميم، والحالة الثانية على مَن صَمَّم على ذلك، وأصر عليه. فتح الباري (11/ 326- 327).
وقال المازري -رحمه الله-:
مذهب القاضي ابن الطيب (الباقلاني) -رحمه الله- أن من عزم على المعصية بقلبه، ووطن عليها، مأثوم في اعتقاده وعزمه، وقد يُحمل ما وقع في هذه الأحاديث وأمثالها على أن ذلك فيمن لم يُوَطِّن نفسه على المعصية، وإنَّما مرَّ ذلك بفكره من غير استقرار، ويسمى مثل هذا (الهَمَّ)، ويفرق بين الهم والعزم فيكون معنى قوله في الحديث: «إنَّ مَن هَمَّ لم يُكتب عليه» على هذا القسم الذي هو خاطر غير مستقر، وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين؛ أخذًا بظاهر الأحاديث، ويُحتج للقاضي بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفِيهِمَا...» الحديث، وقال فيه: «لأنه كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»، فقد جعله مَأثومًا بالحرص على القتل، وهذا قوله قد يَتأَوَّلونه على خلاف هذا التأويل، فيقولون: قد قال: «إذَا التقى المسلمان بِسَيْفّيهِمَا» فالإِثم إنما يتعلق بالفعل والمقابلة، وهو الذي وقع عليه اسم الحرص هاهنا. المعلم (1/ 311، 312).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- متعقبًا:
عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين على ما ذَهَبَ إليه القاضي أبو بكر (الباقلاني)، وقد قال ابن المبارك: سُئل سفيان عن الهَمَّةِ أيؤاخذ بها؟ فقال: إن كانت عزْمًا، أُوخِذَ بها، والأحاديث الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب كثيرة، لكنهم قالوا: إن هذا الهَمَّ يُكتب سيئةٌ، وليست السيئة التي هَمَّ بها ونواها؛ لأنه لم يعملها بعدُ وَقَطَعَهُ عنها قاطِعٌ غير خوف الله تعالى والإنابة، لكن نفس الإصرار والعزم معصية؛ فيُكتب سيئة، فإذا عملها، كتبت معصية تامة، فإن تركها؛ خشية الله، كتبت حسنة، على ما جاء في الحديث الآخر: «إنما تركها مِن جَرّاي» فصارَ تركه لها خوف الله، ومجاهدته نفسه الأمَّارة بالسوء، وعصيانه هواه حسنة، وأما الهمَّ الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا تُوطَّنُ عليها النفس، ولا يصحبها عَقدٌ، ولا نية وعزمٌ. إكمال المعلم (1/ 425، 426).
وقال النووي -رحمه الله- متعقبًا:
هو (أي: كلام القاضي عياض) ظاهِرٌ حَسَنٌ لا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الآية النور: 19، وقوله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} الآية الحجرات: 12، والآيات في هذا كثيرة، وقد تظاهرت نصوص الشرع، وإجماع العلماء على تحريم الحسد واحتقار المسلمين، وإرادة المكروه بِهَمٍّ وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (2/ 151، 152).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
لو أنه حَدَّث نفسه بمعصية لم يؤاخذ، فأمَّا إذا عزم على المعصية، فإنه يخرج عن تحديث النفس، ويصير من أعمال القلب، فإنَّ عَقْد النية على الفعل مِن عَمَلِ القلب؛ فحينئذ يأثم بنية السِّر، وبيان الفرق بين الهَمة والعزم: أنه لو حدث نفسه وهو في الصلاة بقطعها، لم تنقطع، فإذا عزم، حَكْمْنا بقطعها، وكذلك إذا نوى الإفطار، فقد أفطر، وقد سئل سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بالهَمَّة؟ فقال: إذا كانت عزمًا. كشف المشكل (3/ 488).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
وأُجِيب عن القول الأول: بأنَّ المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلة بالمعصية لا تَستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة، إذا لم يعمل المقصود؛ للفرق بين ما هو بالقصد، وما هو بالوسيلة، وقَسَّم بعضهم ما يقع في النفس أقسامًا يظهر منها الجواب عن الثاني: أضعَفُها أن يَخطر له ثم يذهب في الحال، وهذا مِن الوسوسة، وهو معفو عنه، وهو دون التردد، وفوقه أن يتردد فيه فَيَهِمّ به ثم ينفر عنه فيتركه، ثم يهم به ثم يترك كذلك، ولا يستمر على قصده، وهذا هو التردد فَيُعفى عنه أيضًا، وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر عنه، لكن لا يُصمم على فعله، وهذا هو الهَمُّ، فَيُعفى عنه أيضًا، وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر منه، بل يصمم على فعله، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهَمّ، وهو على قسمين: القسم الأول: أن يكون من أعمال القلوب صرفًا، كالشك في الوحدانية، أو النبوة، أو البعث، فهذا كفر، ويعاقب عليه جزمًا، ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر، كمن يحب ما يبغض الله، ويبغض ما يحبه الله، ويحب للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا يأثم، ويلتحق به الكبر والعجب والبغي والمكر والحسد، وفي بعض هذا خلاف، فعن الحسن البصري: أن سوء الظن بالمسلم وحسده معفو عنه، وحملوه على ما يقع في النفس مما لا يقدر على دفعه، لكن مَن يقع له ذلك مأمور بمجاهدته النفس على تركه، والقسم الثاني: أن يكون من أعمال الجوارح، كالزنا والسرقة، فهو الذي وقع فيه النزاع، فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلًا، ونُقل عن نص الشافعي، ويؤيده ما وقع في حديث خريم بن فاتك...: «عَلِم الله أنَّه أَشْعَرها قلبه، وحرص عليها»، وحيث ذكر الهَمَّ بالسيئة لم يقيد بشيء، بل قال فيه: «ومَن هَمَّ بسيئة لم تكتب عليه»، والمقام مقام الفضل، فلا يليق التحجير فيه.
وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمَّم...، ثم افترق هؤلاء، فقالت طائفة: يُعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصة بنحو الهَمِّ والغم، وقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة، لكن بالعتاب لا بالعذاب...، واستثنى جماعة مِمَّن ذَهَبَ إلى عدم مؤاخذة مَن وقع منه الهَمُّ بالمعصية ما يقع في الحرم المكي، ولو لم يصمِّم؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} الحج: 25. فتح الباري (11/ 327، 328).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
اَلْهَامُّ بالسيئة إما أن يتركها لخشية الله وخوفه، أو يتركها لغير ذلك، فإن تركها لخشية الله، كتبها الله له عنده حسنة كاملة، كما قد صرح به في الحديث، وكما قد جاء في الحديث الآخر: «اكتبوها له حسنة؛ فإنما تركها من أجلي» أو قال: «من جَرَّائي»، وأما إن تركها لغير ذلك، لم تكتب عليه سيئة، كما جاء في الحديث الآخر: «فإن لَم يعمَلها لم تكتب عليه»، وبهذا تتفق معاني الأحاديث. الزهد والورع (ص: 167، 168).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ومَن هَمَّ بسيئة فلم يَعمَلها...» ظاهر الإطلاق كتابة الحسنة بمجرد الترك، لكنه قيده في حديث الأعرج عن أبي هريرة -رضي الله عنه-...، ولفظه: «إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة، فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها، فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي، فاكتبوها له حسنة»، وأخرجه مسلم من هذا الوجه لكن لم يقع عنده: «من أجلي»، ووقع عنده من طريق همام عن أبي هريرة: «وإن تركها، فاكتبوها له حسنة؛ إنما تركها مِن جَرِّاي»...بمعنى: مِن أجلي. فتح الباري (11/ 325).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«وإن هَمَّ بسيئة فلم يَعمَلها» بجوارحه، ولا بقلبه. السراج المنير (1/ 379).

قوله: «كتبها ‌الله ‌له ‌عِنده ‌حسنة ‌كاملة»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «كتبها الله له عنده حسنة كاملة» المراد بالكمال عِظَم القدر، لا التضعيف إلى العشرة. فتح الباري (11/ 325).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وإنَّما جُوزي مَن هَمَّ بسيئة ولم يعملها بحسنة كاملة؛ لأنه خاف مقام ربه، ونهي النفس عن الهوى، و«حسنة كاملة» مفعول ثان لــ«كَتَبَها». الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1867).

قوله: «فإن هو هَمَّ بها فعمِلها كتبها الله له سيئة واحدة»:
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
إن عملها (أي: السيئة) لم تُكتب عليه إلا سيئة واحدة، فإن الله تعالى لا يضَعِّف السيئات بغير عمل صاحبها، ولا يجزي الإنسان في الآخرة إلا بما عملت نفسه، ولا تمتلئ جهنم إلا من أتباع إبليس من الجِنَّة والناس، كما قال تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} ص:85. الزهد والورع (ص: 168).
وقال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-:
وقوله: «كُتبت له سيئة واحدة» إشارة إلى أنها غير مضاعفة، (وهو) ما صَرَّح به في حديث آخر، (يقصد: رواية أحمد: «ولم تضاعف عليه»)، لكن السيئة تَعْظُم أحيانًا بشرف الزمان أو المكان، كما قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} التوبة:36، قال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في هذه الآية: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} التوبة: 36، في كلِّهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر، فجعلهن حرمًا، وعظَّم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم...، وكان جماعة من الصحابة يتقون سكنى الحرم خشية ارتكاب الذنوب فيه، منهم: ابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: الخطيئة فيه أعظم، ورُوي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: لَأَن أخطئ سبعين خطيئة -يعني بغير مكة- أحب إليَّ من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة. جامع العلوم (2/ 316 - 317).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة» في رواية الأعرج: «فاكتبوها له بمثلها»، وزاد مسلم في حديث أبي ذر: «فجزاؤه بمثلها أو أغفر»، وله في آخر حديث ابن عباس: «أو يمحوها»، والمعنى أن الله يمحوها بالفضل، أو بالتوبة، أو بالاستغفار، أو بعمل الحسنة التي تكفر السيئة، والأول أشبه...، ويُستفاد من التأكيد بقوله «واحدة» أن السيئة لا تضاعف كما تضاعف الحسنة، وهو على وفق قوله تعالى: {فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} الأنعام: 160، قال (العز) ابن عبد السلام في أماليه، فائدة التأكيد دفع توهم من يظن أنه إذا عمل السيئة كتبت عليه سيئة العمل وأضيفت إليها سيئة الهم، وليس كذلك إنما يكتب عليه سيئة واحدة. فتح الباري (11/ 328، 329).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
«وإن هَمَّ بسيئة فعملها كتبت سيئة واحدة» أخذًا بالتفضيل في جانب الخير والشَر، وكقوله -عزَّ وجلَّ-: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا} سورة الأنعام: 160. التعيين في شرح الأربعين (1/ 315).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«سيئة واحدة» زاد أحمد: «ولم تضاعف عليه»، ويدل له: {فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} الأنعام: 160، نعم، قد تَعْظُم بنحو شرف زمانٍ أو مكانٍ... ونعم، يدل على المضاعفة: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} الأحزاب: 30...، وبه يُعلم أن السيئة تعظم أيضًا بشرف فاعلها، وقوة معرفته باللَّه تعالى، وقربه منه؛ فإنَّ من عصى السلطان على بساطه، أعظم جرمًا ممن عصاه على بُعد. الفتح المبين (ص: 588، 589).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«كتبها الله سيئة واحدة» لم يصِف السيئة بكاملة، كما وصف الحسنة، بل أكدها بقوله «واحدة» إشارة إلى تخفيفها، مبالغة في الفضل والإحسان. فتح المنعم (1/ 421).

قوله: «‌ومحاها ‌الله، ‌ولا ‌يَهلك ‌على ‌الله ‌إلا ‌هالك»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ومحاها الله» وفي رواية: «أو يمحوها» فالواو في: «ومحاها» بمعنى: (أو) أي: كتبها الله سيئة، فأبقاها أو محَاها. فتح المنعم(1/421).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أو يمحوها، ولا يهلك على الله إلا هالك» أي: من أصر على التجري على السيئة عزمًا وقولًا وفعلًا، وأعرض عن الحسنات همًّا وقولًا وفعلًا. فتح الباري (11/ 329).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«ولا يهلك على الله إلا هالك» يعني: أنَّ مَن سمع هذا عن فضل الله ثم جَبُنَ عن متاجرته، أو شَحَّ عن الإنفاق في سبيله، فإنه هالك غير معذور. الإفصاح(3/ 81).
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «ولن يهلك على الله إلا هالك» قال القاضي: أي: مَن ختم عليه الهلاك وَسُدَّ عليه أبواب الهُدى؛ لسعة رحمة الله تعالى وكرمه؛ إذ جعل السيئة حسنة، ولم يكتبها حتى يعمل بها، فإذا عملت كتبت واحدةً، وكتب الهَمَّ بالحسنة حسنةً، وكتبها إذا عملها عشرًا إلى سبعمائة، وأضعاف كثيرة، وكل هذا فضل الله، إذ ضاعف حتى تكثر وتزيد على السيئات؛ لكثرة سيئات بنى آدم، فمن حُرِم هذه السعة وضُيِّق عليه رحبها حتى غَلَبَتْ عليه سيئاته مع إفرادها حسناتِه مع تضعيفها، فهو الهالك الذي سبق عليه ذلك في أم الكتاب. إكمال المعلم (1/ 427).
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ولا يهلك على الله إلا هالك» «على» بمعنى: عند، أي: مَن كثرت سيئاته مع هذا الفضل، وهذا الكرم، فهو مُستحق للهلاك، كأنه قال: ولا يهلك مع هذه السعة، إلا مجرم متأصل الإجرام، مسرف في المعاصي، مستحق الهلاك. فتح المنعم (1/421).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ولولا هذا التفضل العظيم (المذكور في الحديث) لم يدخل أَحدٌّ الجنة؛ لأن السيئات من العباد أكثر من الحسنات، فلطف الله بعباده، بأن ضاعف لهم الحسنات، ولم يضاعف عليهم السيئات، وإنما جعل الهموم بالحسنة حسنةً؛ لأن الهموم بالخير هو فعل القلب بعقد النية على ذلك. شرح صحيح البخاري (10/ 199، 200).
وقال النووي -رحمه الله-:
فانظر يا أخي وفقنا الله وإياك إلى عظيم لطف الله تعالى، وتأمل هذه الألفاظ، وقوله: «عند» إشارة إلى الإعتناء بها، وقوله: «كاملة»؛ للتأكيد وشِدة الاعتناء بها، وقال في السِّيئة التي هَمَّ بها ثم تركها، كتبها الله عنه حسنة كاملة فأكدها بـــ«كاملة»، وإن عملها كتبها «سيئة واحدة»، فأكد تقليلها بـــ«واحدة»، ولم يؤكدها بـــ«كاملة»، فلله الحَمد والمِنّة، سبحانه لا نحصي ثناء عليه، وبالله التوفيق. الأربعون النووية (ص: 106).


ولمزيد من الفائدة ينظر:

أقسام الهم بالسيئة.

الجمع بين قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} وحديث: «من هم بسيئة فلم يعملها».


إبلاغ عن خطأ