الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«عُرِضَت عليَّ أعمالُ أُمَّتي حسنُها وسيئُها، فوجدت في مَحَاسِن أعمالها الأذى يُمَاط عن الطريق، ووجدت في مساوي أعمالها النُّخَاعَة تكون في المسجد، لا تُدْفَن».


رواه مسلم برقم: (553)، من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«مَحَاسن»:
المحاسن: جمع حُسْن، وهو الجمال، كالمساوئ: جمع سوء. تاج العروس، للزبيدي (1/ 66).
قال نشوان الحميري -رحمه الله-:
محاسن الأعمال: نقيض مساوئها، فيقال: إنه جَمْعٌ لا واحد له من لفظه، وإنما هو جمع حُسْن على غير قياس. شمس العلوم (3/ 1438).

«يُمَاط»:
الإِمَاطَة والمَيْط: الإزالة والرفع، أمطتُ عنه الأذى ومِطْتُه نحَّيْتُه. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 217).
وقال ابن دريد -رحمه الله-:
مِطْتُ الأذى عن الطريق: إذا نحَّيْتُهُ عنه، يقال: مِطْتُه وأَمَطْتُه إماطَة ومَيْطًا. جمهرة اللغة (2/ 928).

«النُّخَاعَة»:
النُّخَاعة -بالضم-: ما تَفَلَه الإنسان كالنخامة، وتنخع الرجل: رمى بنخاعته. لسان العرب، لابن منظور (8/ 349).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
هي البزقة التي تخرج من أصل الفَمِّ، مما يلي أَصل النَّخاع. النهاية (5/ 33).


شرح الحديث


قوله: «عُرِضَتْ عليَّ أعمال أُمَّتي»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«عُرِضَتْ عليَّ» بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: «أعمالُ أُمَّتي». البحر المحيط الثجاج (12/ 385).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«عُرِضَتْ على أعمالُ أمتي» أي: أنواع أعمالها. الكوكب الوهاج (8/ 176).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عُرِضَتْ عليَّ أعمالُ أمتي» أي: إجمالًا من غير بيان عامليها، ويحتمل: تفصيلًا، والظاهر: أن المراد أعمال الجوارح. مرقاة المفاتيح (2/ 599).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«عُرضت عليَّ» يعني: بُلِّغْتُ عنها، وبُيِّنَتْ لي، والذي بيَّنَها له هو الله -عز وجل-؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- هو الذي يحلل ويحرم ويوجب، فعرض الله -عز وجل- على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- المحاسن والمساوئ من أعمال الأمة. شرح رياض الصالحين (2/ 157).
وقال السندي -رحمه الله-:
أي: حين أخذهم منه الميثاق قبل الإيجاد، قال: أو على إظهارهم على النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أعمالهم. كفاية الحاجة (2/ 394).

قوله: «حسنها وسيئها»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«حسنُها وسيئُها» بالرفع عطف بَيَان للأعمال، أو بدل اشتمال. مرعاة المفاتيح (2/ 417).

قوله: «فوجدت في محاسن أعمالها»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فوجدت» أي: رأيت. دليل الفالحين (2/ 353).
وقال المظهري -رحمه الله-:
المحاسن: جمع حُسْن. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 69).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«محاسن أعمالها» جمع: حُسْن -بضم الحاء- على غير قياس. شرح المصابيح (1/ 428).
وقال ابن سيدة -رحمه الله-:
قال بعضهم: واحدها مَحْسَنٌ، وليس هذا بالقوي ولا بذلك المعروف، إنما المحاسن عند النحويين وجمهور اللغويين، جمع لا واحد له؛ ولذلك قال سيبويه: إذا نَسَبْتَ إلى محاسن قلت: مَحاسِنيّ، فلو كان له واحد لرَدَّهُ إليه في النسب، وإنما يقال: إن واحده حسن على المسامحة، ومثله: المفاقر والمشابه والملامح والليالي. المحكم (3/ 198).

قوله: «الأذى يُمَاط عن الطريق»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«الأذى» ما يَتَأذَّى به الناس من حجر وشجر في الطريق وغير ذلك. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 69).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«الأذى» هو كل ما يُتَأذَّى به من عظْم، أو حجر، أو نجاسة، أو قَذَر، أو غير ذلك. المفهم (2/ 161).

قوله: «يُمَاط»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «يُماط عن الطريق» بالبناء للمفعول، أي: يُزَال، ويُنَحَّى ذلك الأذى عن طريق المسلمين، والجملة حال من «الأذى». البحر المحيط الثجاج (12/ 386).

قوله: «عن الطريق»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«عن الطريق» أي: عن طريق الناس؛ لئلا يؤذيهم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (21/ 348).

قوله: «ووجدت في مساوي أعمالها»:
قال المظهري -رحمه الله-:
المساوئ: جمع مساءة، وأصله: مسوء، فنقلت فتحة الواو إلى السين، وقُلِبَت ألفًا، ومعناه: السيئة، والسوء: مثله.
ويحتمل: أن تكون المساوئ جمع: السوء، كـالمحاسن جمع: الحُسن، والياء في المساوي مقلوبة عن الهمزة. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 69).

قوله: «النُّخَاعَة»:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
والنُّخاعة والنُّخامة والبصاق بمعنى، إلا أن البصاق من أدنى الفَم، والنخاعة من أقصى الفم، وكأنه مأخوذ من النخاع. كشف المشكل (1/ 367).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«النُّخاعة» -بضم النون- أي: البزاقة التي تخرج من أصل الفم، والمراد بها: إلقاؤها، وقيل: المراد بها: البصاق، والنُخامة هي: البلغم. مرقاة المفاتيح (2/ 599).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «النُّخاعة» وهي النُخَامَة، ما يخرج من الصدر، أو ما يخرج من الخيشوم، والنخاع مثلثة: الخيط الأبيض في جوف الفَقار، ينحدر من الدِّماغ، وتتشعب منه شُعَبٌ في الجسم. لمعات التنقيح (2/ 466).

قوله: «تكون في المسجد، لا تدفن»:
قال المظهري -رحمه الله-:
يعني: إماطة الأذى عن الطريق من جملة الحسنات، وإلقاء البزاق في المسجد من جملة السيئات، إذا لم «يدفن» أي: لم يستر. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 69).
وقال النووي -رحمه الله-:
«ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن» هذا ظاهره: أن هذا القُبح والذم لا يختص بصاحب النُخاعة، بل يدخل فيه هو وكل من رآها ولا يزيلها بدفن أو حك ونحوه. شرح صحيح مسلم (5/ 42).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
الجملتان صفة: «النخاعة» أو حال، يعني: إماطة الأذى عن الطريق من جملة الحسنات، وإلقاء البزاق في المسجد من جملة السيئات. شرح المصابيح (1/ 429).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا على كلام النووي:
وهو بحث حسن. البحر المحيط الثجاج (12/ 386).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن أعمال الأمة عُرِضَتْ على نبينا -صلى الله عليه وسلم- يدل عليه قوله: «فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يُماط عن الطريق» أي: عُرضت عليَّ الأعمال حتى هذا، وذلك أن المسلم يمر بالطريق وفيها حجر ربما يتأذى به الرجل الضرير أو غيره، فيرفعه من مكانه فيعتد الله تعالى له به، حتى إنه أرى نبيه -صلى الله عليه وسلم- ذلك، وكذلك السيئات حتى النخامة في المسجد التي لا تُدْفَنُ ويشير بهذا إلى أنه إذا انتخم الرجل في المسجد كان هذا منه سيئة إلا أنه لو دفنها كفرها، فكأنه لم يكتب عليه سيئة في الأول حتى أخل بتداركها في الثاني فكتبت.
وفي هذا الحديث: ما يدل على أنه لا يجوز أن يُحْتَقَرَ من البِرِّ شيء، ولا يُسْتَصْغَرَ من الإثم شيء وإن قلَّ.
وفيه أيضًا: أن الصحائف على ما يخفى فيها من الأعمال الثقال، فإنها لا يُغادر منها لِمَثَاقِيْل الذَّرِّ.
وفيه أيضًا: إشارة إلى أنها لم تُعرض على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا وهي بسبيل أن يستغفر لأهلها منها، ويستوهبها لهم كما قال: «تُعْرَضُ عليَّ أعمال أمتي، فإن رأيتُ حسنًا شكرتُ الله، وإن رأيتُ سيئًا استغفرتُ الله»؛ لأنه قد علم الله -سبحانه وتعالى- رحمة نبيه لأمته، فلا يعرض عليه سيئات أعمالهم إلا رفقًا بهم؛ لعلمه أنه يستغفر لهم، فقد وصفه الله -عزَّ وجلَّ-: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} التوبة: 128، فلم يعرض عليه إلا ليكون ذلك تبريرًا لشفاعاته المحبوبة، ومسائله المطلوبة -والحمد لله رب العالمين-. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 181).
وقال السندي -رحمه الله-:
وفيه: أنها (أي: النخامة) إذا دُفِنَتْ فليست من سيئات الأعمال. كفاية الحاجة (2/ 394).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
فيه: التنبيه على فضل كل ما نفع الناس أو أزال عنهم ضررًا. دليل الفالحين (2/ 353).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان قُبْح النخاعة في المسجد.
ومنها: أن قوله: «لا تدفن» يؤيد ما سبق من ترجيح قول القاضي: أن كون النخاعة في المسجد خطيئة لمن لا يريد دفنها، وإلا فلا.
قال القرطبي -رحمه الله-: هذا يدل على صحة التأويل المذكور؛ لأنه لم يبت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها في المسجد، بل بذلك، وببقائها غير مدفونة. انتهى.
ومنها: بيان فضل إماطة الأذى عن الطريق، وقد سبق حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، وأخرج الشيخان، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «بينما رجل يمشي بطريق وجد غُصْن شوك على الطريق فأخَّره، فشكر الله له، فغفر له».
ومنها: بيان فضل الله تعالى على نبيه -صلى الله عليه وسلم-، حيث يُطْلِعُهُ على المغيَّبات من أحوال أمته، وغير ذلك، {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} النساء: 113. البحر المحيط الثجاج (12/ 386-387).


وينظر لمزيد من الفائدة حديث: «وإماطة الأذى عن الطريق صدقة».

وينظر أيضًا: فضل من أماط أذى عن طريق المسلمين وأنه من أسباب دخول الجنة.


إبلاغ عن خطأ