السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«مَن ‌تركَ ‌ثلاثَ ‌جُمَعٍ تهاوُنًا مِن غيرِ عُذْرٍ طَبَعَ اللهُ على قلبِهِ».


رواه أحمد برقم: (15498) واللفظ له، وأبو داود برقم: (1052) والترمذي برقم:(500) والنسائي برقم: (1369) وابن ماجه برقم: (1125)، من حديث أبي الجَعْد الضَّمْرِي -رضي الله عنه-.
وعنه أيضًا الطبراني في الكبير برقم: (915) وزاد: «مُتَوَالِياتٍ».
صحيح الجامع الصغير برقم: (6143)، صحيح سنن النسائي برقم: (1297). 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«تَهَاوُنًا»:
التهاون: هو الاستحقار والاستهزاء والاستخفاف. التعريفات الفقهية للبركتي (ص: 65).

«طَبَعَ»:
معنى طَبَعَ في اللغة وخَتَمَ واحدٌ: وهو ‌التغطية ‌على ‌الشيء والاستيثاق من أنْ يدخله شيء. لسان العرب، لابن منظور (8/ 232).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الطَّبْع بالسكون: الخَتْم، وبالتَّحريك: الدَّنَسُ، وأصلُه: مِن الوَسَخ والدنَس يَغْشَيان السيف، يُقال: طَبِعَ السيفُ يَطْبَعُ طَبَعًا، ثم استُعمِل فيما يُشْبِه ذلك مِن الأوزَارِ والآثامِ وغيرهما من المقَابِح. النهاية والأثر (3/ 112).


شرح الحديث


قوله: «مَن ‌تَرَكَ ‌ثلاثَ ‌جُمَعٍ تَهَاوُنًا»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«مَن ترك ثلاث جمع» ولفظ الترمذي وابن ماجه: «مَن ترك الجمعة ثلاث مرات» وإطلاق الحديث يشمل ترك الثلاث متوالية ومتفرقة. شرح سنن أبي داود (5/ 476).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «ثلاث جُمع» يحتمل أنْ يراد حصول الترك مطلقًا، سواء توالت الجُمُعات أو تفرقت، حتى لو ترك في كل سنة جمعة لَطَبَع الله تعالى على قلبه بعد الثالثة، وهو ظاهر الحديث، ويحتمل أنْ يراد ثلاث جُمع متوالية كما تقدم في حديث أنس؛ لأن موالاة الذنب ومتابعته مُشعرة بقلة المبالاة. نيل الأوطار (3/ 266).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مَن ‌ترك ‌ثلاث ‌جمع» متوالية كما هو الظاهر، «متهاونًا بها» احتقارًا لشأنها، وتسهيلًا في أمر الله تعالى بها. التنوير(10/ 175).
وقال العكبري -رحمه الله-:
«مَن ‌ترك ‌ثلاث ‌جُمع تهاونًا» هو منصوب على أنه مفعول له، ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال، أي: متهاونًا. إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص: 187).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «تهاونًا بها» أي: عن التقصير، لا من عذر. المفاتيح (2/ 318).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «تهاونًا» أي: لقلة الاهتمام بأمرها، لا استخفافًا بها؛ فإنَّ الاستخفاف بفرائض الله كُفْر. حاشيته على مسند أحمد (3/514).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «تهاونًا بها» ‌أي: ‌إهانة، وإنَّما عدل إلى التفاعل؛ ليدل به على أن هذا اليوم وأي يوم شأنه أعلى رتبة، وأرفع مكانة من أنْ تتصور إهانة بوجهٍ، فلا يقتدر أحد على إهانته إلا تكلفًا ووزرًا. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1270 1271).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «تهاونًا» فيه أنَّ الطبع المذكور إنما يكون على قلب مَن ترك ذلك تهاونًا، فينبغي حمل الأحاديث المطلقة على هذا الحديث المقيَّد بالتهاون، وكذلك تُحمل الأحاديث المطلقة على المقيدة بعدم العذر. نيل الأوطار (3/ 266).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «تهاونًا» الظاهر أن المراد بالتهاون التكاسل وعدم الجِدِّ في أدائه، لا الإهانة والاستخفاف، فإنه كفر، والمراد بيان كونه معصية عظيمة يفضي إلى الطبع والرَّين. لمعات التنقيح (3/ 494).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ورد حديث أنه «مَن ‌ترك ‌ثلاث ‌جمع طبع الله على قلبه» فهنا (يعني: حديث «لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجُمُعات») الجمعات جنس، لولا تقييد هذا الحديث الثاني: «مَن ‌ترك ‌ثلاث ‌جمع...» إلخ، لكانت عامة حتى لو ترك جمعة واحدة. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 323).

قوله: «مِن غيرِ عُذْرٍ»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما قوله في الحديث: «من غير عذر» فالعذر يتسع القول فيه، وجملته: كل مانع حائل بينه وبين الجمعة، مما يتأذى به، أو يخاف عدوانه، أو يبطل بذلك فرضًا لا بدل منه.
فمن ذلك: السلطان الجائر يظلم، والمطر الوابل المتصل، والمرض الحابس، وما كان مثل ذلك.
ومن العذر أيضًا: أن تكون عنده جنازة لا يقوم بها غيره، وإن تركها ضاعت وفسدت، وقد روينا هذا في الجنازة عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، والأوزاعي، والليث بن سعد.
وعن عطاء بن أبي رباح: أنه سئل عن رجل كان مع الإمام وهو يخطب في الجمعة فبلغه أن أباه أخذه الموت؟ فرخص له أن يذهب إليه، ويترك الإمام في الخطبة.
هذا عندي على أنه لم يكن لأبيه أحد غيره يقوم لمن حضره الموت، بما يحتاج الميت إليه من حضوره، للتغميض والتلقين، وسائر ما يحتاج إليه؛ لأنَّ تَرْكَه في مثل تلك الحال عقوق، والعقوق من الكبائر، وقد تنوب له عن الجمعة الظُّهر.
ولم يأتِ الوعيد في ترك الجمعة إلا من غير عذر ثلاثًا، فكيف بواحدة من عذر بيِّن؟ فقول عطاء صحيح، والله أعلم. التمهيد (10/ 276- 277).

قوله: «طَبَعَ اللهُ على قلبِهِ»:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
أصل الطبع: الوَسَخ والدَّرَن، ويحتمل أن يراد به الختم على القلب حتى لا يفهم الصواب. غريب الحديث (2/ 27).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «طبع الله على قلبه» أي: جعل فيه الجفاء والقسوة، فلا يصل إليه شيء من الخير...
وظاهره: أنَّ مَن ترك ثلاث جمع تهاونًا يطبع على قلبه ولوكان الترك متفرّقًا، وبه قال بعضهم، حتى لو ترك في كل سَنة جمعة لطبع الله على قلبه بعد الثالثة.المنهل العذب المورود (6/ 195).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«طبع الله على قلبه» ختم عليه فلا يهتدي إلى أداء الواجبات، وترك المحظورات، ويسلبه ألطافه التي تقربه إلى الطاعات، فإنَّ ترك الواجبات سبب لترك واجبات أخرى، كما أنَّ فعل الطاعات سبب لطاعات أُخَر، وألطاف في فعلها. التنوير(10/ 175- 176).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الطبع على القلب كناية عن سَدِّه عن دخول الإيمان، ووصول الحق إليه، ومنه قول الله -عز وجل-: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} البقرة: 7، و{وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} التوبة: 93، أي: أغلقها فلا تدخلها الموعظة، وإنْ دخلت فلا تَعِيْهَا؛ تشبيهًا بالشيء الذي يُختم عليه بعد الشد زيادة في الإغلاق والايكاء. الشافي في شرح مسند الشافعي (2/ 160).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«طبع الله على قلبه»: الطبع والختم واحد، والمراد: أنه بتركه الجمعة قد أُغْلِقَ قلبه، وخُتم عليه، فلا يصل إليه شيء من الخير. جامع الأصول (5/ 666).
وقال الباجي -رحمه الله-:
معنى الطبع على القلب: أنْ يُجعل بمنزلة المختوم عليه، لا يصل إليه شيء من الخير، نسأل الله العصمة بفضله. المنتقى شرح الموطأ (1/ 204).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«طبع الله» أي: ختم «على قلبه»: بمنع إيصال الخير إليه، وقيل: كتبه منافقًا. مرقاة المفاتيح (3/ 1024).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«طبع الله على قلبه» المراد بالطبع: ما يجعله الله في قلوبهم من الجهل والجفاء والقسوة. السراج المنير(4/ 283).

قوله في لفظ: «متواليات»:
قال الساعاتي -رحمه الله-:
لأنَّ موالاة الذنب ومتابعته مُشعرة بِقِلَّة المبالات به. الفتح الرباني (6/ 22).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
ومحتمل أنَّ المراد ثلاث متواليات، ويؤيده ما رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-: «مَن ترك ثلاث جمع متواليات..» ورواه البيهقي عن جابر، واعتبار الثلاث إمهال من الله تعالى للعبد؛ لعله يتوب ويرجع عن ترك الجمعة. المنهل العذب المورود (6/ 195).
وقال الباجي -رحمه الله-:
هذا الحديث يدل على وجوب إتيان الجمعة مع ما تقدَّم ذِكْرُنا له من قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} الجمعة: 9، وأما معنى اعتبار العدد في الحديث -والله أعلم- فانتظار للفيئة (أي الرجوع لله)، وإمهال منه تعالى عبده للتوبة. المنتقى شرح الموطأ (1/ 204).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فإذا كان طبع على قلب مَن تَرَكَ الجُمَع وإنْ صلى الظهر فكيف بمن لا يصلي ظهرًا ولا جمعة ولا فريضة ولا نافلة، ولا يتطهر للصلاة لا الطهارة الكبرى ولا الصغرى؟ فهذا لو كان قبلُ مؤمنًا، وكان قد طُبع على قلبه كان كافرًا مرتدًا بما تركه ولم يعتقد وجوبه من هذه الفرائض، وإن اعتقد أنه مؤمن كان كافرًا مرتدًا، فكيف يعتقد أنه من أولياء الله المتقين؟! مجموع الفتاوى (10/ 446- 447).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
أجمع المسلمون على أنَّ الجمعة فرض عين، إلا قولًا يحكى عن الشافعي: إنها فرض كفاية، وهو غلط عليه، منشؤه أنه قال: وأما صلاة العيد فتجب على من تجب عليه صلاة الجمعة، فظن هذا القائل أنَّ العيد لما كانت فرض كفاية كانت الجمعة كذلك، وهذا فاسد، بل هذا نص من الشافعي أنَّ العيد واجبة على الجميع، وهذا يحتمل أمرين: أنْ يكون فرض عين كالجمعة، وأنْ يكون فرض كفاية، فإن فرض الكفاية يجب على الجميع كفرض الأعيان سواء، وإنما يختلفان في سقوطه عن البعض بعد وجوبه بفعل الآخرين. زاد المعاد (1/ 491- 492).
وقال محمود السّبكي -رحمه الله-:
واعتبار الثلاث إمهال من الله تعالى للعبد ورحمة به؛ لعله يتوب من ذنبه، ويثوب إلى رشده، ويؤدي الجمعة ولا يتركها بلا عذر.
وأما مَن تخلف عن حضور الجمعة لعذر من الأعذار المبيحة للتخلف عنها وعن الجماعة، كالمطر والبرد الشديد والريح وغيرها -مما تقدم في بحث أعذار ترك الجماعة- فلا إثم عليه. الدين الخالص (4/ 291).
وقال الكاساني الحنفي -رحمه الله-:
ومثل هذا الوعيد لا يلحق إلا بترك الفرض، وعليه إجماع الأمة. بدائع الصنائع (1/ 256).
وقال ابن قاسم -رحمه الله-:
وفي هذه الأحاديث وغيرها أعظم الزجر عن ترك الجمعة، والتساهل فيها، أنّ تَرْكها من أعظم أسباب الخذلان، وعَزم (-صلى الله عليه وسلم-) على تحريق المتخلف عنها، وتقدم ذكر ما ورد في وجوب صلاة الجماعة من الكتاب والسنة وقول علماء الأمة ما يدل على وجوب صلاة الجمعة بطريق الأولى. الإحكام شرح أصول الأحكام (1/ 436- 437).


وللمزيد من الفائدة ينظر:

وجوب صلاة الجمعة.

ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر علامة نفاق.


إبلاغ عن خطأ