الأربعاء 5 ذو القعدة 1447 | 2026-04-22

A a

«إِذا ‌ظَهرَ ‌السُّوءُ ‌فِي ‌الأرض ‌أَنزلَ ‌اللهُ بأَهل الأرض ‌بأسهُ، ‌قالت: ‌وفِيهِم أَهل طاعة ‌اللهِ -عز وجل-؟ قال: ‌نعم، ‌ثُمَّ ‌يصِيرُونَ إلى رحمة ‌الله -تعالى-».


رواه أحمد برقم: (24133)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (680)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1372).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«السُّوء»:
السّوء: نعت لكلّ شيء رديء، ساء يَسُوءُ -لازمٌ ومجاوزٌ-، وساء الشّيء: قَبُح فهو سيّئ، والسُّوء: اسم جامعٌ للآفات والدّاء. العين، للخليل (7/ 327).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
السين والواو والهمزة إنما هي من باب القبح، تقول: رجل أسوأ، أي: قبيح، وامرأة سَوْآءُ، أي: قبيحة. مقاييس اللغة (3/ 113).

«بأسَه»:
البَأس: العذاب. والبأس: الشِّدة في الحرب، وفي حديث علي -رضوان الله عليه-: كُنّا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-. لسان العرب (6/ 20).


شرح الحديث


قوله: «إِذَا ‌ظَهَرَ ‌السُّوءُ ‌فِي الأرض»:
قال الساعاتي -رحمه الله-:
قوله: «إذا ظهر السوء في الأرض» يعني: المنكر، وهو كل ما أنكره الشرع من أنواع المعاصي. الفتح الرباني (19/ 209).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيكون إهلاك جميع الناس عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي. شرح صحيح البخاري (10/ 53).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
...عن الأوزاعيِّ، قال: سمِعتُ بلالَ بنَ سعْدٍ يقول: إنَّ الخطيئةَ إذا أُخفِيت لم تَضُرَّ إلا صاحبَها، فإذا ظهَرت فَلم تُغَيَّرْ ضَرَّتِ العامة. التمهيد (16/ 246).

قوله: «‌أَنزلَ ‌اللهُ ‌بِأَهلِ الأرض بأسه»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«‌أَنْزَلَ ‌اللهُ» إثبات علو الله؛ لأن النزول يكون من العلو. فتح ذي الجلال والإكرام (5/ 417).

قوله: «‌قالت: ‌وفِيهِم أَهل طاعة ‌اللهِ -عز وجل-؟ قال: ‌نَعمْ، ‌ثُمَّ ‌يَصيرُونَ إلى رحمة ‌اللهِ -تَعَالَى-»:
قال القنازعي -رحمه الله-:
قال أبو عمر (ابن المكوي): يدل هذا الحديث على أن الصالحين قد يُهلكوا بهلاك أهل المعاصي المجاهرين بها، ولكن يكون هلاكهم شهادة لهم لأمرهم بالمعروف وكراهيتهم لأفعال أهل المعاصي، والله لا يضيع أجر من أَحسن عملًا -سبحانه وتعالى-.تفسير الموطأ (2/ 779).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فإذا ظهرت المعاصي ولم تُغيّر؛ وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها، فإن لم يفعلوا فقد تعرضوا للهلاك، إلا أن الهلاك طهارة للمؤمنين ونِقمة على الفاسقين، وبهذا قال السلف، وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: تُهجر الأرض التي يُصنع فيها المنكر جهارًا ولا يُستقرُّ فيها. شرح صحيح البخاري (10/ 6).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
دخَل هذا في معنَى قول الله -عز وجل-: {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} الآية الأعراف: 165، فلم يذكرْ في النجاةِ إلا مَن نهى، وسكَت عمَّن لم يَنْهَ، وأمّا مَن رضيَ فليس فيه اختلاف، قال -صلى الله عليه وسلم- في الأمراء: «ولكنْ مَن رضيَ وتابَع».
ومعلومٌ أن العقوبةَ إنما تُستوجَبُ بفعلِ ما نُهي عنه، وتركِ فعلِ ما أُمِر به، وقد لَزِم النهْيُ عن المنكَرِ كلَّ مُستطيع بقوله -عز وجل-: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} الحج: 41.
ومَن مُكِّن في الأرض لم يضعُفْ عن ذلك، ومَن ضَعُف لزِمه التغييرُ بقلبِه، فإن لم يُغَيِّرْ بقلبه فقد رضيَ وتابَع.
وقال عُمرُ بنُ عبدِ العزيز: كان يُقال: إن اللهَ لا يُعذِّبُ العامةَ بذَنْبِ الخاصة، ولكن إذا صُنِع المنكرُ جِهارًا استحقُّوا العقوبة؛ ذكَره مالكٌ عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيم، عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيز، وهذا معناهُ: إذا قدَرُوا وكانوا في عزٍّ وامتناع من الأذى.
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمْدان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عُبيدِ الله بنِ جرير، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما مِن قوم يُعمَلُ فيهم بالمعاصي هُمْ أعزُّ وأمنعُ، لا يُغيِّرون، إلّا عَمَّهم اللهُ بعقابِه»...
قال أبو عُمر (ابن عبد البر): قد قدَّمنا في باب يحيى بنِ سعيد، عن عُبادةَ بنِ الوليد من الآثارِ ما يوضِّحُ أنَّ الحَرَجَ مرفوعٌ عن كلِّ مَن يخافُ على نفسِه في تَغييرِ المنكر، أو يَضْعُفُ عن القيام بذلك.
وفي هذا الباب من الحديثِ المرفوع وغيرِه ما يَكْفي ويَشْفي لمَنْ وُفِّق لفهمِه -واللهُ الموفِّقُ لا شريكَ له-. التمهيد (16/ 248-257).
وقال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-:
فهذا مع الصالحين، فكيف مع قلَّتهم أو مع عدمهم! نسأل الله أن يتجاوز عنا بفضله ويتغمد زللنا برحمته. المنتقى شرح الموطأ (5/ 109).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلى رحمة الله» أي: ذاهبًا واصلًا إليها. مرقاة المفاتيح (3/ 1158).
وقال النووي -رحمه الله-:
واعلم أن هذا الباب -أعني: باب الأمر بالمعروف ‌والنهي ‌عن ‌المنكر- ‌قد ‌ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبقَ منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدا، وهو باب عظيم، به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه؛ {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور: 63. المنهاج شرح صحيح مسلم(2/ 24).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الكتاب والسنة مع الإجماع، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلَّا بعض الرافضة -ولا يُعْتَدُّ به- وهم مسبوقون بالإجماع. المعين على تفهم الأربعين (ص: 393).


وللمزيد من الفائدة ينظر: 

الهلاك يعمّ والبعث على قدر النيات.

الابتلاء شامل، والجزاء عادل.

الخسف يعمّ، والجزاء على النيات.


إبلاغ عن خطأ