قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «الحياءُ لا يأتي إلَّا بخيرٍ»، فقال بُشَيْرُ بن كعبٍ: مكتوبٌ في الحكمةِ: إنَّ مِن الحياءِ وقَارًا، وإنَّ مِن الحياءِ سَكِينَةً، فقال له عِمْرَانُ: «أُحَدِّثُكَ عن رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وتُحَدِّثُنِي عنْ صَحِيفَتِكَ».
رواه البخاري برقم: (6117) واللفظ له، ومسلم برقم: (37)، من حديث عِمْران بن حُصَين -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الحَيَاءُ»:
انقباض النفس من شيء، وتركه حذرًا عن اللوم فيه، وهو نوعان: نفساني؛ وهو الذي خلقه الله تعالى في النفوس كلها، كالحياء من كشف العورة، والجماع بين الناس، وإيماني؛ وهو أنْ يمنع المؤمن من فعل المعاصي خوفًا من الله تعالى. التعريفات، للجرجاني (ص: 94)
وقال الكفوي -رحمه الله-:
الحياء: بالمد: الحِشْمة، وبالقصر: المطر. الكليات (ص: 404).
«الحِكْمَة»:
إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى: معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفة الموجودات وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله -عزّ وجلّ-: {وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ} لقمان: 12. المفردات، للراغب (ص: 249).
«وقَارًا»:
الوَقار: الحِلم والرَّزانة، وقد وَقَرَ الرجل يَقِرُ وَقارًا وقِرَةً، إذا ثبتَ، فهو وَقورٌ. الصحاح، للجوهري (2/ 849).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
«سَكيْنَة»:
السَّكينةُ: الوَداعة والوَقار، تقول: هو وَديع وَقُور ساكِن. العين، الخليل بن أحمد (5/ 313).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
السكينة» أي: الوقار والتأني في الحركة والسير. النهاية (2/ 385).
شرح الحديث
قوله: «قال النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «الحياءُ لا يأتي إلَّا بخيرٍ»:
قال النووي -رحمه الله-:
الحياء: ممدود وهو الاستحياء...
وروينا في رسالة الإمام الأستاذ أبي القاسم القشيري عن السيد الجليل أبي القاسم الجنيد -رضي الله عنه- قال: الحياء رؤية الآلاء -أي: النِّعَم-، ورؤية التقصير؛ فيتولَّد بينهما حالةٌ تُسمَّى الحياء. المنهاج شرح مسلم (2/ 5).
وقال الواحدي -رحمه الله-:
قال أهل اللغة: أصل الاستحياء من الحياة، واستحيا الرجل؛ لقوة الحياة فيه؛ لشدة علمه بمواقع العيب، فالحياء من قوة الحس ولطفه، وقوة الحياة. البسيط (2/ 270-271).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «الحياء» وهو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يُعاب به ويُذَم...؛ ولهذا قال بعضهم: الحياء بالاصطلاح الشرعي هو خُلُق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في الحَسن. الكواكب الدراري (21/ 234).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
الحياء اسم جامع يدخل فيه الاستحياء من الله -عزَّ وجلَّ-؛ لأن ذَمَّه فوق كُلِّ ذمٍّ، ومدحه فوق كل مدحٍ، والمذموم بالحقيقة مَن ذمَّه ربه، والمحمود من حمده ربه...، والحياء من الله تعالى طريق إلى إقامة كل طاعة، واجتناب كل معصية؛ لأنه إذا خاف الذم من الله -عز وجل- إياه، وإنكاره ما يبدو منه من القبيح لم يرفض له طاعة، ولم يقرب له معصية...، فإذا هو فاز باستكمال الإيمان لحيائه، فصح بذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الحياء من الإيمان»، و«خُلُق هذا الدين الحياء». المنهاج في شعب الإيمان (3/ 231).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «الحياء لا يأتي إلا بخير» في رواية خالد بن رباح عن أبي السَّوار عند أحمد، وكذلك في رواية أبي قتادة العدوي عن عمران عند مسلم: «الحياء خير كله»، وللطبراني من حديث قرة بن إياس: «قيل لرسول الله: الحياء من الدِّين؟ فقال: بل هو الدِّين كله»، وللطبراني من وجه آخر عن عمران بن حصين: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة». فتح الباري (10/ 521).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الحياء لا يأتي إلا بخير» أي: لا يُغري الإنسانَ إلا بخير. مرقاة المفاتيح (9/ 268).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
معنى «الحياء لا يأتي إلا بخير»: أنَّ مَن استحى من الناس أنْ يروه يأتي الفجور، ويرتكب المحارم؛ فذلك داعية له إلى أنْ يكون أشد حياء مِن ربه وخالقه -عزَّ وجلَّ-، ومن استحى ربَّه فإنَّ حياءه زاجر له عن تضييع فرائضه، وركوب معاصيه؛ لأن كل ذي فِطرة يعلم أنَّ اللهَ النافع له والضار والرزاق والمحيي والمميت، وإذا علم ذلك فينبغي له أنْ يستحي منه تعالى. التوضيح (28/ 495).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «الحياء خير كله» هذا عام، والمراد به الخاص؛ أي: الحياء فيما لا يرضاه الله خيرٌ كله. المفاتيح (5/ 249).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«الحيَاء لا يأتي إلَّا بِخَير» وهذا لأنَّ المستحْيِي منقبض عن كثير من القول والفعل، والوقاحةُ توجب الانبساط، فيقع الشَّرُّ من ذلك. كشف المشكل (1/ 477).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الحياء لا يأتي إلا بخير»؛ لأنَّ مَن استحيا من الناس أنْ يروه يفعل قبحًا؛ دعاه ذلك إلى أن يكون حياؤه من ربه أشد؛ فلا يهمل فرضًا، ولا يعمل ذنبًا، قال بعضهم: الحياء دليل الدِّين الصحيح، وشاهد الفضل الصريح، وسِمَة الصلاح الشامل، وعنوان الفلاح الكامل، من كان فيه نَظَم قلائدَ المحامد، ونَسَق وجمع من خلال الكمال ما افترق، وهو اسمٌ جامع يدخل فيه الحياء من الله؛ لأن ذَمَّه فوقَ كل ذَمٍّ، ومدَحَه فوق كل مدح. التيسير (1/ 510).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«الحياءُ لا يأتي إلاَّ بِخَيرٍ» و«الحَيَاءُ خَيرٌ كُلُّهُ» وأوَّلُ الحياءِ وأَولاَه: الحياءُ من الله تعالى، وهو: ألَّا يراك حيثُ نهاك؛ وذلك لا يكونُ إلَّا عن معرفةٍ بالله تعالى كاملة، ومراقبةٍ له حاصلَة، وهي المعبَّرُ عنها بقوله: «أَن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، وقد رَوَى الترمذيُّ مِن حديث ابن مسعود أَنَّهُ -عليه الصلاة والسلام- قال: «استَحيُوا مِن الله حقَّ الحَيَاءِ، فقالوا: إِنَّا نَستَحيِي والحمدُ للهِ، فقال: ليس ذلك، ولكنَّ الاستِحياءَ من الله حقَّ الحياءِ: أَن تَحفَظَ الرَّأسَ وما حَوَى، والبطنَ وما وعَى، وتذكُرَ الموتَ والبِلَى، فمن فعل ذلك فقدِ استَحيَا منَ الله حَقَّ الحَيَاءِ»، وأهل المعرفة في هذا الحياءِ منقسمون؛ كما أنّهم في أحوالهم متفاوتون -كما تقدم-، وقد كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- جُمِعَ له كمالُ نوعَيِ الحياء، فكان في الحياءِ الغريزيِّ أشدَّ حياءً من العَذراء في خِدرها، وفي حيائِهِ الكَسبيِّ في ذِروتها. المفهم (1/ 218).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما كون الحياء خيرًا كله، و«لا يأتي إلا بخير» فقد يُشكل على بعض الناس؛ من حيث إنَّ صاحب الحياء قد يستحي أنْ يواجه بالحق من يجلُّه فيترك أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق، وغير ذلك مما هو معروف في العادة؛ وجواب هذا ما أجاب به جماعة من الأئمة -منهم الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله-: أنَّ هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخوَر ومَهانة، وإنما تسميته حياءً من إطلاق بعض أهل العُرْف أطلقوه مجازًا؛ لمشابهته الحياء الحقيقي، وإنما حقيقة الحياء: خُلُق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ونحو هذا. المنهاج شرح مسلم (2/ 5).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
اعلم أنَّ الحياء نوعان:
أحدهما: ما كان خَلْقًا وجِبِلَّةً غيرَ مكتسب، وهو من أجلِّ الأخلاق التي يَمْنَحُها الله العبدَ ويَجبِلُه عليها؛ ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: «الحياء لا يأتي إلاَّ بخير» فإنَّه يكفُّ عن ارتكاب القبائح، ودناءةِ الأخلاق، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو مِنْ خصال الإيمان بهذا الاعتبار، وقد روي عن عمر -رضي الله عنه- أنَّه قال: «مَن استحيا اختفى، ومَن اختفى اتقى، ومَن اتقى وُقي»، وقال الجَرَّاح بنُ عبد الله الحكمي -وكان فارس أهل الشام-: تركتُ الذنوب حياءً أربعين سنة، ثم أدركني الورع، وعن بعضهم قال: رأيتُ المعاصي نذالةً، فتركتها مُروءةً؛ فاستحالت دِيانة.
والثاني: ما كان مكتسبًا من معرفة اللهِ، ومعرفة عظمته وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمِه بخائنة الأعين وما تُخفي الصدور، فهذا من أعلى خصالِ الإيمان، بل هو مِنْ أعلى درجات الإحسّان، وقد تقدَّم أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لِرجل: «استحي (بحذف إحدى الياءين على لغة أهل الحجاز) مِنَ اللهِ كما تستحي رجلًا مِنْ صالحِ عشيرتِكَ»، وفي حديث ابن مسعود: «الاستحياءُ مِنَ الله: أنْ تحفَظَ الرَّأسَ وما وعى، والبطن وما حَوى، وأنْ تذكر الموتَ والبِلَى، ومَن أراد الآخرة تركَ زينةَ الدُّنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا مِنَ الله» خرَّجه الإمامُ أحمد والترمذي مرفوعًا.
وقد يتولَّدُ الحياءُ من مطالعة نِعمه -جل وعلا-، ورؤيةِ التقصير في شكرها، فإذا سُلِبَ العبدُ الحياءَ المكتسب والغريزي لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح والأخلاق الدنيئة، فصار كأنَّه لا إيمانَ له. جامع العلوم والحكم (2/ 597).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الحياءُ صفة في النفس تحمل الإنسانَ على فعل ما يَجمل ويَزين، وترك ما يُدنِّس ويَشِين، فتجده إذا فعل شيئًا يخالف المروءة استحيا من الناس، وإذا فعل شيئًا محرَّمًا استحيا من الله -عز وجل-، وإذا ترك واجبًا استحيا من الله، وإذا ترك ما ينبغي فِعلُه استحيا من الناس... شرح رياض الصالحين (4/ 24-25).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
حُكي عن بعض السلف: رأيتُ المعاصي مذلة فتركتها مروءة فصارت دِيانة، وقد يتولد الحياءُ من الله تعالى من التقلب في نِعَمه؛ فيستحي العاقلُ أن يَستعين بها على معصيته، وقد قال بعض السلف: خَفِ اللهَ على قدرِ قُدرتِه عليك، واستحِ منه على قدر قُربِه منك، والله أعلم. فتح الباري (1/ 75).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
بما تقرَّر في شرحه (الحياء) يُعلم أنَّ عليه مدار الإسلام، وبيانه: أنَّ فعل الإنسان إما أنْ يُستحيا منه، أو لا، فالأول: الحرام والمكروه، والثاني: الواجب والمندوب والمباح، فقد تضمن الأحكام الخمسة، ولم يشذَّ عنه منها شيءٌ. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 385).
قوله: «فقال بُشَيْرُ بن كعبٍ: مكتوبٌ في الحكمةِ»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
«بُشير» بضم الموحدة وبمعجَمَة. اللامع الصبيح (15/ 152).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «بُشير بن كعب» بالموحدة والمعجمة مصغر، تابعي جليل يأتي ذكره في الدعوات، قوله: «مكتوب في الحكمة» في رواية محمد بن جعفر: «أنَّه مكتوب في الحكمة» وفي رواية أبي قتادة العدوي عند مسلم: «فقال بُشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة» بالشك، والحكمة في الأصل: إصابة الحق بالعلم. فتح الباري (10/ 521).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«الحكمة» أي: العلم الذي يبحث فيه أحوال حقائق الموجودات، وقيل: أي العلم المتقن الوافي. الكواكب الدراري (21/ 234).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«مكتوب في الحكمة» ليس المراد بها علم الفلاسفة، بل علم الأخلاق ودقائق الأسرار. الكوثر الجاري (9/ 478).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
(كان) في القوم بُشير بن كعب، وكان على علم ببعض الكتب السابقة، وكُتب الحكمة، وكان فيما علم أنَّ الحياء منه الممدوح، وهو الناشئ عن السكينة والوقار لله، ومنه المذموم وهو الناشئ عن الضعف والخور، فأشكل عليه الحديث، فقال لعمران: كيف نوفق بين الحديث وبين ما جاء في كُتب الحكمة أنَّ من الحياء وقارًا، ومنه ضعفًا؟. فتح المنعم (1/ 139).
قوله: «إنَّ مِن الحياءِ وقَارًا، وإنَّ مِن الحياءِ سَكِينَةً»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«إِنَّ مِنهُ وَقَارًا، وَمِنهُ سَكِينَةً» يعني: إنَّ منه ما يحملُ صاحبَهُ على أنْ يُوَقِّرَ الناسَ، ويتوقَّرُ هو في نفسه، ومنه: ما يحملُهُ على أنْ يَسكُنَ عن كثيرٍ ممَّا يتحرَّكُ الناسُ إليه مِنَ الأمورِ التي لا تليقُ بذوي المروءات. المفهم (1/ 220).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«الوقار» الحلم والرزانة، و«السكينة» الدَّعة والسكون. الكواكب الدراري (21/ 234).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إن من الحياء وقارًا، وإنَّ من الحياء سكينة» في رواية الكشميهني: «السكينة» بزيادة ألف ولام، وفي رواية أبي قتادة العدوي: «إنَّ منه سكينة ووقارًا لله، وفيه ضعف» وهذه الزيادة متعينة، ومن أجلها غضب عمران، وإلا فليس في ذكر السكينة والوقار ما ينافي كونه خيرًا، أشار إلى ذلك ابن بطال، لكن يحتمل أنْ يكون غضب من قوله: «منه»؛ لأن التبعيض يُفهِم أنَّ مِنه ما يضاد ذلك، وهو قد رَوَى أنه كله خير. فتح الباري (10/ 522).
قوله: «فقال له عِمْرَانُ: «أُحَدِّثُكَ عن رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وتُحَدِّثُنِي عنْ صَحِيفَتِكَ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وتحدثني عن صحيفتك» في رواية أبي قتادة: «فغضب عمران حتى احمرت عيناه، وقال: لا أراني أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعارض فيه» وفي رواية أحمد: «وتَعرض فيه بحديث الكتب» وهذا يؤيد الاحتمال الماضي، وقد ذكر مسلم في مقدمة صحيحه لبُشير بن كعب هذا قصةً مع ابن عباس تُشعِر بأنه كان يتساهل في الأخذ عن كل مَن لقيه. فتح الباري (10/ 522).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
إنَّما غضب عمران بن حصين؛ لأنَّ بُشير بن كعب حدَّثه عن صحيفته فيما كان حدَّثه به عمران عن النبي -عليه السلام-، فهذا أصل أنَّ الحُجة إنَّما هي في سُنة رسول الله، لا فيما يُروى عن كتب الحكمة؛ لأنه لا يُدرى ما في حقيقتها، وقد روى في هذا الحديث عمران أنَّ بُشير بن كعب قال له: إنَّ من الحياء ضعفًا، وعلى هذه اللفظة يكون غضب عمران أوكد؛ لمخالفة لقوله -عليه السلام-: «الحياء لا يأتي إلا بخير». شرح صحيح البخاري (17/ 366).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
لم يُبيِّن أحد ما هذه الصحيفة التي فيها الحكمة، ولعلها أوراق جمعها بُشَيْر بن كعب أثبت فيها حِكَمًا مأثورة عن العرب وغيرهم، أو لعلها مما ترجم إلى العربية من كتب بني إسرائيل مثل أمثال سليمان وجماعته. النظر الفسيح (ص: 234).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
غضَبُه عليه -كما جاء في الحديث حتى شهد له الحاضرون أنَّه لا بأس به- حماية أنْ يُذكر مع السُّنة ما ليس منها، أو تُعارَض بغيرها مما يخالفها؛ لقوله: «ومنه ضعف»؛ ولئلا يتطرَّق مَن في قلبه ريب إلى مثل هذا. إكمال المعلم (1/ 273).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ولم يُنكِر عِمرَانُ على بُشَيرٍ هذا القولَ مِن حيثُ معناه، وإنَّما أنكرَهُ عليه مِن حيثُ إنَّه أتى به في مَعرِضِ مَن يعارضُ كلامَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بكلامِ الحكماءِ ويقاومُهُ به؛ ولذلك قال له: «أُحَدِّثُكَ عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وَتُحَدِّثُنِي عَن صُحُفِكَ!» وقيل: إنَّما أنكَرَه عليه لأنَّه خافَ أن يَخلِطَ بالسُّنَّة ما ليس منها؛ فَسَدَّ ذريعةَ ذلك بالإنكار، والله تعالى أعلم. المفهم (1/ 220).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: ولا يخفى حسن التوجيه السابق (أي: ما ذكره في نقله السابق). فتح الباري (10/ 522).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
يُؤخَذ من الحديث:
1. الحث على التخلُّق بخلق الحياء.
2. أنَّ الحياء الشرعي خير كله، ولو أدى إلى ضياع بعض الحقوق الدنيوية.
3. أنَّ ما يمنع من السؤال في العلم، أو يمنع من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو يمنع من أداء واجب، أو يسمح بفعل محرم، كل ذلك ليس حياء شرعيًّا، وكل ذلك ليس من الإيمان، وكل ذلك لا خير فيه.
4. حرص السلف على صيانة السُّنة من المعارضة، ودفاعهم عنها وغيرتهم عليها.
5. عمل علمائهم على نشر السُّنة والوعظ والتذكير في مجالسهم.
6. أنَّه يجب على من حضر خصومة أنْ يهدئ من ثورتها، ويلطف من حرارتها، ولا يشعل نارها، والله أعلم. فتح المنعم (1/ 143).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: ما ساقه من أجله المصنّف (مسلم) -رحمه الله تعالى-، وهو "بيان كون الحياء من شُعَب الإيمان".
ومنها: أنَّ الحياء كلّه خير، فلا يُستثنى من الحياء شيء، وما يُظنّ من أنَّ بعض أنواعه يظهر فيه الضعف، وأنَّه يمنع صاحبه من أنْ يواجه من يرتكب المنكرات بالإنكار عليه، ويحمله على الإخلال ببعض الحقوق، فليس حياءً شرعيًّا، والمراد في هذه الأحاديث هو ما يكون شرعيًّا، وأما الحياء الذي ينشأ منه الإخلال بالحقوق، فليس مقصودًا؛ إذ هو عجزٌ، ومَهَانةٌ، وإنما يُطلق عليه اسم الحياء لمشابهته للحياء الشرعيّ، وهو خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح...
ومنها: ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من شدّة الإنكار على من عارض السُّنة بغيرها، أيًّا كان نوعه، وهكذا ينبغي أنْ يكون المسلم شديد الغيرة عليها، فيعادي كلّ من يعارضها برأي رآه، أو مذهب قلّده، فإنَّ السُّنة حاكمة على كلّ رأي ومذهب، كما قال -عز وجل-: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} النساء: 65، الآية، وقال -عز وجل-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} الأحزاب: 36، الآية، وقد صحّ عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده، والناس أجمعين» متّفقٌ عليه، وروي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» وهو متكلّم في صحّته، لكن يشهد له الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج(2/ 56-57).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
- الحياء والإيمان قرينان متلازمان.
- الحياء خُلق إيماني لا يُذَمّ.