الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- رخَّصَ لِرِعَاءِ الإبِلِ في البيتوتةِ عن مِنًى، يرمون يومَ النَّحرِ، ثم يرمون الغَدَ أو مِن بعدِ الغَدِ: اليومينِ، ثم يرمونَ يومَ النَّفْرِ».


رواه مالك برقم: (1220)، وأحمد برقم: (23775) واللفظ له، وأبو داود برقم: (1975) والترمذي برقم: (955) والنسائي برقم: (3069) وابن ماجه برقم: (3037)، من حديث عاصم بن عَدِي -رضي الله عنه-.
ولفظ النسائي: «رَخَّصَ للرعاة في البيتوتة يرمون يوم النحر، واليومين اللَّذين بعده يجمعونهما في أحدهما».
وفي لفظ لأحمد رقم: (23776)، والترمذي برقم: (955)، وابن ماجه برقم: (3037): «يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما»، قال مالك: ظننت أنه في الآخر منهما، ثم يرمون يوم النَّفْرِ.
وفي رواية لأبي داود برقم: (1976) والترمذي برقم: (954) وابن ماجه برقم (3036): «أنْ يرموا يومًا، ويَدعُوا يومًا».
إرواء الغليل برقم: (1080)، صحيح أبي داود برقم: (1724، 1725).
والتعليقات الحسان برقم: (3877).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«لِرِعَاءِ»:
(الرِّعَاء)؛ جمع الرَّاعي. قال الأزهري: وأكثر ما يقال: رعاة للولاة، والرعيان لراعي الغنم. لسان العرب (14/ 326).

«البيتوتةِ»:
باتَ الرَّجل يبيتُ ويبات بَيْتُوتَةً، وبَاتَ يفعل كذا إذا فعله ليلًا. مختار الصحاح (ص: 73).

«الغَدَ»:
الغَدْوُ أصلُ الغَدِ، وهو اليومُ الذي يأتي بعدَ يومِك، فحُذِفَت لامُه، ولم يُستعمَلْ تامًّا إلا في الشعر...، والغَدُ: ثاني يومكَ، محذوفُ اللامِ، وربما كُنِّيَ به عن الزَّمن الأخِير، وفي التنزيل العزيز: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ} القمر: 26، يعني: يومَ القيامة، وقيل: عَنَى يومَ الفتح. لسان العرب، لابن منظور (5/ 3220).

«يومَ النَّفْرِ»:
هو يومُ نفور الناس من منًى، وإتمامهم حجهم، وأخذهم في الانصراف بعد الجِمَار والحَلْق والنحر، وهو يوم النفور والنفير، وهو ثالث أيام منًى. مطالع الأنوار، لابن قرقول (4/ 191).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- رخَّصَ لِرِعَاءِ الإبِلِ»:
قال الكماخي -رحمه الله-:
«رَخَّصَ» أي: جوَّز وأباح. المهيأ (2/ 473).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لرِعاة الإبل» بكسر الراء والمد، جمْع راعٍ، أي: لرعاتها. مرقاة المفاتيح (5/ 1845).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
إنَّما رخَّص لرِعاء الإبل لأنَّ عليهم رعْي الإبل وحفظها؛ لتشاغل الناس بنُسكهم عنها، ولا يمكنهم الجمع بين رعيها، وبين الرمي والمبيت، فيجوز لهم ترك المبيت للعذر. شرح سنن أبي داود (9/ 101).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «رخَّص لِرِعاء الإبل...» يقتضي أنَّ هناك منعًا خُصَّ هذا منه؛ لأنَّ لفظة الرخصة لا تُستعمل إلا فيما يخص من المحظور للعذر؛ وذلك أنَّ للرِّعاء عذرًا في الكون مع الظَّهْر (الإبل) الذي لا بد من مراعاته، والرعي به للحاجة إلى الظَّهْر في الانصراف إلى بعيد البلاد، وقد قال تعالى: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُم إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ} النحل: 7، فأُبيح لهم ذلك لهذا المعنى. المنتقى شرح الموطأ (3/ 51).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: رخَّص لهم أنْ يرموا يومَ النَّحْرِ جمرة العقبة، ثم لم يرموا الأول من أيام التشريق، ثم يرموا في اليوم الثاني من أيام التشريق رَمْيَ يومينِ؛ رَمْيَ القضاء، ورَمْيَ الأداء.
فإنْ أرادوا أنْ يرموا في اليوم الأول من أيام التشريق رمي هذا اليوم، ورمي اليوم الثاني؛ حتى لا يجيئوا في اليوم الثاني إلى منى، فهل يجوز أم لا؟
فلا يجوز عند الشافعي ومالك؛ لأنَّ اليوم الثاني لم يجب عليهم في اليوم الأول، فلا يجوز أداء الفرض قبل وجوبه، وأجازه بعضهم. المفاتيح (3/ 339).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد رخص لأهل السقاية وللرعاء في البيتوتة، فمن له مال يخاف ضياعه، أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضًا لا تمكنه البيتوتة، سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء، والله أعلم. زاد المعاد(2/ 267).

قوله: «في البيتوتةِ عن مِنًى»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «في البيتوتة» أي: في تركها. مرقاة المفاتيح (5/ 1845).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«البيتوتة» بفتح الباء الموحَّدة، أي: ترك المبيت بمنى ليالي التشريق، فرخَّص لهم إذا رموا جمرة العقبة يوم النحر أنْ ينفروا، ويدَعُوا المبيت بمنى ليالي التشريق. شرح سنن أبي داود (9/ 99).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «في البيتوتة» مصدر بات، أي: في القيام ليلًا بمنى اللائق للحُجَّاج، أي: أباح لرعاة الإبل ترك البيتوتة بمنى. تحفة الأحوذي (4/ 26).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «في البيتوتة» أي: في شأن البيتوتة بمنى، أو في أيام البيتوتة بمنى، أو رخَّص في البيتوتة خارج منى، أو في ترك البيتوتة. كفاية الحاجة (2/ 244).
وقال القنازعي -رحمه الله-:
رخَّص لرِعاء الإبل في المبيت عن منى ليالي أيام منى؛ من أجل ضرورتهم، وحاجتهم إلى رعْي الإبل، وخروجهم بها إلى المراعي التي تبعُد عن منى، وأما مَن سوى هؤلاء فلا يبيتوا ليالي منى إلا بمنى، فإنْ بات أحدٌ من الحاج في غير منى ليالي منى كان عليه الهدي. تفسير الموطأ (2/ 659).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«في البيتوتة عن منًى» كان مقتضى التركيب أنْ يقول: في البيتوتة في منًى، لكن «عن منى» يحتاج إلى تأويل إما بـ"عن" وإما بالبيتوتة كما مر علينا -في هذا وأمثاله- أنَّ علماء النحو اختلفوا هل التجوُّز في الحرف أو في الفعل الذي قبله -يعني: في العامل الذي قبله-؟
وقلنا: إنَّ مذهب البصريين أنَّ التجوز في العامل الذي قبله، والكوفيين في الحرف، فمثلًا يقولون: "عن" هنا بمعنى الباء، يعني: البيتوتة بمنى، أما البصريون فيقولون: إنَّ البيتوتة بمعنى: النزوح؛ يعني: النزوح عن منى، والبعد عنها، ومعلوم أنهم إذا نزحوا عن منى فلن يبيتوا فيها. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 426).
وقال اللكنوي -رحمه الله-:
وعلى هذا التقرير... يكون رخصتهم لأمرين:
أحدهما: ترك البيتوتة.
وثانيهما: جواز جمع رمي يومين في يوم واحد، ويمكن أنْ يكون المراد بقوله: «يرمون يوم النحر» رَمْيَ يوم النحر في ليلته، فيكون رخصة ثالثة، كما أخرج الطبراني عن ابن عباس «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رخَّص للرعاة أنْ يرموا ليلًا»، وعند الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أنه -صلى الله عليه وسلم- رخَّص للرعاء أنْ يرموا ليلًا، وأيّ ساعة شاؤوا من النهار» ونحوه أخرجه البرّاز من حديث ابن عمرو، بهذا استند الشافعي في أنَّ أوَّل وقت الرمي يوم النحر بعد نصف ليلته، وعندنا (الحنفية) وقته بعد طلوع الفجر. التعليق الممجد (2/ 408).
وقال النووي -رحمه الله-:
ينبغي أنْ يبيت (الحاج) بمنى ليالي أيام التشريق، وهل المبيت بها واجب أم سُنة؟ فيه طريقان أصحهما وأشهرهما وبه قطع المصنف (الشيرازي) والجمهور فيه قولان: أصحهما واجب، والثاني: سُنة...، والطريق الثاني: سُنة قولًا واحدًا حكاه الرافعي، فإنْ تَرَكَ المبيت جبره بدم بلا خلاف، فإنْ قلنا: المبيت واجب كان الدم واجبًا، وإنْ قلنا: سُنة فسنة.
ويؤمر بالمبيت في الليالي الثلاث إلا أنه إذا نَفَرَ النَّفْر الأول سقط مبيت الليلة الثالثة، والأكمل أنْ يبيت بها كل الليل، وفي قدر الواجب قولان...، أصحهما: معظم الليل، والثاني: المعتبر أنْ يكون حاضرًا بها عند طلوع الفجر الثاني. المجموع (8/ 247).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
مبيتُ أرْبَع ليالٍ نُسُكٌ في الحَجِّ: ليلة النحر بمزدلفة، وليالي أَيام التَّشرِيِق بِمِنىً، لكن مبيت الليلة الثالثة منها ليس نُسكًا على الإطلاَق، بل في حقِّ من لم ينفر اليوم الثاني من أيام التشريق. العزيز شرح الوجيز (3/ 431).

قوله: «يرمون يومَ النَّحرِ»:
قال الكماخي -رحمه الله-:
«يرمون» أي: جمرة العقبة «يوم النحر» أي: لا قبله في الليل من نصف الأخير؛ كما قال به الشافعي. المهيأ (2/ 473).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«يرمون يوم النحر» جمرة العقبة، ثم ينفرون، ولا يبيتون بمنى. سبل السلام (1/ 653).
قوله: «ثم يرمون الغَدَ أو مِن بعدِ الغَدِ: اليومينِ»، وفي لفظ «يرمون يوم النحر، واليومين اللَّذين بعده يجمعونهما في أحدهما»:
قال ابن خزيمة -رحمه الله-:
باب ذكر الدليل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما رخَّص للرعاء في ترك رمي الجمار يومًا ويرعوا يومًا في يومين من أيام التشريق، اليوم الأول يرعوا فيه، ويرموا يوم الثاني، ثم يرموا يوم النفر، لا أنه رخص لهم في ترك رمي الجمار يوم النحر، ولا يوم النفر الآخر، وأنهم إنما يجمعون بين رمي أول يوم من أيام التشريق واليوم الثاني فيرمونها في أحد اليومين، إما يوم الأول وإما يوم الثاني من أيام التشريق. صحيح ابن خزيمة (4/ 320).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«ثم يرمون الغدَ» من يوم النحر، وهو اليوم الحادي عشر، وأول أيام التشريق، «ومن بعد الغد» وهو اليوم الثاني عشر «ليومين» أي: ليومين مُتعلِّق بـ «يرمون»، فظاهر الحديث: أنهم يرمون بعد يوم النحر، وهو اليوم الحادي عشر لذلك اليوم ولليوم الآتي، وهو الثاني عشر، ويجمعون بين رمي يومين، بتقديم الرمي على يومه، وفي الترمذي والنسائي وغيرهما من هذا الوجه بلفظ: «رخَّص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لرعاء الإبل في البيتوتة أنْ يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، فيرموه في أحدهما». عون المعبود (5/ 314).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
«ثم يرمون من الغَدِ أو من بعد الغَدِ: ليَوْمَيْن» أي: لأحدهما أداءً، ولآخر قضاءً، ولا يبعد أنْ يكون «أو» للتنويع، أو بمعنى الواو، فلا إشكال. المهيأ (2/ 473).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ثم يرمون ليومين» أي: يرمون اليوم الثالث لذلك اليوم، واليوم الذي فاتهم الرمي فيه هو اليوم الثاني. سبل السلام (1/ 653).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «ثم يجمعوا في يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما» وهذا يتصور على وجهين:
يقيموا بعد يوم النحر حتى يرموا الحادي عشر، فيذهبوا، ثم يأتوا الثالث عشر فيرموا رمي الثاني عشر والثالث عشر، في الثالث عشر.
والثاني: أنْ يذهبوا بعد رمي النحر، حتى يأتوا في الثاني عشر، فيرموا رمي الحادي عشر، والثاني عشر، ثم يقيموا ثمَّةَ، حتى يرموا الثالث عشر رمي هذا اليوم. الكوكب الدري (2/ 155-156).
وقال الكاندهلوي -رحمه الله- معلقًا:
هكذا فُسِّر الحديث بهذين الاحتمالين أكثر شُرَّاح الحديث، كالشوكاني وغيره، وها هنا احتمال ثالث: وهو أنْ يرموا الحادي عشر له وللثاني عشر بجمع تقديم، لكنهم لم يختاروه؛ لأنَّ الجمهور أنكروا جمع التقديم. تعليقه على الكوكب الدري (2/ 156).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
معناه: أنهم يجمعون رمي اليوم التالي ليوم النحر مع اليوم الذي يليه وهو يوم النَّفْر الأول جمع تقديم، فيرمون في اليوم التالي ليوم النحر، ولا يرمون في يوم النَّفْر الأول، أو جمع تأخير فيرمون في يوم النَّفْر الأول، ولا يرمون في اليوم التالي ليوم النحر، فظاهر الحديث أنهم بالخيار، إنْ شاؤوا رموا يوم القر لذلك اليوم ولما بعده تقديمًا، وإن شاؤوا أخَّروا فرموا يوم النَّفْر الأول ليومين تأخيرًا، وإلى ذلك ذهب بعضهم، كما حكاه الخطابي؛ إذ قال: قال بعضهم: هم بالخيار إنْ شاؤوا قدموا، وإن شاؤوا أخَّروا، انتهى، ويؤيد ذلك رواية النسائي بلفظ: «رخَّص للرعاء في البيتوتة يرمون يوم النحر واليومين الذين بعده يجمعونهما في أحدهما» ورواية أحمد وابن ماجه بلفظ: «ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر فيرمونه في أحدهما» ورواية مالك في الموطأ (على ما في طبعات الهند) وفي مسند أحمد والمستدرك للحاكم بلفظ: «ثم يرمون من الغد أو من بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النَّفْر الآخِر».
لكن الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة لم يقولوا بجمع التقديم، فأوَّلوا الحديث إلى جمع التأخير...
(وقال المؤلف بعد أنْ ذَكَرَ بعض الروايات) فهذه الروايات ظاهرة، بل صريحة فيما قال به الجمهور من جمع التأخير...، واختلفوا في دفع هذا الإشكال والاختلاف، فذهب بعضهم إلى أنَّ ما في الترمذي وابن ماجه سهو وخطأ من بعض الرواة، والصحيح ما في مسند أحمد؛ لأنه موافق لتفسير الموطأ الصريح الواضح، وذهب بعضهم إلى توجيه رواية الترمذي، وتأويلها إلى ما في الموطأ والمسند فقال: معنى قوله: «في الأول منهما» أي: بترك الرمي في الأول -أي في الحادي عشر- منهما «وقضائه في اليوم الثاني من أيام التشريق»، وليس المراد الرمي في الأول منهما، ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف.
وقيل: معناه: أنهم يرمون في الأول منهما أي في الحادي عشر كسائر الحُجَّاج، ثم يروحون إلى إبلهم في المراعي، ولا يأتون اليوم الثاني من أيام التشريق أي اليوم الثالث من أيام النحر، وهو يوم النَّفْر الأول، بل يأتون يوم النَّفْر الآخِر، فيجمعون فيه بين رمي يومين، أي رمي اليوم الثاني عشر، ورمي الثالث عشر، أي النَّفْر الآخِر، وفيه أنَّ هذا شيء آخر لا يناسب ما في المسند والموطأ، وقيل في معنى رواية الترمذي غير ذلك.
ثم إنَّ الجمهور بعد ما اتفقوا على جمع التأخير، ونفي جمع التقديم، أي: تقديم رمي يوم على ذلك اليوم، اختلفوا في أنه هل يجب الدم في جمع التأخير أو لا يجب؟ وهل هو أداء أو قضاء؟
فذهبت الأئمة الثلاثة وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة إلى أنه لا يجب عليه دم، وقال أبو حنيفة: إذا طلع الفجر من الغد في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر فات وقت الأداء، فيجب عليه القضاء مع الجزاء إلى غروب آخر أيام التشريق. مرعاة المفاتيح (9/ 326-328).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
إذا أخَّر رمي يوم إلى ما بعده، أو أخَّر الرَّمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السُّنة، ولا شيء عليه، إلا أنَّه يُقدِّم بالنية رمي اليوم الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، وبذلك قال الشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: إنْ ترك حصاة أو حصاتين أو ثلاثًا إلى الغد رماها، وعليه لكل حصاة نصف صاع، وإنْ ترك أربعًا رماها، وعليه دم.
ولنا: أنَّ أيام التشريق وقت للرمي، فإذا أخَّره من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شيء، كما لو أخَّر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته؛ ولأنَّه وقت يجوز الرمي فيه، فجاز لغيرهم كاليوم الأول. المغني (3/ 402).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
قال محمد (ابن الحسن): مَنْ جَمع رَمْي يومين في يوم من عِلَّةٍ أو من غير عِلَّة فلا كَفَّارة عليه، إلا أنَّهُ يُكْرَه له أن يَدَع ذلك من غير عِلة، حتى الغَد.
وقال أبو حنيفة: إذا ترك ذلك حتى الغَد فعليه دَمٌ. المهيأ (2/ 472).

قوله: «ثم يرمونَ يومَ النَّفْرِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«ثم يرمون يوم النَّفْر» أي: اليوم الرابع إنْ لم يتعجلوا. سبل السلام (1/ 653).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
أراد بيوم النَّفْر ها هنا: النَّفْر الكبير، وهذا رخصة رخصها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للرعاء؛ لأنهم مضطرون إلى حفظ أموالهم، فلو أخذوا بالمقام والمبيت بمنى ضاعت أموالهم، وليس حكم غيرهم في هذا كحكمهم.
وقد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يُرمى فيه، فكان مالك يقول: يرمون يوم النحر، وإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد؛ وذاك يوم النَّفْر الأول، يرمون لليوم الذي مضى، ويرمون ليومهم ذلك؛ وذلك أنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه.
وقال الشافعي نحوًا من قول مالك، وقال بعضهم: هم بالخيار إنْ شاؤوا قدَّموا، وإن شاؤوا أخَّروا. معالم السنن (2/ 212).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«ويرمون يوم النَّفْر» أي: الانصراف من منى، وهذا الظاهر خلاف ما فسَّره مالك لهذا الحديث، فقال في الموطأ والزرقاني في شرحه: قال مالك: تفسير الحديث فيما نرى -والله أعلم-: أنهم يرمون يوم النحر جمرة العقبة، ثم ينصرفون لرعيهم، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر وهو ثانيه، أتوا اليوم الثالث رموا من الغد؛ وذلك يوم النَّفْر الأول لمن تعجَّل في يومين، فيرمون لليوم الذي مضى، أي: ثاني النحر، ثم يرمون ليومهم ذلك الحاضر ثالث النحر، ويدل لفهم مالك الإمام رواية سفيان الآتية بلفظ: «رخَّص للرعاء أنْ يرموا يومًا، ويَدَعُوا يومًا» قال مالك: فإنْ بدا لهم النَّفْر فقد فرغوا؛ لأنهم تعجلوا في يومين، وإنْ أقاموا بمنى إلى الغد رموا مع الناس يوم النَّفْر الآخِر، بكسر الخاء، ونفروا، وهكذا قاله مالك والزرقاني في شرحه. عون المعبود (5/ 314).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «ثم يرمون يوم النَّفْر» يحتمل وجهين:
أحدهما: أنْ يريد أنهم يرمون ليومين، يرمون للأول، ثم يرمون يوم النَّفْر وهو يوم رميهم؛ لأنه يوم النَّفْر الأول، فيكون قوله: «ثم يرمون يوم النفر» تفسيرًا لأحد اليومين اللذين يُرمى لهما، واستغنى عن ذكر الأول بقوله: «يرمون ليومين» ثم بيَّن اليوم الثاني منهما، فعُلم بذلك اليوم الأول، وعلى هذا يكون يوم النَّفْر المذكور في الحديث يوم النَّفْر الأول لمن أراد أنْ يتعجل، ويكون فائدة قوله: «ثم يرمون ليوم النَّفْر» أنه لا يجوز أنْ يرمي لليوم الثاني حتى يكمل رمي اليوم الأول.
والوجه الثاني: أنْ يريد بقوله: «يرمون الغد وبعد الغد ليومين» أنْ يُبيِّن بهذا كلامه، ثم استأنف بقوله: «ثم يرمون يوم النَّفْر» لمن لم يرد التعجيل، فالمراد بقوله: «يوم النَّفْر» الثاني، وهو الثالث من أيام التشريق، فعلى هذا فسَّر مالك الحديث، ومَن أراد التعجيل فإنه إذا رمى في اليوم الثاني عن اليوم الأول والثاني تعجَّل، وأجزأه ذلك. المنتقى شرح الموطأ (3/ 52).

وقوله في الرواية الأخرى: «رخَّصَ لِلرِّعَاءِ أنْ يرموا يومًا، ويَدَعُوا يومًا»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«رخَّص للرِعاء» (وفي) رواية الترمذي: «للرعاة» قد يُؤخَذ مِن «رخَّص» أنَّ الأفضل والأكمل المبيت بمنى «أنْ يرموا» الجمار «يومًا، ويدَعوا» بفتح الدال «يومًا» أي: يجوز لهم أنْ يرموا اليوم الأول من أيام التشريق، ويذهبوا إلى إبلهم، فيبيتون عندها، ويدَعُوا يوم النَّفْر الأول، ثم يأتوا في اليوم الثالث، فيرموا ما فاتهم في اليوم الثاني، مع رمي اليوم الثالث؛ لأنَّ الصحيح أنَّ الرمي في أيام التشريق كلها يقع أداءً، فيجب الترتيب في الأيام، كما يجب في الرمي.
وفيه تفسير ثانٍ: وهو أنهم يرموا جمرة العقبة، ويدَعُوا رمي ذلك اليوم، ويذهبوا إلى إبلهم، ثم يأتوا في اليوم الثاني من التشريق ما فاتهم، ثم يرموا عن ذلك اليوم كما تقدم، وكلاهما جائز. شرح سنن أبي داود (9/ 101).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فإنَّ فيه (أي: هذا الحديث): دليلًا على أنَّه يجوز لأهل الأعذار عدم المبيت بمنى، وأنه غير خاص بالعباس، ولا بسقايته، وأنه لو أحدث أحد سقاية جاز له ما جاز؛ لأهل سقاية زمزم. سبل السلام (1/ 653).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
الفرق بين الرّعاء وأهل السِّقاية: أن الرّعاء إذا قاموا حتى غربت الشمس لزمهم البيتوتة، وأهل السقاية بخلاف ذلك؛ لأن الرُّعاة إنما رعيهم بالنهار، فإذا غربت الشمس فقد انقضى وقت الرعي، وأهل السقاية يشتغلون ليلًا ونهارًا، فافترقا، وصار الرعاء كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة لمرضه، فإذا حضرها تعينت عليه، والرعاء أبيح لهم ترك المبيت لأجل الرعي، فإذا فات وقته وجب المبيت. المغني(3/ 427).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
ظاهر حديث عاصم بن عدي أنَّ أهل السقاية يرمون كغيرهم من الحُجَّاج، أما الرعاة فإنهم يرمون يوم النحر مع الناس، ثم يذهبون لرعي إبلهم، فإذا عادوا يوم النفر الأول رموا عن اليومين: الحادي عشر والثاني عشر، ثم يرمون اليوم الثالث عشر إذا لم يتعجلوا، وهذا يدل على أن تأخير الرمي أولى من التوكيل لرمي كلِّ يوم في وقته؛ لأن الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- رخص للرعاة في التأخير، ولو كان التوكيل مشروعًا لهم لأرشدهم إليه؛ لأنه أسهل.
(و) استَدَلَّ بحديث عاصم بن عدي -رضي الله عنه- فقهاء الشافعية والحنابلة وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة على أنَّ أيام التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي، فالرمي في جميعها أداء، فمن رمى عن يوم منها في يوم آخر منها أجزأه، ولا شيء عليه، إلا أنه ترك السُّنة، ووجه الاستدلال: أنه لو لم يكن اليوم الثاني وقتًا لرمي اليوم الأول لما جاز الرمي فيه.
والقول الثاني: أنَّ كل يوم منها مستقل في رميه، فإن فات هو وليلته التي بعده، فات الرمي، وصار قضاءً في اليوم الذي بعده، وعليه دم، على تفصيل عندهم، وهذا قول الحنفية والمالكية؛ لأن الرمي ناقص بتأخيره عن وقته إلى وقت القضاء، فيجبر النقص بالفدية، والقول الأول أرجح؛ لقوة دليله. منحة العلام (ص: 265).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث فوائد:
من فوائد الحديث: شمول الشريعة الإسلامية، وأنها تلاحظ حتى البهائم العجم؛ وذلك بترخيص ترك هذه الشعيرة من أجل مراعاة هذه الإبل.
ومن فوائد الحديث: أنَّ المشتغل بالمصالح العامة يسقط عنه وجوب المبيت في منًى؛ لأنَّ هؤلاء الرعاة سقط عنهم المبيت في منى لقوله: «أرخص» والترخيص بمعنى: التسهيل، ولو لم يكن المبيت واجبًا لكان رخصة لهؤلاء ولغيرهم؛ لأن غير الواجب لا يلزم به الإنسان فهو في سهولة منه...
ومن فوائد الحديث: وجوب رمي الجمرات؛ لأنه لم يسقط عن هؤلاء لإمكان قضائه، لكن المبيت لا يمكن قضاؤه، لكن الرمي فِعْلٌ -عمل-يمكن قضاؤه، إذن فيستفاد منه: وجوب الرمي؛ لأنه لو لم يجب لقلنا: إنه سُنة فات محلها بيومها فلا تقضى، ولكنه يجب قضاؤه.
ومن فوائد الحديث: منع الاستنابة في الرمي، ووجهه: أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يرخِّص لهم أن يستنيبوا غيرهم في الرمي عنهم مع أنَّ الحاجة قد تكون داعية لذلك، ولو كانت الاستنابة جائزة في الرمي لأجازه النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم...
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز جمع رمي أيام التشريق، لكن تأخيرًا لا تقديمًا؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أذن لهؤلاء أن يجمعوا تأخيرًا، ولو كان تقديمًا لرموها يوم العيد، لكن تأخيرًا.
ومن فوائده: أنه لا يجوز للقادر أن يؤخر يوم رمي إلى اليوم الذي بعده، وجه الدلالة: أنه قال: «رخص» والترخيص يدل على أنه في غير هذه الحال ممنوع؛ لأن الترخيص خُصّ بحالة معينة تقتضي التسهيل، وعلى هذا فلا يجوز أن نجمع أيام التشريق، أي: رمي أيام التشريق إلى آخر يوم بل نرمي لكل يوم في يومه، ومَن ذهب إلى ذلك من أهل العلم فمذهبه ضعيف لهذا الحديث؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يرمي لكل يوم في يومه، ويقول: «خذوا عني مناسككم».
ومن فوائد هذا الحديث: أنَّ هذا الدين يسر، وأنَّه كلما وُجد سبب التيسير حل التيسير...
على كل حال: إن كل شيء شرعه هذا الدين فهو ميسَّر من أصله...، إذا وجد عارض يقتضي التيسير أكثر فإنه ييسره: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» هذا من التيسير بدلًا من أن يكلف الرعاة أن يأتوا فردًا كل يوم يرموا رخَّص لهم أن يؤخروا. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 427-428).


وللمزيد من الفائدة ينظر:

الرخصة للعباس رضي الله عنه في ترك المبيت بمنى لأجل السقاية.

هل يعذر أهل التجارة عن المبيت بمنى قياسًا على أهل الرعاية والسقاية ؟


إبلاغ عن خطأ