الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«لو يعلمُ النَّاسُ ما في النِّداء والصَّفِّ الأوَّلِ، ثم لم يجدُوا إلا أن يستَهِمُوا عليه لاستهمُوا، ولو يعلمونَ ما في التَّهجيرِ لاستبقوا إليهِ، ولو يعلمونَ ما في العَتَمَةِ والصُّبحِ لأتوْهما ولو حَبْوًا».


رواه البخاري برقم: (615)، ومسلم برقم: (437)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«النِّدَاء»:
النِّداءُ الصوت وقد يُضم، ونَادَاهُ مُنَادَاةً ونِدَاءً صاح به ونَادَاهُ أيضًا جالَسَه في النادي، وتَنَادَوا نادى بعضهم بعضًا، وتنادوا أي تَجَالَسوا في النادي. مختار الصحاح (ص: 688)

«يَستَهمُوا»:
اسْتَهَموا: تقارعوا. مختار الصحاح (ص: 326)
وقال البغوي -رحمه الله-:
الاسْتِهامُ: الاقتراعُ، يقال: اسْتَهَمَ القومُ فسَهمَهم فلانٌ، أي: قَرَعَهُم. شرح السنة، للبغوي (2/ 230).

«التَّهْجِير»:
التَّهجيرُ: التَّبكيرُ إلى كلِّ شيءٍ والمبادرةُ إليه، يقال: هجَّرَ يُهجِّرُ تهجيرًا، فهو مُهَجِّرٌ، وهي لغةٌ حجازيةٌ، أرادَ المبادرةَ إلى أوَّلِ وقتِ الصَّلاةِ. النهاية، لابن الأثير (5/ 246).

«حَبْوًا»:
الحَبْوُ: أن يمشي على يديهِ وركبتيهِ، أو استهِ، وحبَا البعيرُ إذا بَرَكَ ثم زَحفَ من الإعياءِ، وحبا الصبيُّ: إذا زحفَ على اسْتهِ. النهاية، لابن الأثير (1/ 336).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
الحَبْوُ: المَشْيُ على الوَرِكينِ والزَّحفُ عليهما كما يفعله المُقعَدُ والصَّغيرُ، وقيل: المَشْيُ على اليديْنِ والرُّكبتينِ. الكوثر الجاري (2/ 279).


شرح الحديث


قوله: «لو يعلمُ النَّاسُ ما في النِّداءِ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله «ما في النِّداء» أي: الأذان، وهي رواية بشر بن عمر عن مالك عند السراجِ. فتح الباري (2/ 96).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لو يعلمُ النَّاس» من المؤمنين «ما في النِّداء» بالأذانِ للصلوات. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 185).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال أبو جعفر الداودي: يريدُ لو يعلمون ما فيه من عِظَمِ الثَّواب لبادروا إليه جميعًا، فلا يبقى مَن يقيمُ لهم الجمعةَ؛ لأنَّ إمامَ الجمعة لا يكون مُؤَذِّنًا، وإنما يؤذِّنون بين يديه إذا جلسَ على المنبرِ، ولذلك قال عمر: لولا الخلافة لأذَّنتُ. شرح صحيح البخاري (2/ 244).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
النِّداء: الأذان، أي: لو يعلمون ما في التأذين من الفضلِ والثَّواب... ويحتمل أن يكون المراد به: الإقامة، على تقدير مضاف، وهو أوفقُ لما بعده، أي: لو يعلمونَ ما في حضورِ الإقامة، وتَحرم الإمام والوقوفِ في الصَّف الأوَّل. تحفة الأبرار (1/ 243).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وفي قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لو يعلمونَ ما في النِّداءِ ...» دليلٌ على أن الأذانَ لا يشرعُ إعادته مرةً بعد مرةٍ، إلا في أذان الفجر، كما جاءت السُّنة به، وإلا فلو شُرعت إعادتهُ لما استَهَمُوا، ولأذَّن واحدٌ بعد واحدٍ، وقد صرَّح بمثل ذلك بعضُ أصحابنا، وقال: مع التزاحم يؤذِّن واحدٌ بعد واحد، وهو مخالفٌ للسُّنَّة، وروي عن عمرَ أنه اختصم إليه ثلاثة في الأذان، فقضى لأحدهم بالفجر، وللثاني بالظهر والعصر، وللثالث بالمغرب والعشاء، وقد قيل: إن أبا بكر الخلال خرَّجه بإسناده، ولم أقف إلى الآن عليه... وأما أذان بلال وابن أم مكتوم فكان في الفجرِ، ولم يؤذِّنا جملةً، فلا يدلُّ على الاجتماع على الاذان بحال، وقد علَّلَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أذانَ بلال، فقال: «ليرجع قائمُكم، ويوقظ نائمَكم» وهذا المعنى لا يوجد في غير صلاةِ الصُّبح، ولا روي في غير الصُّبح أنه أُذّن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرتين، وفي الصحيحين عن ابن عمر: «كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- في مسجد واحد مؤذنان: بلال وابن ام مكتوم»، وهذا يُستدلُّ به على أنه يُستحبُ نصب مؤذَّنَينِ للمسجد؛ خشيةَ أن يغيبَ أحدُهما فيؤذن الآخرُ؛ لئلا يتعطَّل الأذانُ مع غَيبتهِ. فتح الباري (5/ 289 - 291)
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ولو جازَ أذان اثنين فصاعدًا لكان أصحابُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحقَّ النَّاس بأن لا يُضيِّعُوا فضلَهُ؛ فما فعلُوا ذلك، وما كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا مؤذنان فقط. المحلى(2/ 180).

قوله: «والصَّفِّ الأوَّل»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله «والصَّف الأوَّل» زاد أبو الشيخ في رواية له من طريق الأعرج عن أبي هريرة: «من الخيرِ والبرَكةِ». فتح الباري (2/ 96).
وقال ابن سيد النَّاس -رحمه الله-:
وقد جاء في لفظ مسلم: «لو تعلمونَ ما في الصَّفِّ الأوَّل المقدَّمِ» وفيه أيضًا مع فضل الصَّف الأوَّلِ ذكر فضل التَّهجير والمسابقة فدلَّ على أنه غير الصَّف الأوَّل، وحكى الماوردي عن غيره: قيل: هو الصَّف الأوَّل في الجهاد، فهو الذي تنالُ فيه المشقات، وفيه بُعدٌ. النفح الشذي شرح جامع الترمذي (4/ 204).
وقال النووي -رحمه الله-:
ولو يعلمون ما في «الصَّف الأوَّل» من الفضيلة ... وجاءوا إليه دفعةً واحدةً وضاقَ عنهم ثم لم يسمح بعضُهم لبعض به لاقترعوا عليه. شرح صحيح مسلم (4/ 158 - 160).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ولا أعلم خلافًا بين العلماء أن من بَكَّرَ وانتظر الصلاة -وإن لم يصلِّ في الصَّف الأوَّل- أفضلُ ممَّن تأخر ثم تخطَّى إلى الصَّف الأوَّل، وفي هذا ما يوضح لك معنى فضل الصَّف الأوَّل أنه ورد من أجل البُكورِ إليه والتّقدُّم -والله أعلم-. التمهيد (13/ 542).
وقال أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-:
وقوله «الصَّفِّ الأوَّل» ليس فيه أثرٌ صحيح يعوَّل عليه، حاشا قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خيرُ صفوفِ الرجالِ أوَّلها» وقوله: «لِيَلِنِي منكم أولوا النُّهى والأحلام» وهي أربع مراتب:
الأولى: السَّبق إلى المسجد ودخول الصَّف الأوَّل، وهو أفضلها.
ثانيها: تأخَّرَ إقبالُه، وصلَّى في الصَّف الآخِر فذلك شرُّها.
ثالثها: سبقَ إلى النِّداء لكنَّه صلَّى في الآخِر.
رابعها: تأخرَ عن إجابة الداعي، فلما جاء المسجد دخلَ في الصَّف الأوَّل، قال العلماء: هما سواء، وعندي أن الرابع أفضلُ من الثالث. المسالك في شرح موطأ مالك (2/ 319 - 320).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وأما الصَّفُّ الأوَّل؛ فللقرب من الإمام، واستماع القراءة، وسلامة مَن دخل الصَّف الأوَّل مِن تَخطي النَّاس، وتمكُّنهِ من الجلوس، ولا يخفى عليه شيءٌ من أحوالِ الإمامِ، ويكون هو مقتديًا بالإمام، ومَن وراءه يَقتدي بهِ، فيكون له ثوابهُ، وثوابُ من يصلِّي وراءهُ؛ لأنه هو الوصلة بينه وبين الإمام، وكذلك له ثوابُ من يصلي وراء مَن يصلي وراءه هكذا، ما اتَّصلت الصَّفوفُ؛ لأنهم به يقتدون، وعلى فعله يَبْنونَ. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 414).
وقال العيني -رحمه الله-:
وفيه: فضيلة الصَّف الأوَّل؛ لاستماع القرآن إذا جهر الإمامُ، والتأمين عند فراغه من الفاتحةِ، والتكبير عقيبَ تكبير الإمامِ، وأيضًا يحتمل أن يحتاج الإمام إلى استخلافٍ عند الحَدَثِ فيكون هو خليفتهُ، فحصل له بذلك أجرٌ عظيمٌ، أو يضبط صفة الصلاة وينقلُها ويعلمها النَّاس. عمدة القاري (5/ 125 - 126).

قوله: «ثمَّ لم يجِدوا إلا أن يسْتهمُوا عليه لاستهمُوا»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله «ثم لم يجِدوا» في رواية المستملي والحموي: «ثم لا يجِدونَ»، وحكى الكرماني أن في بعض الروايات: «ثم لا يجدوا» ووجَّههُ بجواز حذفِ النون تخفيفًا، ولم أقف على هذه الرواية. فتح الباري (2/ 96).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«لاستهمُوا» أي: لاقترعُوا، كما في مسلم: «لكانت قرعةً»، وقيل: المراد: لترامَوا بالسِّهام مبالغةً، كما في رواية: «لتجالدوا عليه بالسيوفِ». التوشيح شرح الجامع الصحيح (2/ 654).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله «عليه» أي: على ما ذكرَ؛ ليشملَ الأمرين الأذانَ والصَّفَّ الأوَّلَ ... وقال ابن عبد البر: الهاء عائدةٌ على الصَّف الأوَّل لا على النِّداء، وهو حق الكلام؛ لأن الضمير يعود لأقرب مذكور، ونازعه القرطبي وقال: إنه يلزم منه أن يبقى النِّداء ضائعًا لا فائدة له، قال والضمير يعود على معنى الكلام المتقدم، ومثله قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} الفرقان: 68، أي جميع ذلك، قلت: وقد رواه عبد الرزاق عن مالك بلفظ: «لاستهموا عليهما»، فهذا مفصحٌ بالمرادِ من غير تكلفٍ. فتح الباري (2/ 97).
وقال النووي -رحمه الله-:
والاستهامُ: الاقتراعُ، ومعناه أنهم لو علموا فضيلةَ الأذان وقدرها وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقًا يُحَصِّلونه به لضيق الوقت عن أذانٍ بعد أذانٍ؛ أو لكونه لا يؤذِّن للمسجد إلا واحدٌ، لاقترعوا في تحصيله. شرح صحيح مسلم (4/ 158).
وقال ابن سيد النَّاس -رحمه الله-:
اختلفوا: هل المراد بالنِّداء هنا النِّداء للجمعة فقط، أو لها ولغيرها؟ وإلى الأوَّل ذهب الداودي وإلى الثاني ذهب الجمهور، وإنما يقع الاستهام على النِّداء إذا استووا في معرفه الوقت وغيره مما هو مطلوبٌ في المؤذِّن... وأما إذا كان للمسجد مؤذن تقدم لمراعاة الوقت فهو أحقُّ من غيره، وإن ساواه بمعرفته لولايته السابقة، كما أن السَّابق إلى الصَّف أحق به، وإنما يصح الاستهام عليه إذا قدَّرنا وصول الجماعة إليه في حالة لا يسع جميعهم وهم متساوون في مرتبة، فأما إذا تفاوتت مراتبهم وبعضهم من أهل العلم والنُّهى، فمَن كان كذلك فهو أحقُّ بالقرب من الإمام دون قُرعةٍ كمن سبق إليه، هذا إن حملنا الاستهامَ على الحقيقةِ، وقد اختار بعضُهم حمله على المجازِ والتمثيلِ، فيكون المراد بالاستهام الإشارةُ إلى تأكدِ طلبية ذلك السَّبق والحرصِ عليه، وهو حسنٌ. النفح الشذي شرح جامع الترمذي (4/ 204 - 205).

قوله: «ولو يعلمونَ ما في التَّهجيرِ لاستبقُوا إليه»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
فلما فرغ من الترغيبِ في الاستباق إلى الصَّفِّ الأوَّلِ عقَّبهُ بالترغيبِ في إدراكِ أوَّلِ الوقتِ، ولذلك أوجب أن يفسَّرَ «التَّهجير» بالتبكير، كما ذهب إليه الكثيرون. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 897).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
والتَّهجير: السَّير في الهاجرةِ، وهي: شدة الحرِّ، ويدخل في معنى التَّهجير: المسارعةُ إلى الصلواتِ كلِّها قبل دخول أوقاتها؛ ليحصل له فضلُ الانتظار قبل الصلاة. شرح صحيح البخاري (2/ 280).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
وروى مالك بن أنس عن سُمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لو يعلمُ النَّاس ما في التَّهجير لاستبقوا إليه» وفي حديث آخر: «المهجِّرُ إلى الجمعةِ كالمهدي بدنةً»، يذهب كثيرٌ من النَّاس إلى أن التَّهجيرَ في هذه الأحاديث تفعيلٌ من الهاجرةِ وقتَ الزوال، وهو غلطٌ، والصواب: ما رواه أبو داود المصاحفي عن النضر بن شميل أنه قال: التَّهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير ... قلت: وهذا صحيح، وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس ... وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لو يعلم النَّاس ما في التَّهجيرِ لاستبقوا إليه» أراد به التَّبكير إلى جميع الصلوات وهو الذهاب إليها في أول أوقاتها. تهذيب اللغة (6/ 30).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله «التَّهجير» أي التَّبكير إلى الصلاة، قال الهروي: وحمله الخليل وغيره على ظاهره، فقالوا: المراد الإتيان إلى صلاة الظهرِ في أوَّل الوقت؛ لأن التَّهجير مشتقٌّ من الهاجرة وهي شدة الحر نصف النهارِ وهو أول وقت الظهر ... ولا يَرِد على ذلك مشروعيةُ الإبراد؛ لأنه أُريد به الرِّفق، وأما مَن ترك قائلتهُ وقصد إلى المسجد؛ لينتظرَ الصلاةَ فلا يخفى ماله من الفضلِ ... قوله «لاستبقوا إليه» قال بن أبي جمرة: المراد بالاستباق معنًى لا حسًّا؛ لأن المسابقةَ على الأقدام حسًّا تقتضي السُّرعةَ في المشيِ وهو ممنوعٌ منه، انتهى. فتح الباري (2/ 97).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لاستبقوا إليه» أي: لبادرَ كلُّ واحدٍ حتى يكون سابقًا، وفي لفظِ الاستباق دليلٌ أن المراد بالتَّهجير الخروجُ للجماعات إلى المساجدِ، فلا يدخلُ من صلَّى في منزله أوَّلَ الوقت في ذلك. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 185).

قوله: «ولو يَعلمونَ ما في العَتَمَةِ والصُّبحِ»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وأما قوله في هذا الحديث: «لو يعلمونَ ما في العَتَمَة والصُّبح» ففيه جواز تسمية العِشاء بالعَتَمَة، وهو معارض لحديث أبي سلمة عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم هذه؛ إنما هي العِشاء؛ وإنما يسمونها العَتَمَة لأنهم يعتمونَ بالإبلِ» وإسناد هذا الحديث ليس له من الطرق ما للأحاديث في تسمية العِشاء بالعَتَمَة، فجائزٌ بالكتاب والسُّنة أن تسمى بالاسمين جميعًا، ولا أعلم خلافًا اليوم بين فقهاء الأمصارِ في ذلك. الاستذكار (2/ 146).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وأما الصُّبح والعَتَمَة فإنهما يخلوان في الأكثر من رؤية أكثر النَّاس، فالمنافق والمرائي الذي لا يصلِّي إلا لأجل النَّاس، لا يمكنه في العصرِ والظهر ما يمكنهُ في الفجر، فإنه يغلظ في الفجرِ والعَتَمَة. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 414).
وقال أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-:
وأما فضلُ العَتَمَة والصُّبحِ ففيها أحاديث صحاحٌ كثيرةٌ أمهاتها أربعة:
الأوَّل: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأخَّرت العِشاءِ إلى شطرِ الليل».
الثاني: قوله: «أثقل الصلاةِ على المنافقين العَتَمَة والصُّبحُ» وهذا صحيح؛ فإنه لا ينشط لهما إلا منشرحُ الصدرِ، خفيفٌ إلى العمل، ثقيلٌ على داعي البطالة والرَّاحة.
الثالث: قوله: «يتعاقبونَ فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكة بالنهار» ... والصُّبح فاتحةُ الحياة، ومبدأ الأعمالِ، كما أن العصر والعَتَمَة فاتحةُ الصحائف، وربما إذا صلى العَتَمَة لم يصلِّ بعدها أبدًا.
الرابع: حديث عثمان -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من صلى الصُّبح في جماعة فكأنما قام ليله، ومن صلى العشاءَ في جماعةٍ فكأنما قام نصف ليله»، فمن علمَ هذه الفضائل يقين علمها، وقدرها حقَّ قدرِها، سعى إليها يحبو، وجاءها يستقلُّ تارةً ويكبو، وما توفيقنا إلا بالله. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: 202 - 203).

قوله: «لأتَوْهما ولو حَبْوًا»:
قال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «لأتَوهما» أي: لأتوا المحلَّ الذي يصلِّيان فيه جماعة وهو المسجد، قوله: «ولو حَبْوًا» أي: زحفًا إذا منعهم مانعٌ من المشيِ كما يزحف الصغيرُ، ولابن أبي شيبة من حديث أبي الدرداء: «ولو حَبْوًا على المرافقِ والرُّكَبِ». نيل الأوطار (2/ 21).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقوله: «ولو حَبْوًا»، يعني: لأتاهما من لا يقدرُ على المشيِ كالمُقعدِ وشبِههِ. شرح صحيح البخاري (2/ 245).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«لأتوهما ولو حَبْوًا» بفتح الحاء المهملة، وسكون الموحدة، أي: مشيًا على اليدينِ والركبتينِ أو على مقعدته، وحثَّ عليهما لما فيهما من المشقةِ على النفوسِ. إرشاد الساري (2/ 9).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: ندبٌ إلى الأذان، وإنه لكذلك؛ لأنه إعلانٌ بتوحيد الله -سبحانه-، والمؤذِّن يبلغ جهده برفعِ صوته، فيذكِّرُ الغافلين، ويعود قدوةً للذاكرين، فكلُّ مَن يقول مِثل ما يقول فإنه يجدِّدُ إسلامه؛ ليدخل في الصلاة بإسلامٍ جديدٍ غير منثلمٍ بما عارضه في نفسه؛ أو خالجه في قلبه من خاطر سيئٍ، فيكون أجره وأجر شهادته لمَن سنَّ هذه السُّنة وبدأ بها، وهو المؤذِّن؛ لأن مَن سنَّ سُنة خيرٍ فله أجرها، وأجر من عمل بها، فكيف بما في الأذان من الفضائل؟! الإفصاح (6/ 413).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديثِ: تسميةُ العِشاء عَتَمةً، وقد ثبت النهيُ عنه، وجوابه من وجهين: أحدهما: أن هذه التَّسميةَ بيانٌ للجواز، وأن ذلك النَّهي ليس للتحريم، والثاني وهو الأظهر: أن استعمال العَتَمَة هنا لمصلحةٍ ونفيِ مفسدة؛ لأن العربَ كانت تستعملُ لفظة العِشاء في المغرب، فلو قال: "لو يعلمون ما في العشاء والصُّبح" لحملوها على المغرب ففسد المعنى وفات المطلوب، فاستعمل العَتَمَة التي يعرفونها ولا يشكُّون فيها، وقواعد الشرع متظاهرةٌ على احتمال أخفِّ المفسدتين لدفع أعظمهما. شرح صحيح مسلم (4/ 158).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفى الحديث: حجةٌ لتفضيلِ الصَّف الأوَّل، وقد اختُلف فيه أهو الصَّف المقدَّم فيكون هذا الفضل لمن صلَّى فيه وإن جاء آخِرًا؟ أم هو السَّبق إلى المسجدِ وإن صلَّى آخره؟ أم هما في الأجر سواء، وكلاهما صفٌّ أوَّلٌ في المعنى هذا بصورته وهذا بسبقه؟ والأوَّل أظهرُ وأصحُّ، وقد جاء مبيّنًا في أحاديث ذكرها مسلم، منها قوله: «لو يعلمون ما في الصَّف المقدَّمِ» وقوله: «خيرُ صفوف الرجالِ أوَّلها، وشرُّها آخرها» وقوله: «لا يزال قومٌ يتأخَّرون حتى يؤخِّرَهم اللهُ»؛ ولأنه قد ذُكر في الحديث نفسه التَّهجير والمسابقة، فدلَّ أنه غيرُ الصَّف الأوَّل. إكمال المعلم (2/ 349).


وللمزيد من الفائدة ينظر:

شرف المؤذنين وعلوّ منزلتهم يوم القيامة.

فضل الصلاة في الصف الأول.


إبلاغ عن خطأ