الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

رأيتُ أبا قتادةَ أصغى الإناءَ للهِرَّةِ، فشربَتْ، فقالَ: أتعجبينَ؟ إنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا: «أنها ليستْ بنجسٍ، إنها من الطوَّافينَ عليكم والطوَّافاتِ».


رواه أحمد برقم: (22636) واللفظ له، وأبو داود برقم: (75)، والترمذي برقم: (92)، والنسائي برقم: (68)، وابن ماجه برقم: (367)، من حديث كبشة بنت كعب بن مالك عن أبي قتادة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ لأبي داود برقم (76): «وقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتوضأ بفضلها».
وفي لفظ لأحمد برقم: (22637): «السِّنَّورُ من أهلِ البيتِ...».
صحيح الجامع برقم: (3694)، إرواء الغليل برقم: (173).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أَصْغَى»:
وأَصْغَى ‌الإناء للهرة: أَمَالَهُ. أساس البلاغة، للزمخشري (1/ 549).

«الهِرَّة»:
‌الهِرُّ: هو السِّنَّور المتقدم، وهو القِطّ، ‌حيوان معروف في الدُّور. الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي، لابن المبرد (2/ 478).

«الطَّوَّافين»:
أي: مِن الخدم، والطائف هو الخادم. غريب الحديث (2/ 43).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الطائف: الخادم الذي يخدمك برفق وعناية، والطوّاف: فعّال منه، شبَّهَهَا بالخادم الذي يطوف على مولاه ويدور حوله، أخذًا من قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} النور: 58. النهاية (3/ 142).


شرح الحديث


قوله: «رأيتُ أبا قتادة أصغى الإناء للهرة، فشربت»:
قال الباجي -رحمه الله-:
«فأصغى لها الإناء» يريد أنه أماله لها؛ يمكِّنها من الشرب؛ ابتغاء الأجر في ذلك؛ لأنها من ذي الكبد الرطبة. المنتقى شرح الموطأ (1/ 61).
وقال محمد اليفرني -رحمه الله-:
ومعنى: «أصغى لها الإناء»: أماله، وكل شيءٍ أَمَلْتَهُ فقد أَصْغَيْتَه. الاقتضاب (1/ 50).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وفي إصغاء الإناء لها فائدتان:
إحداهما: طلب الأجر في ذي الكبد الرطبة.
والثانية: الابتداء بتمكينها من الماء؛ إشارة إلى أن طهارة سؤرها أصلية، وأن ما يعرض من حالها المتوهمة بأكلها للنجاسة ساقط الاعتبار، وهذا ما لم ترَ في فمها أذى، أو تمشي على عينك من النجاسة إلى الماء، فإن ذلك لا يجوز حتى تغيب عنك فتعود إلى أصلها، الذي حَكَمَ لها به النبي -صلى الله عليه وسلم-. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: 145).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
إصغاؤه الإناء؛ لتسهيله الشرب عليها، وهو من باب الإحسان إلى البهائم، وطلب الأجر في كل كبد رطبة، والتسبب إليه، وهو من دقيقه. شرح الإلمام (1/ 494).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وقد سقى أبو قتادة الهرة ولم يستأذنها، وفيه دليل على جواز مثل هذا للضيف، وعلى أن الضيف إذا قدم إليه خبز ونحوه أن يُطعم الهرة منه، خلافًا لما قاله أصحابنا: إنه ليس له إطعام هرة وسائل، ويلقم الأضياف بعضهم لبعض.
«فأصغى لها الإناء حتى شربت» فيه دليل على فضيلة سقي الحيوان المحترم وإطعامه والنفقة عليه، وأن الأجر في الإحسان إليه؛ لما في الحديث: «في كل كبد حَرَّى أجر». شرح سنن أبي داود (1/ 567).

قوله: «فقال: أتعجبين؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أتعجبين» أي: بشربها من وضوئي. مرقاة المفاتيح (2/ 454).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«أتعجبين» من إصغائي الإناء لها وشربها من وضوئي؟ بذل المجهود (1/ 421).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
فيه: استعمال حُسن الأدب مع الأكابر؛ لعدم إنكارها عليه فيما تعجبت منه، أو شكَّت في جوازه، ويدخل فيه ما هو من جنسه.
(و) فيه مع ذلك التنبيه على ما يعرض للسائل، ويقع في نفسه؛ لتقع الفائدة والعلم بما لعله يحتاج إليه...
في قوله: «أتعجبين» عدول إلى أحسن العبارتين، وألطف المخاطبتين؛ لأنه لم يقل: أتُنْكِرين؟ وإنما قلنا: إنه أحسن المخاطبتين؛ لأن قوله «أتعجبين» لا ينافي عدم الإنكار، فقد يعجب الإنسان من الشيء ولا ينتهي إلى أن ينكره؛ أي: يرده نكرًا، وفي قوله: "أتنكرين" ما ينافي عدم الإنكار، ونسبة المخاطب إلى الإنكار إيحاش له؛ لما فيه من الحُكم بالمنافرة والمعاندة، بخلاف نسبته إلى التعجب. شرح الإلمام (1/ 495- 496).

قوله: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا: «أنها ليست بنجس»:
قال الدهلوي -رحمه الله-:
وقوله: «إنها ليست بنجس» هكذا وقع بلفظ التذكير في نسخ المشكاة والمصابيح، ولكنها في الشروح والكتب: «إنها ليست بنجسة» بلفظ التأنيث، ووقع في نسخة جامع الترمذي قديمة صحيحة بخط المغرب، وكذا كتاب الخرقي أيضًا بالتذكير، فغير بعد ذلك بالتاء، ويظهر بذلك أن أصل لفظ الحديث بالتذكير، وكذلك في الحديث الآتي، ونقل في الحاشية من بعض الشروح أنه بكسر الجيم وهو القياس، وإنما لم تلحق التاء لأنه في معنى السنور، وقال بعض الأئمة: إنه بالفتح بمعنى النجاسة، فالتقدير: إنها ليست بذات النجس. لمعات التنقيح (2/ 215).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «إنها ليست بنجس» بفتح الجيم، يقال لكل مستقذر: نجس، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} التوبة: 28، وهذا تعليل لإصغائه الإناء لها. شرح سنن أبي داود (1/ 220).
وقال الباجي -رحمه الله-:
إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنها ليست بنجس»، وهذا اللفظ ينفي نجاسة العين، فكل حي طاهر، فالهرة عند مالك طاهرة العين، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: هي نجسة العين، ولكنه لما لم يمكن الاحتراز منها عفا عن سؤرها، وظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنها ليست بنجس» ينفي نجاسة العين والله أعلم وأحكم، وأما نجاسة المجاوَرَة فهو أمر طارئ والأصل عدمه، فإذا ظهرت النجاسة في فيها أو علمتَ بتناولها الميتة فهي نجسة بالمجاورة، وإذا شربت في إناء ماء فغلب الماء النجاسة طهر فمها وكان الماء طاهرًا. المنتقى شرح الموطأ (1/ 62).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
(و) فيه دليل على أن اجتناب النجاسة وما يتصل بها أمر متقرر في أنفس حملة الشرع وأهل الإسلام، وذلك من تعجُّب كبشة، ومن تقرير أبي قتادة على التعجب، وجوابه بأنها ليست بنجس؛ لأن النجس يُجتنب.
‌‌(و) فيه سؤال العالِم عن الحالة التي توقع عنده احتمال غلط الجاهل واعتقاده ما ليس بصحيح؛ ليبين أنه صحيح.
‌‌(و) فيه ذكر الدليل مع الحكم؛ لتحصل الثقة للجاهل به، ويطمئن قلبه إليه، وهكذا ينبغي للمفتي إذا أفتى بشيء ظهر له توقُّف المستفتي فيه، وعدم فهمه لعلته، أن يذكر له الدليل؛ لتسكن نفسه، وتنتفي عنه عوارض الشكوك، وكذلك الحاكم إذا حكم بما لا يظهر وجهه للمحكوم عليه، وقد ينسبه فيه إلى الظلم، فينبغي أن يبين له وجهه...
(و) فيه استدلال على طهارة السؤر، باللفظ الدال على طهارة الجملة، فتأمله. شرح الإلمام (1/ 495- 496).

قوله: وفي لفظ: «السِّنَّورُ من أهلِ البيتِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«السِّنَّور» بكسر المهملة وتشديد النون الهِرّ. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 72).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«السنور من أهل البيت» أي: الذي هو فيه، يعني حكمه حكمهم في أنه لا ينجس ما ولغ فيه. التنوير شرح الجامع الصغير (6/ 479).

قوله: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنها»: استئناف فيه معنى التعليل أي: لأنها. مرقاة المفاتيح (2/ 454).
وقال الباجي -رحمه الله-:
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما هي من الطوافين عليكم» تنبيه على تعذر الاحتراز منها، وإشارة إلى تأكد طهارتها؛ لعلة مؤثرة فيها، وقوله: «أو الطوافات» يحتمل أن يكون على معنى الشك من الراوي، ويحتمل أن يكون -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك يريد أن هذا الحيوان لا يخلو أن يكون من جملة الذكور الطوافين أو الإناث الطوافات.
ومعنى ذلك: لا بأس باستعمال سُؤرها إلا أن يرى في فيها نجاسة، وقال ابن حبيب (المالكي): وإن وجدت عنه غنى فهو أحب إليّ، ومعنى ذلك: التوقي مما يحصل في الماء من ريقها وربما غلب عليه، وهذا على معنى الاختيار، وأما الإباحة فمتفق عليها. المنتقى شرح الموطأ (1/ 62).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفيه: دليل على أن ما أبيح لنا اتخاذه فسؤره طاهر؛ لأنه من الطوافين علينا، ومعنى «الطوافين علينا»: الذين يداخلوننا ويخالطوننا، ومنه قول الله -عز وجل- في الأطفال: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} النور: 58، وكذلك قال ابن عباس وغيره في الهرّ: إنها من متاع البيت... عن ابن عباس قال: "الهر من متاع البيت"، والطوَّاف الخادم، ومن ذلك قوله: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ} الواقعة: 17، أي: يخدمهم ولدان، ويترددون عليهم بما يشتهون. التمهيد (1/ 567).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«إنها من الطوافين عليكم والطوافات» فأشار -صلى الله عليه وسلم- إلى أن الحاجة إليها أسقطت اعتبار حالها في نجاسة سؤرها؛ رفعًا للحرج وتنبيهًا على أصل من أصول الفقه، وهو أن كل ما دعت الضرورة إليه من المحظور فإنه ساقط الاعتبار على حسب الحاجة وبقدر الضرورة. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: 145).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «إنها من ‌الطوافين عليكم» بعد قوله: «إنها ليست بنجس» من باب ترتيب الحُكم على الوصف المناسب إشعارًا بالعلية، وهذا الوصف -أعني «الطوافين»- يقتضي أن يكون سؤر الهرة على تقدير نجاسة فمها معفوًّا عنه للضرورة؛ إذ لا يمكن الاحتراز عنه كطين الشارع ونحوه. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 832).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه من الفقه: أن ذات الهرة طاهرة، وأن سؤرها غير نجس، وأن الشرب منه والوضوء به غير مكروه.
وفيه: دليل على أن سؤر كل طاهر الذات من السباع والدواب والطير وإن لم يكن مأكول اللحم طاهر.
وفيه: دليل على جواز بيع الهرّ؛ إذ قد جمع الطهارة والنفع. معالم السنن (1/ 41).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفيه: إباحة اتخاذ الهرّ، وما أبيح اتخاذه للانتفاع به، جاز بيعه وأكل ثمنه، إلا أن يخص شيئًا من ذلك دليل فيخرجه عن أصله.
وفيه: أن الهرّ ليس يُنَجِّس ما شرب منه، وأن سؤره طاهر، وهذا قول مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه والأوزاعي وأبي يوسف القاضي والحسن بن صالح بن حي...
وممن روينا عنه أن الهر ليس بنجس، وأنه لا بأس بفضل سؤره للوضوء والشرب: العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وعائشة وأبو قتادة والحسن والحسين، وعلقمة وإبراهيم وعكرمة وعطاء بن يسار.
واختُلف في ذلك عن أبي هريرة والحسن البصري؛ فروى عطاء، عن أبي هريرة، أن الهر كالكلب، يُغسل منه الإناء سبعًا، وروى أبو صالح ذكوان، عن أبي هريرة، قال: «السنور من أهل البيت»، وروى أشعث، عن الحسن، أنه كان لا يرى بأسًا بسؤر السنور، وروى يونس، عن الحسن، أنه قال: يغسل الإناء من ولوغه مرة، وهذا يحتمل أن يكون رأى في فمه أذى؛ ليصح مخرج الروايتين عنه، ولا نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- روي عنه في الهرّ أنه لا يتوضأ بسؤره إلا أبا هريرة، على اختلاف عنه.
وأما التابعون، فروينا عن عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين، أنهم أمروا بإراقة ماء ولغ فيه الهرّ، وغسل الإناء منه، وسائر التابعين بالحجاز والعراق يقولون في الهرّ: إنه طاهر، لا بأس بالوضوء بسؤره.
وروى الوليد بن مسلم قال: أخبرني سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب والحسن، أنهما كرها الوضوء بفضل الهرّ، قال الوليد: فذكرتُ ذلك لأبي عمرو الأوزاعي ومالك بن أنس، فقالا: توضأ به، فلا بأس به وإن وجدتَ غيره.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): الحُجَّة عند التنازع والاختلاف سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد صح عنه من حديث أبي قتادة في هذا الباب ما ذكرنا، وعليه اعتماد الفقهاء في كل مصر، إلا أبا حنيفة ومَن قال بقوله.
قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: الذي صار إليه جُلُّ أهل الفتوى من علماء الأمصار من أهل الأثر والرأي جميعًا: إنه لا بأس بسؤر السنور؛ اتباعًا للحديث الذي روينا، يعني: عن أبي قتادة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
قال: وممن ذهب إلى ذلك؛ مالك بن أنس وأهل المدينة، والليث بن سعد فيمَن وافقه من أهل مصر والمغرب، والأوزاعي في أهل الشام، وسفيان الثوري فيمَن وافقه من أهل العراق.
قال: وكذلك قول الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد وجماعة أصحاب الحديث، قال: وكان النعمان يكره سؤره، وقال: إن توضأ به أجزأه، وخالفه أصحابه فقالوا: لا بأس به.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): ما حكاه المروزي عن أصحاب أبي حنيفة فليس كما حكاه عندنا، وإنما خالفه من أصحابه أبو يوسف وحده، وأما محمد وزفر والحسن بن زياد فيقولون بقوله، وأكثرهم يَرَوْنَ عنه أنه لا يجزئ الوضوء بفضل الهرّ، ويحتجون لذلك، ويروون عن أبي هريرة وابن عمر أنهما كرها الوضوء بسؤر الهر، وهو قول ابن أبي ليلى، وأما الثوري فقد اختُلف عنه في سؤر الهرّ، فذكر في جامعه أنه يكره سؤر ما لا يؤكل لحمه، وما يؤكل لحمه فلا بأس بسؤره، وهو ممن يكره أكل الهرّ.
وذكر المروزي قال: حدثنا عمرو بن زرارة، قال: حدثنا أبو النضر، قال: حدثني الأشجعي، عن سفيان، قال: لا بأس بفضل السنور.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): لا أعلم لمن كره سؤر الهر حجة أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب، فقاس الهرّ على الكلب، وقد فرَّقَت السنة بين الهرّ والكلب في باب التعبد، وجمعت بينهما على حسب ما قدمنا ذكره من باب الاعتبار والنظر، ومن حجته السنة خصمته، وما خالفها مطروح، وبالله التوفيق. التمهيد (1/ 566- 575).
وقال النووي -رحمه الله-:
وهذا الحديث عمدة مذهبنا (الشافعية) ‌في ‌طهارة ‌سؤر ‌السباع وسائر الحيوان غير الكلب والخنزير وفرع أحدهما. المجموع (1/ 171).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والحديث دليل على طهارة الهرة وسؤرها وإن باشرت نجسًا، وأنه لا تقييد لطهارة فمها بزمان، وقيل: لا يطهر فمها إلا بمضي زمان من ليلة أو يوم، أو ساعة، أو شربها الماء، أو غيبتها، حتى يحصل ظن بذلك، أو بزوال عين النجاسة من فمها؛ وهذا الأخير أوضح الأقوال؛ لأنه مع بقاء عين النجاسة في فمها فالحكم بالنجاسة لتلك العين لا لفمها، فإن زالت العين فقد حكم الشارع بأنها ليست بنجس. سبل السلام (1/ 33).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:
-أن الهرة ليست بنجس؛ فلا ينجس ما لامسته أو ولغت فيه.
-العلة في ذلك أنها من الطوافين، وهم الخدم الذين يقومون بخدمة المخدوم، فهي مع الناس في منازلهم وعند أوانيهم وأمتعتهم، فلا يمكنهم التحرز منها.
- هذا الحديث وأمثاله من أدلة القاعدة الكلية الكبرى، وهي: "المشقة تجلب التيسير"؛ فعموم البلوى بها جعل ما تلامسه الهرة طاهرًا وإن كان رطبًا.
- يقاس على الهرة كل ما شابهها من الحيوانات المحرمة، ولكنها أليفة تدعو الحاجة إلى استعمالها؛ كالبغل والحمار، أو لا يمكن التحرز منه؛ كالفأر.
- أن فقهاء الحنابلة وغيرهم جعلوا كل ما كان بقدر خلقة الهرة، أو أصغر منها من الحيوانات المحرمة، والطير المحرمة في حكمها من حيث الطهارة، وجواز الملامسة والمباشرة؛ فطهارة هذه الحيوانات وأمثالها أمر غير حل أكله بالذكاة، وإنما المراد طهارة البدن وما أصاب ولامس، ولكن الراجح تقييده بما تَعمُّ به البلوى من الحيوانات المحرمة، سواء كان كبير الخلقة أو صغيرها؛ لأنه مناط العلة بقوله: «إنها من الطوافين عليكم».
- مفهوم الحديث: يفيد مشروعية اجتناب الأشياء النجسة، وإذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى ملامستها، فيجب التنزه منها؛ وذلك كالاستنجاء باليد اليسرى، وإزالة الأنجاس والأقذار بها. توضيح الأحكام (1/ 139- 140).
وقال عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
- ينبغي الرفق بالهرة كما ينبغي الرفق بالخادم. فقه الإسلام (1/ 16).


إبلاغ عن خطأ